عالم عربي على صفيح ساخن

منذ بداية الاستقلال مطلع الأربعينات من القرن المنصرم والعالم العربي يمر في حالة من التوتر وانعدام الوزن، صاحبه فشل في النظام الرسمي في غالبية الدول العربية وعجز في تحقيق الحدود الدنيا لحاجات المواطن المفتقد للكثير من حقوقه . صحيح أن الاستعمار قد خرج جسديا من كل البلاد العربية ( باستثناء فلسطين )…

مارس 31, 2013 - 18:17
تم التحديث: 13 سنوات منذ
2 1.5ك
عالم عربي على صفيح ساخن

منذ بداية الاستقلال مطلع الأربعينات من القرن المنصرم والعالم العربي يمر في حالة من التوتر وانعدام الوزن، صاحبه فشل في النظام الرسمي في غالبية الدول العربية وعجز في تحقيق الحدود الدنيا لحاجات المواطن المفتقد للكثير من حقوقه .
صحيح أن الاستعمار قد خرج جسديا من كل البلاد العربية ( باستثناء فلسطين ) لكنه ظل عبر عقود طويلة صاحب الكلمة العليا عبر أنظمة كانت على الدوام تابعة له. وعندما بدأ التفكير بتغيير الواقع الجيو-بوليتيكي لفلسطين ابتداء من العام 1840 وفق ما جاء في رسائل بالمرستون فإن الغرب والقادة الأوائل للفكر الصهيوني أدركوا أن العالم العربي بحكم تكوينه الطائفي والعرقي والمذهبي يحمل بذور تقسيمه واضطرابه في داخله وكلها قنابل موقوتة يمكن تفجيرها في الوقت المناسب.
المشهد العربي اليوم يكتنفه الكثير من الضبابية رغم ثورات الربيع التي كان من المفترض أنها جاءت من أجل تحرير الانسان والقضاء على الديكتاتوريات التي حولت البلاد الى حظائر خاصة أفاد منها قلة قليلة على مدى عقود من الزمن حيث سادت خلالها المحسوبية والفساد ونهب الثروات، الا أن هذا الربيع فشل حتى اللحظة من تحقيق أي من الأهداف التي قامت من أجلها الانتفاضات الشعبية التي أطاحت حتى الآن بأربعة ديكتاتوريات ومازال بعضها الآخر ينتظر.
الديموقراطية في أبسط تعريفاتها هي حكم الشعب، ومن الخطأ اعتبارصندوق الانتخاب دليلا على ذلك، فبرغم أهمية هذا الاجراء الا أنه يبقى منقوصا ما لم يترافق مع اجراءات أخرى أقلها الفصل التام بين السلطات الثلاث في ظل دستور عادل يضبط ايقاع العلاقة بين الحاكم والمحكوم . فهل هذا هو الحال في بلاد الربيع العربي وبقية الدول العربية ؟.
العرب اليوم تجاوز تعدادهم الـ 300 مليون نسمة، ثلث هذا العدد تقريبا أمي لا يقرأ ولا يكتب، أي أن هذه الشريحة الرخوة خارجة عن اطار الفعل والتأثير لكنها تعتبر الأخطر من حيث سهولة تطويعها عاطفيا أو عبر اغراءات أخرى وتحويلها الى أداة ضاربة بيد الأطراف السياسية المتنازعة والمنقسمة على نفسها . ناهيك عن أن دور المرأة مازال محدودا ومهمشا في كثير من الدول العربية رغم أنها تشكل نصف المجتمع.
الشريحة الوحيدة الفاعلة هي فئة المثقفين وطلاب الجامعات وهؤلاء هم المنشغلون بهموم أوطانهم والمنتمون الى كل ألوان الطيف السياسي من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.
