أعلنت النيابة الفرنسية فتح تحقيق بشأن محادثة على منصة 'اكس' للاشتباه في التحريض على الكراهية أو العنف، والدعوة إلى ارتكاب عمل إرهابي، بعدما تضمنت الرسائل عبارات من قبيل "هذا ليس بلد العرب"، ودعوات إلى استهداف أشخاص أثناء تجمعهم للصلاة في الشوارع، إلى جانب عبارة تدعو إلى قتل عدد كبير من المسلمين.
وكان النائب عن حزب فرنسا الأبية، توما بورت، قد نشر في 25 أكتوبر/تشرين الأول مقطعاً من المحادثات عبر حسابه على المنصة، معلناً عزمه تقديم شكوى إلى نيابة الجمهورية في باريس. ويضع التحرك القضائي القضية أمام اختبار مزدوج: تحديد المسؤولية القانونية عن الرسائل، والتعامل مع خطاب يستهدف جماعة دينية وعرقية ويقدم وجودها في المجال العام بوصفه تهديداً يستوجب الإقصاء.
وتفتح الدعوات إلى قتل المسلمين في مجموعة محادثة على منصة 'إكس' نقاشاً يتجاوز التحقيق الجنائي في مضمون الرسائل، ليطال تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين والمهاجرين، وحدود تأثير اليمين المتطرف في المناخ السياسي الفرنسي، خصوصاً في ظل التوترات الاجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات لدى قطاعات من المجتمع. وبينما لا تكفي واقعة واحدة لإثبات وجود تحول شامل في المجتمع الفرنسي، فإن خطورة الرسائل تكمن في انتقال الخطاب العنصري من التعبير العدائي إلى التحريض الصريح على العنف.
وتأتي القضية في سياق أمني وسياسي حساس، بعد هجوم وقع في إقليم إيفلين في 23 أكتوبر/تشرين الأول وأسفر عن مقتل شخص وإصابة سبعة آخرين، ووصفه الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه ذو طابع إرهابي وعنصري، غير أن الربط بين الحادثتين يحتاج إلى الحذر؛ فلا توجد في المعطيات المتاحة أدلة تثبت وجود صلة مباشرة بين الهجوم ومجموعة المحادثة، كما لا يصح اعتبار التحريض الصادر عن أفراد دليلاً على موقف المجتمع الفرنسي بمجمله.
وتكتسب هذه القضية دلالة إضافية في ظل الاضطرابات التي شهدتها فرنسا أخيراً، مع احتجاجات على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة ومشاركة مجموعات من حركة 'السترات الصفراء' وطلاب ونقابات في تحركات اتسم بعضها بالعنف والتخريب. وقد أظهرت تلك الاحتجاجات عمق الغضب الاجتماعي وأزمة الثقة بالسلطة، لكنها لا تعني بالضرورة أن المحتجين يتبنون خطاباً عنصرياً أو معادياً للمسلمين.
مع ذلك، تتيح الفوضى لبعض التيارات المتشددة فرصة لتقديم صورة عن الدولة بوصفها عاجزة عن فرض النظام، وربط الأزمات الاقتصادية والأمنية بالهجرة والتنوع الديني، بينما يمكن لخطاب اليمين المتطرف أن يستثمر مشاهد العنف والتخريب لتغذية سردية "انهيار النظام"، والدعوة إلى تشديد السياسات الأمنية والهجرة، وتصوير المسلمين باعتبارهم جزءاً من مشكلة أوسع، رغم غياب أساس يبرر تحميل جماعة دينية مسؤولية الاضطرابات.
وقد رصدت تقارير وتحليلات فرنسية حديثة استفادة اليمين المتطرف سياسياً من التوترات الاجتماعية، في وقت تتنافس فيه القوى السياسية على تقديم نفسها بوصفها الأقدر على استعادة الأمن، لكن تحديد الجهة التي تقف وراء الرسائل المنشورة على 'إكس' يتطلب نتائج التحقيق، ولا يمكن إسنادها إلى حزب أو تنظيم بعينه قبل معرفة هوية أصحابها والروابط التي تجمعهم.
وتعزز الأرقام الرسمية دواعي القلق من دون أن تبرر التعميم، فقد أفادت اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان بأن عدد الوقائع المعادية للمسلمين المسجلة في فرنسا ارتفع بنسبة 88 في المئة خلال عام 2025، إلى 326 واقعة، فيما ارتفع إجمالي الجرائم والجنح ذات الطابع العنصري أو المعادي للأديان إلى 9737، بزيادة خمسة في المئة عن العام السابق، بينما يظل مؤشر التسامح العام مستقراً عند 64 من 100، ما يشير إلى أن تصاعد الاعتداءات لا يعني أن المجتمع الفرنسي بمجمله يتجه نحو التطرف.
وتبرز هنا مسؤولية الخطاب السياسي والإعلامي ومنصات التواصل في منع تحول الخلاف بشأن الهجرة والهوية إلى تحريض على العنف، فالنقاش بشأن العلمانية والأمن والاندماج مشروع في إطار ديمقراطي، لكنه يصبح خطراً حين تُختزل جماعة كاملة في صورة تهديد، أو تُستغل ممارسات أفراد لتبرير استهداف الملايين بسبب دينهم.
ولا تثبت الرسائل وحدها وجود حملة منظمة تقف وراءها جهة محددة، لكنها تكشف كيف يمكن أن يتداخل الاستقطاب السياسي مع الأزمات الاجتماعية وخطاب الإقصاء. ويبقى الاختبار أمام السلطات الفرنسية في كشف المسؤولين ومحاسبتهم، بالتوازي مع رفض التعميم وحماية حرية العبادة، حتى لا تتحول الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية إلى ذريعة لتطبيع الكراهية.

التعليقات (0)