أثارت صورة مرافقة لمقال الكاتب الجزائري الفرنسي كمال داود صدر في العدد الأخير (30 سبتتمبر الماضي) لمجلة “لوبوان” الفرنسية، جدلا على مرتين، فبعد حذف الصورة الأولى عقب احتجاج صاحبتها الممثلة هناء منصور، رفضت السياسية زبيدة عسول إقحامها في الصورة الثانية على غلاف نص وصفته بـ”المسموم”، كما احتجت بالمثل الناشطة النسوية كنزة خاطو.
وقد توسعت دائرة الانتقادات في الجزائر، عقب عدد أخير للمجلة اليمينية الفرنسية تناول في جزء منه الجزائر. وفي بيان لها احتجت زبيدة عسول الرئيسة السابقة لحزب الاتحاد من أجل الرقي والتغيير، على استخدام صورة التقطت خلال إحدى المسيرات خلال فترة الحراك الشعبي، لمرافقة نص أدبي للكاتب كمال داود حمل عنوان “مونولوغ متخيّل لفرنسية جزائرية”، معتبرة أن توظيف صورة “شعب يحتفل بنضالات خاضتها أجيال عدة من النساء في الجزائر”، من أجل إسناد أقوال إلى امرأة متخيلة تحمل “المرارة والسم تجاه بلدنا”، أمر “مُشين”.
وقالت عسول إن الصورة تعود إلى لحظة وصفتها بأنها “غير مسبوقة” في تاريخ الجزائر، في إشارة إلى فترة الحراك الشعبي، مضيفة أن مجلة “لوبوان” تخلت، من وجهة نظرها، عن “كل قواعد الأخلاقيات والمهنية” من خلال استخدام الصورة “في تجاهل للوقائع وكرامة الأشخاص”، خصوصا النساء اللواتي يظهرن فيها، من دون طلب رأيهن مسبقا.
واعتبرت السياسية الجزائرية أن ما حدث يعكس، بحسب تعبيرها، “تدهورا أخلاقيا وفكريا”، ووصفت المرحلة الحالية بأنها “مظلمة”، في موقف جاء بعد احتجاج سابق للممثلة هناء منصور على استخدام صورتها الشخصية في المقال نفسه.
وكانت هناء منصور قد اعترضت علنا على نشر صورتها في فيديو نشرته على مواقع التواصل، مؤكدة أنها لم تُستشر ولم تمنح موافقتها على استخدامها في هذا السياق، كما نأت بنفسها عن الأفكار والمواقف الواردة في النص، وطالبت بسحب الصورة من المنصات الرقمية للمجلة، مع احتفاظها بحقها في اللجوء إلى القضاء.
وتدخلت وكالة “وجوه” التي تدير أعمال الممثلة، وأصدرت بيانا أدانت فيه استخدام الصورة، وأكدت رفضها للمواقف والزوايا التي تضمنها المقال، محذرة من اتخاذ إجراءات قضائية في حال عدم الاستجابة لمطالبها.
وبعد الاحتجاج وتحرك الوكالة، سحبت إدارة “لوبوان” صورة هناء منصور من موقعها، وهو ما أكدته الممثلة نفسها، معلنة أن المجلة قامت أخيرا بإزالة الصورة من موقعها.
وأثار استخدام صورة الممثلة أيضا موقفا من السفير الجزائري السابق عمار بلاني، الذي ركز على مسألة الرضا وحق الأشخاص في التحكم في صورهم. وقال إن استخدام صورة هناء منصور على مقال داود “صادم وغير مبرر”، خصوصا أنها أكدت عدم استشارتها وعدم منحها أي إذن، ورفضت أي ارتباط بينها وبين المقال وكاتبه.
ورفض بلاني اختزال المسألة في مجرد “خيار تحريري”، معتبرا أن استخدام صورة شخص من دون موافقته لمرافقة نص لا علاقة له به يفرض عليه ارتباطا يرفضه. وربط الدبلوماسي السابق القضية بجدل آخر يحيط بداود، يتعلق بادعاء استخدام قصة شخصية لجزائرية أخرى، سعادة عربان، في رواية “حوريات”، معتبرا أن مسألة الرضا وحق الأشخاص في التحكم في صورهم وقصصهم تطرح نفسها في الحالتين.
