درس «فلاي دبي» كشفت أن التطبيع الفوقي مجرد استعراض فاشل

درس «فلاي دبي» كشفت أن التطبيع الفوقي مجرد استعراض فاشل
درس «فلاي دبي»

من المفيد عدم التقليل من أهمية نظريات المؤامرة التي انتشرت حول حادثة طائرة «فلاي دبي» الإماراتية التي كانت متوجهة إلى إسرائيل.
في هذا العالم المحفوف بالجنون، من الأفضل ألا تشتري كل ما يباع لك في القضايا الكبرى التي تفلت منك وتشعرك بالعجز. لن تخسر شيئا لو تمنح نفسك هامشا ضئيلا من التفكير وتسأل: وماذا لو..؟
لكن الاستسلام لنظريات المؤامرة في كل ما يعيشه العالم من حوادث وكوارث يقود إلى حالة نفسية غير صحية تُتعب صاحبها. لذلك من الأفضل أن تمنح نفسك هامشا (آخر) يتيح لك في بعض الحالات افتراض الثقة والتصديق.
هذا ما سأفعله اليوم بخصوص طائرة «فلاي دبي».
سأفترض أن الحادثة ليست «فيلما هنديا»، كما راج في منصات التواصل الاجتماعي، وأن الطائرة نجت بمعجزة من كارثة مؤكدة بفضل سبّاك تحوّل في لحظة إلى طيار فائق البراعة.
في هذه الحالة هناك حقائق تحيط بالموضوع. أبرز هذه الحقائق أن الحادثة صفعة تذكير للكل. على رأس الكل إسرائيل. خطورة الحادثة لا تتعلق بمساعد الطيار الذي يقال إنه متورط فيها. الحادثة مهمة وخطيرة، لكن هناك أهم منها: سياقها. السياق أهم ورقة في التحليل، وتجاهله يقود بالضرورة إلى الخطأ. السياق هنا سياسي لا يمكن فصله عن أحداث الشرق الأوسط وتحديدا السياسات الإسرائيلية الوحشية تجاه الفلسطينيين.
إسرائيل تنتصر عسكريا، لكنها تخسر استراتيجيا، لصالح كل مَن يحتجون، عن حق، على جرائمها.
الخسارة الاستراتيجية أخطر من الانتصارات العسكرية، لأن الانتصارات العسكرية لم تجلب للإسرائيليين الأمن والسلام.
بعد كل هذه الإبادة والدماء المسفوكة، هل تشعر اسرائيل بالأمن؟ لا. اليوم امتد خوف الإسرائيليين ولم يعد محصوراً في إسرائيل.. من قوافل السياح التي تتعرض للمطاردة في اليونان وغيرها إلى حادثة «فلاي دبي».
في ما يخص المنطقة، قضية الطائرة الإماراتية كشفت أن التطبيع الفوقي مجرد استعراض فاشل قد يحقق كل شيء إلا السلم والأمن. أنظر كيف تسلل الخطر من رأس الحربة في خطط التطبيع العربي، الإمارات. والحق أن الخلل هنا ليس في الإمارات، بل في الواقع الذي فرضته إسرائيل والمتمثل في أنها لم تترك صديقا أو حليفا لها.
حادثة «فلاي دبي» أضافت طبقة أخرى من الخطر على الإسرائيليين أخطر من الطبقات التقليدية التي حفظوها وحفظتهم.
تقول إسرائيل إنها تفرض على الإمارات منع تكليف طيارين من دول لا علاقات دبلوماسية معها بالتحليق نحو إسرائيل. ليت المشكلة بهذه البساطة. عدد الرحلات الجوية (الإماراتية) من الإمارات إلى إسرائيل يتجاوز الـ70 أسبوعيا. أسئلة عشوائية: كم طيار ومساعد طيار وعضو طاقم ضيافة يعمل في هذه الرحلات وبحاجة لفحص أمني؟ هل يكفي فحص واحد، أم يحتاج الأمر لفحص كل شخص دوريا، أم قبل كل رحلة؟ ماذا عن شركات الطيران الأخرى التي تطير إلى إسرائيل، وهي بالعشرات ومن كل القارات، هل ستخضع لنفس الإجراءات؟
أما جدوى الفحص الأمني فقضية أخرى تثير أسئلة بقدر ما تبدو سخيفة هي ضرورية: هل كل طيار يسوؤه ما ترتكب إسرائيل من إبادة يملك بالضرورة في جهاز كمبيوتر يخزّن فيه مواد تروّج للإرهاب؟ أو يملك حسابات في منصات التواصل يتابع من خلالها محتوى يشجع على التطرف والإرهاب؟ هل كل شخص ساخط على جرائم إسرائيل هو بالضرورة منتسب لتنظيم القاعدة أو داعش؟