في خمسينات وستينات القرن الماضي كان الهاجس القومي فوق كل الاعتبارات ولم يكن في الساحة صوت يعلو فوق صوت الدعوة للوحدة العربية وقد ساهم في اثراء هذا الشعور وجود شخصية كارزمية هو الرئيس جمال عبد الناصر الذي تخطى حدود الدولة المصرية ووصل الى كل بقعة على امتداد الوطن العربي وخارجه، لكن بعد رحيله بدأ انحسار المد القومي وشهدت المنطقة ترسيخ القطرية رغم الحفاظ على نفس الشعارات الوحدوية لدى الأنظمة الجمهورية ثبت أنها كانت فارغة المحتوى، وأكبر دليل على ذلك، النموذج السوري العراقي الذي تسلم فيه حزب البعث السلطة في البلدين وتحت شعار ' أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ' ووحدة الايديولوجية والهدف فقد وصل الخلاف بينهما الى حد الخصومة والاحتراب .حتى دول مجلس التعاون الخليجي بما يمتلكونه من عوامل كثيرة مشتركة هم كذلك فشلوا حتى اللحظة من تحقيق أي نوع من أنواع الوحدة الملموس ولو على الصعيد الاقتصادي.
طبعا هناك نماذج أخرى فاشلة، مثل الاتحاد المغاربي، وحتى وحدة اليمن فهي مهددة بانفراط عقدها. وفي نفس السياق لا بد من الاشارة الى أن العراق المهدد أيضا بالانقسام الى ثلاثة أجزاء، والسودان أصبح سودانdن، وفلسطين الجرح النازف أبدا هي أيضا منقسمة على نفسها بعد انقلاب حماس وتدار من قبل سلطتين، كلتاهما ترزحان تحت احتلال واحد . باختصار شديد، الوطن العربي منذ الاستقلال حتى الآن لم يحصد سوى خيبات متلاحقة.
الربيع العربي بلا شك هو بداية تشكل الوعي في الشارع العربي بغض النظر عن حالة الاضطراب التي تعيشها تلك البلدان الآن بعد انهيار الأنظمة الديكتاتورية، ويمكن تسجيل الايجابيات التالية:
أولا: كسر حاجز الخوف لدى الشارع بعدما كان مسلوب الارادة على يد أنظمة ديكتاتورية قمعية.
ثانيا: خروج التيارات الدينية من العمل السري الى العلن وركوبها موجة الثورات الشعبية واكتساحها للمشهد السياسي بفعل تنظيمها الجيد على مدى عقود طويلة من الزمن، الا أن هذا قد عراها أمام شعوبها وأظهر حقيقة نواياها في الوصول للسلطة والاستئثار بها تحت ستار الدين .
خلال العامين المنصرمين أظهر التيار الديني وخصوصا حركة الاخوان المسلمين في كل من تونس ومصر على وجه الخصوص حالة من التخبط وعدم امتلاكها مشروعا وطنيا ينقل البلاد من الواقع الذي كانت عليه قبل الثورة الى ما يحقق آمال وتطلعات شعوبهم.
ثالثا: التيارات الليبرالية والشعبية بدأت تعي أهمية دورها في الحياة السياسية، وأن اقامة الدولة المدنية يستوجب توحيد الصفوف لمواجهة كل أشكال التطرف الديني الذي بدأ يطل برأسه في محاولة الى اعادة البلاد الى عصور ظلامية في حال استئثاره بالسلطة سيودي بالبلاد نحو المجهول.
في طبيعة الحال لا أحد يريد تكرار ما حصل في الجزائر عام 1991 حيث أدى الصراع بين التيار الديني والعلمانيين الى مقتل قرابة الـ 200000 جزائري ولا حتى انقلاب حماس في غزة، لكن يمكن استخلاص العبر من كلا التجربتين ومن تجارب الحكم الفاشل في العديد من الدول العربية أن الشارع العربي ما عاد يتقبل صيغة حكم الحزب أو التيار الواحد . وكلما استوعب المتصارعون على السلطة ذلك كلما وفروا على بلدانهم مزيدا من الخسائر في الأرواح ومن استنزافهم لمواردهم الطبيعية ووضع البلاد على الطريق الصحيح محو البناء والتنمية.
رغم كل الاحباطات التي مر ويمر بها الشارع العربي الا أن هناك حراكا سياسيا غير مسبوق، وهذا شأن كل الثورات التي حدثت في التاريخ، فالتركة التي خلفتها الدكتاتوريات العربية ثقيلة جدا، ومرحلة المخاض لما بعد الثورات لن تكون سهلة، والى أن تصل الأمة الى مرحلة الاستقرار السياسي فإن الأوضاع في الشارع العربي ستبقى على صفيح ساخن.


