تتقدم فصول السنة وأشهرها، ويطول انتظار الجزائريين للخريف، نسمات باردة وشمس أخف، انغماس حتى الآذان في الأعمال والدروس، رتابة تحولت إلى ترف هذه السنة، قيظ يصارع منذرا بالجفاف، وجفاف يبدو قد أتى على العقول قبل الزرع، فيما يبدو «خريف الباطريرك» بعيدا والعجز يعيدون مساءلة مكانة النسوة في الفضاء العام، كخَرف لا يمل إعادة تدوير الحكايا.
تخفيضات «وردية»
لا يذكر الجزائريون تحديدا متى بدأ الشعور بأمراض وسط المجتمع، يحدث أن يستذكروا الصيغ التي جاءت بها الحملات، تتحول مواقع التواصل الاجتماعي من حين لآخر لفضاءات لاستعادة ذكريات جامعة، للحنين وكثير من السخرية من نماذج امتدت زمنا لم يكن الإبداع سيدها، في المقابل لا يمكن لأحد أن ينكر فائدتها. إذا بدأ الاهتمام بمرض كـ»سرطان الثدي» عالميا من أربعين سنة، فقد أعاد الجزائريون اكتشافه بتغلغل الـ»سوشيال ميديا»، لا لحجر اجتماعي على المرض (وإن مارس الناس إخفاء قسريا لكلمة «كانسر» في ألسنتهم أولا) في بلد كبرت أجياله على قناة وطنية تلفزية واحدة لا تترك مرضا، ولا حتى الإيدز إلا ونبهت لخطورته، بل ربما لقدرة الوسائل على الوصول بشكل أسرع وأكثر فاعلية، ولكون المرض الأكثر انتشارا بين نساء البلاد، موجبات الوقاية منه تبدو أخف من تكاليف علاجه.
الحقيقة أن التوعية بالمرض لم يكن يوما مادة للنقاش ولا الجدل في الجزائر، عكس فرنسا مثلا التي فجرت فيها نائب برلمانية تدعى «ماتيلد بانو» عن حزب فرنسا الأبية، سجالا حول جذور الشهر الزهري، مؤشرة على الشركات الصيدلانية المسوقة للعقار المضاد للمرض، على رأسها شركة «سينجانتا»، التي أنتجت في الوقت الذي كانت تحمل فيه تسمية «امبريال كيميكال انداستريز» مبيدات مسرطنة، في حين تواصل حاليا دعمها للمشاريع الصهيونية التوسعية على أرض فلسطين، وعن علاقات الشركة بمجموعات إعلامية وتسويقية أمريكية وحتى جمعيات لمحاربة المرض، أقرب لجماعة مصلحة من اهتمام حقيقي بمشكلة صحة عامة، ما جعل السيدة ترفض ارتداء الشريط الرمز.
لكن المثير للانتباه في اهتمام الجزائريين بالمرض، هو إعادة تعريف مفهوم التوعية والفحص غير المسبوق والذي تحولت فيه الإبداعات التسويقية والممارسات التجارية إلى تجربة رقمية وجب مساءلتها، الموعد الطبي، تحول إلى فرصة لبعث أسواق جديدة، ليست بالضرورة دوائية ولا صحية عامة، بل «شهر تخفيضات» على المستلزمات «النسائية»: ألبسة، أفرشة، أغطية، أوان منزلية، بل حتى فيتامينات ومكملات غذائية، مكياج وأدوات تجميل، تقودها صفحات رقمية ومتاجر إلكترونية مجهرية، شعارها الوحيد «أكتوبر الوردي».
جسد المرأة
إذا بررت الدراسات السوسيولوجية المتأخرة ضعف الاهتمام بخصوصية النساء الصحية خارج الصحة الإنجابية، في أوروبا والعالم الغربي، بكون الأسبقية التاريخية التي احتلها الجسم الرجالي في التحليل البيولوجي، تغيب الدراسات في المنطقة العربية عامة التي تدرس الاختلافات في التعاطي الصحي، حسب النوع الاجتماعي، ويتلاشى الصوت النسوي المدافع عن هذه الحقوق في المنطقة، وتتحول أمراض نسائها إلى فرصة أخرى للاستهلاك، استمرارا لتقزيم مكانتهن الاجتماعية احتمالا، ولثانوية أهمية صحتهن ربما.
لا للأمهات!