وفي السياق نفسه، برز موقف الصحفية والناشطة النسوية كنزة خاطو، التي اعترضت أيضا على استخدام الصورة الجماعية التي تظهر فيها إلى جانب نساء جزائريات، وقالت إن الصورة التقطت يوم 8 آذار/مارس 2020، خلال مسيرة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق النساء، تزامنت أيضا مع استمرار مسيرات الحراك الشعبي ومثول الصحافي خالد درارني أمام قاضي التحقيق.
وأكدت خاطو، التي قالت إنها كانت حاضرة في ذلك اليوم بصفتها صحافية وناشطة نسوية ومواطنة جزائرية، أن الصورة توثق لحظة نضالية محددة للنساء الجزائريات، وأن استخدامَها خارج سياقها يطمس دلالتها السياسية والاجتماعية.
وقالت إن اعتراضها لا يتعلق بحق الكاتب في الكتابة عن النساء، وإنما بالانتقال من الكتابة عنهن إلى “الكتابة بالنيابة عنهن”، من خلال ابتكار شخصية نسائية متخيلة وإسناد أفكار ومواقف إليها. كما انتقدت ما اعتبرته إعادة إنتاج صورة نمطية عن المرأة الجزائرية والمجتمع الجزائري، متسائلة عن المعايير التي تتحكم في اختيار القضايا والزوايا التي تتناولها بعض الكتابات الفرنسية حول النساء الجزائريات.
وشددت خاطو على أن الجزائريات “لسن نسخة واحدة”، وأن نضالاتهن ومشكلاتهن مرتبطة بسياقات تاريخية واجتماعية وسياسية جزائرية، معتبرة أن الصورة التي ظهرت فيها نساء حقيقيات لا يمكن اختزالها في شخصية متخيلة داخل نص أدبي.
أما كمال داود، فقد نشر توضيحا عبر حسابه على منصة “إكس”، بعد تحديث المادة المنشورة في “لوبوان”، أكد فيه أن الصورة التي رافقت المقال في البداية كانت من “الاختيار الوحيد لتحرير لوبوان”، وليس من اختيار الكاتب.
وأضاف داود أن الصورة المعنية “تم سحبها من منصاتنا”، في توضيح فصل فيه بين مضمون المقال وبين القرار التحريري المتعلق باختيار الصورة المرافقة له.
وكان مقال داود، الذي حمل عنوان “مونولوغ متخيّل لفرنسية جزائرية”، قد جاء في شكل نص أدبي يتقمص فيه الكاتب صوت امرأة متخيلة من أصول جزائرية، تعيش حالة من التوتر بين انتمائها إلى فرنسا وما تمثله بالنسبة إليها من حرية واختيار فردي، وبين الذاكرة والأصول والتقاليد المرتبطة بالجزائر. ويركز النص على قضايا الهوية والحرية والذاكرة والانتماء، ويستخدم تجربة المرأة المتخيلة للتعبير عن صراع داخلي بين فضاءين.
ويواجه كمال داود متاعب قضائية في الجزائر وفرنسا بسبب روايته الأخيرة “حوريات”، الفائزة بجائزة الغونكور لعام 2024، على خلفية اتهامات تتعلق باستغلال قصة شخصية لجزائرية من ضحايا الإرهاب، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بالتشهير وانتهاك الخصوصية والسر الطبي.
وفي فرنسا، برأ القضاء داود من تهمة التشهير في دعوى رفعتها سعادة عربان، وهي جزائرية من وهران وناجية من فترة العشرية السوداء، ضد الكاتب وصحيفة “لوفيغارو”. وكانت عربان قد اعتبرت أن تصريحات أدلى بها داود في مقابلة صحفية تضمنت تلميحا إلى أن شكواها ضده جاءت بإيعاز من السلطات الجزائرية، وهو ما رفضه دفاع الكاتب والصحيفة.
واعتبر القضاء الفرنسي أن التصريحات محل المتابعة لا تشكل تشهيرا، فيما لا يزال الحكم على نزاع آخر منفصل يتعلق بانتهاك الخصوصية دون حسم. وكانت عربان قد اتهمت داود بإدراج تفاصيل من قصتها ومعاناتها الشخصية في رواية “حوريات”، بعد أن كانت قد نقلتها إلى زوجته، الطبيبة النفسية، دون موافقتها، وفق ما تقول.
وفي الجزائر، تواجه القضية مسارا قضائيا آخر يتعلق باتهامات بـ”انتهاك” و”إخفاء” السر الطبي. كما سبق لمحكمة في وهران أن أصدرت حكما بالسجن ثلاث سنوات بحق الكاتب على خلفية تناوله فترة المأساة الوطنية في روايته.
التعليقات (0)