أي جهاز استخبارات سيتحمل كل هذه الأعباء والى متى؟
ورد في الأخبار أن التوجيه الإسرائيلي للإمارات ألا تتضمن رحلات شركاتها إلى إسرائيل طواقم من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. واضح أن المقصود مواطني الدول العربية والمسلمة أكثر من غيرهم، حتى وإن لم يُذكر ذلك صراحة. إنه تسطيح ساذج أن تقرّ إسرائيل بأنها ترتاب من طيار عربي أو مسلم لا تقيم سلطات بلاده علاقات دبلوماسية معها، وتطمئن لآخر اختارت (أو أُجبرت) سلطات بلاده أن تطبّع علاقاتها مع إسرائيل.
أقل ما يقال في افتراض أن رعايا الدول (العربية) غير المطبّعة يشكلون خطرا على أمن إسرائيل أكثر من مواطني الدول المطبّعة، أنه عبثي. مصر ترتبط بعلاقات دبلوماسية وأمنية قوية مع إسرائيل عمرها نصف قرن. هل يستطيع وفد سياح إسرائيلي أن يتجول بأمان في القاهرة أو الإسكندرية؟
الكلام نفسه ينطبق على الأردن والمغرب. دبي حالة استثنائية أمن الإسرائيليين فيها مصطنع وفشل في أول امتحان، الرحلة 1073.
القضية أكبر من براعة أمنية، وتتعلق بالأفراد أكثر منها بسياسات الدول، خصوصا مع بروز ظاهرة الذئاب المنفردة. الأغلبية المطلقة من مواطني الدول العربية على طرف نقيض من سياسات حكوماتهم في موضوع التطبيع مع إسرائيل.
إذا كان من درس يُستخلص من حادثة الطائرة فهو أن الحل الأمني كذبة. الدولتان الأكثر تشددا في أمن المطارات والطيران، إسرائيل والإمارات، تسرب إليهما الخطر من حيث لم تحتسبا.
ما لم تفهمه إسرائيل أنها لن تنعم بالأمن ما لم ينعم به الفلسطينيون. المعادلة بسيطة وواضحة.
أفضل من اختزل هذه الحقيقة، الكاتب السياسي الإسرائيلي يوناثان توفال، في مقال جميل بصحيفة نيويورك تايمز الأحد الماضي. مما قال: «الإسرائيليون منهكون. حالة الطوارئ والاستنفار الأمني في إسرائيل عمّرت حتى أصبح لها أحفاد». ويوضح أن الحس الأمني عند الإسرائيليين لازمة حياتية في النوم واليقظة، وأن الإسرائيليين يراقبون الأخبار الأمنية والحربية مثلما يراقب الناس في أمكنة أخرى أخبار الطقس.
«خبراء» و»محللون» يتفلسفون على الشاشات ويسألون عن الجهات أو المنظمات التي جنّدت مساعد الطيار المتهم في حادثة الطائرة، بينما لا يحتاج المرء الذي لديه استعداد للتطرف والانتقام إلى أي جهة لتتولى تجنيده. أكبر مجنِّد اليوم هي صور غزة مسوّاة بالأرض وأهلها موتى أحياء في الخيام والأنقاض، وصور المستوطنين يحرقون ممتلكات الفلسطينيين ويجرّفون حقولهم. ما يرتكبه بن غفير وسموتريتش وغيرهما من متعصبين أفضل وقود لهذه الأحداث. إذا كانت عنفا، سمّها إرهابا، سمّها مقاومة، سمّها ما تشاء فلن يغير رأيك من الواقع شيئا. وإذا كانت تحركات سياسية وإنسانية كما يحدث في المجتمعات الغربية، تستطع أن تسميها معاداة سامية أو تآمر على إسرائيل أو تحالف مع الإرهاب، فلن يغير رأيك من الواقع شيئا.

توفيق رباحي

شارك

التعليقات (0)

User