لا يمكن أن يتجاوز ضيق مواطن جزائري في فورته غضبه (وإن كان الغضب الجزائري كليشيه له من الحمولة الكولونيالية ما يكفي لخط مقالات طوال)، سوى ضيق مسؤول جزائري يعرف التنظيم الذي يشرف عليه اضطرابا. بالمقابل وفي طريقه البطولي لفرض منظوره، يحاول هذا المسؤول (البطريرك) استباق المقاومات، مضاعفة استراتيجيات البقاء، مصرا على «بث فكره»، إثبات قدرته على الاخضاع، ومصارعة الرياح. ليس الأمر بالفريد قد يقول قائل، إلا أن للسياقات الجزائرية خصوصياتها.
يدافع الباحث في علم الاجتماع السياسي ناصر جابي على أطروحة مفادها أن التعليم هو ما غير وجه المجتمع الجزائري وليس المصنع، طرح يتأكد مع كل مستجد يطرأ على ملفات القطاع، الذي سرعان ما يحتل أرقى درجات سلم اهتمامات الجزائريين. حساسية الميدان، جعلت الجزائريين يتفاعلون بقوة مع عدة أخبار تتالت، كانت المدارس بطلتها. فيما لقي أمر تقنين «اللمجة» أو اللانش بوكس» في مواد بسيطة، عبر الكثير من المدارس (الحكومية حيث تتمدرس النسبة الأهم من أبناء الجزائريين) استحسانا واسعا، تحولت الدعوات الرقمية المجهولة لإضراب طلبة الأقسام الثانوية إلى مادة للجدل، يحاوطها التشكيك والارتياب، قبل أن تثبت فشلها لغياب أسباب موضوعية للنجاح ببساطة.
إلا أن ما هز وسائط التواصل الاجتماعي وتحول إلى حديث العام والخاص في البلاد، هو جملة تعليمات صدرت عن عدة مسؤولي مدارس من مختلف الأطوار، تحصر «الولاية المدرسية» في الآباء دون الأمهات، إلا بـ»مبررات قانونية».
العملية التي بدت أقرب إلى «استظهار عضلات» تيارات معينة، تكون التربية والتعليم الوطنيين غنيمة حربها الأيديولوجية، بدأت بتعليمات مفبركة بثت على مواقع التواصل الاجتماعي، تلتها حركة جزئية لبعض مسؤولي المدارس، والذين يكونون قد ضاقوا ذرعا بالتواجد المكثف لـ»وليات الأمر» داخل المؤسسات التي يديرونها.
حضور أنثوي مزعج، يطغى عليه البعد العاطفي، وغياب قدرة على التحكم في الأبناء، في استدعاء لنماذج اجتماعية تعيد للأب هيبته داخل الأسرة الجزائرية، أو على الأقل تلك التفسيرات التي راح يسوقها البعض ممن استساغ مثل هذه التعليمات، قبل أن يفصح رواد الخطاب الأصولي عن استساغتهم لقرارات معيدين تفسير الولي «شرعا»، استنادا للقانون الجزائري «أولا» الذي يؤكد هذا النحو فيما خصصه من قوانين للأسرة، «الولي شرعا هو الأب»، «الأم تأتي في مرتبة ثانية»، «إنها الحقيقة، وقانون الأسرة الجزائري من صلب الشريعة». التعليمات التي ملأت الفضاءات الرقمية واجهت ردود فعل مناوئة، من سيدات وآباء، حركت التعليمات ركد رتابة الأدوار التي بنوها داخل أسرهم.
غياب الآباء
البعض تحجج بغياب الآباء طيلة اليوم، مسافات العمل البعيدة، وجود آباء لا يلتحقون بمنازلهم إلا أياما في الشهر الواحد وغيرها من ظروف. جدل واسع ونقاش، لم يخفف حدته سوى تعليمة وزارية (نازلة) أكدت بطلان القرارات المنتشرة هنا وهناك.
لكن وقع الحملة (المدبرة على الأرجح) لا يمكن أن يقرأ إلا في سياق حملات أخرى سابقة لم يعد الأصوليون يخشون نسبها إليهم، متحدين، بعيدا عن حسابات السياسة والأحزاب، وفي غياب نقاش مجتمعي مبني على مخرجات بحوث ميدانية جادة حول تحولات الأسرة الجزائرية، ومعها المجتمع ونسوته!
غادة بوشحيط
التعليقات (0)