قيس مراد قدري

النقيب الاسبق للصحفيين الاجانب في السويد

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (2)

User
EL ABASSI
EL ABASSI 13 سنوات منذ
<strong>LES REVOLES DES PEUPLES ARABES OPPRMIES S&amp;nbsp;T INEVI&amp;nbsp;S</strong> lE M&nbsp;DE ARABE N\'A ETE DETRUIT EC&nbsp;OMIQUEMENT,POLITIQUEMENT OU SOCIALEMENT,ET MEME CULTURELLEMENT ETC... QUE PAR SES DICTATEURS SANS FOI NI LOI, D\'UNE PART ET PAR LA PASSIVITE DE SES PEUPLES AM&nbsp;ORPHES,LESQUELS JUSQU A LA REVOLUTI&nbsp; DU PEUPLE TUNISIEN QUI A PERMIS DE CHASSER LE TYRAN DE BENALI ET S&nbsp; EPO&nbsp;USE DU POUVOIR EN TUNISIE ,ETAIENT RESTES DOCILES ET INERTES SOUS LA SOUMISSI&nbsp; DES DESPOTES DE SES DIRIGEANTS DICTATEURS ARROGANTS ET DEVASTATEURS . LE PRINTEMPS ARABE EST UNE REALITE INC&nbsp;TOURNABLE ET SA FLAMME ALLUMEE PAR LE BRAVE PEUPLE TUNISIEN RESTERA ALLUMEE POUR L\'ETERNITE QUOIQUE LES PUISSANCES DE CE M&nbsp;DE CHERCHERAIENT FAUTE DE MIEUX, DE LE C&nbsp;TROLER ET LE METTRE AU SERVICES DE LEURS INTERETS EN CHERCHANT A DOMESTIQUER LES COURANTS ISLAMIQUES SUCEPTIBLES D ARRIVER AU POUVOIR DANS LE M&nbsp;DE ARABE APRES LA CHUTE DES DICTATURES ARABES MILITAIRES COMME CIVILES. LE PRINTEMPS ARABE SERAIT PEUT ETRE EN VEILLE&nbsp;USE POUR QUELQUES TEMPS,IL COUVE SOUS SES CENDRES PEUT ETRE ,MAIS SA DOCTRINE GRAVEE SUR L\'ESPRIT ET LA MEMOIRE DE LA JEUNESSE ARABE RESTERA PRESENTE POUR L\'TERNITE. LA NEBULE&nbsp;USE &nbsp;ORGANISATI&nbsp; TERR&nbsp;ORISTE D AL QAIDA QUI CHERCHE A DOMINER ET A EXPLOITER LES COURANTS ISLAMISTES DANS LES PAYS ARABES EST COMBATTUE PAR L OCCIDENT QUI OPTERAIT POUR DES COURANTS ISLAMIQUES DITS MODERES POUR ,FAUTE DE MIEUX,COUPER L\'HERBE SOUS LES PIEDS L\'&nbsp;ORGANISATI&nbsp; TERR&nbsp;ORISTE D\' AL QAIDA,EN ATTENDANT DE METTRE SUR PIEDS UNE STRATEGIE DE RETOUR A LA CASE DEPART... L\'OCCIDENT QUI N\'AVAIT DE CHOIX QUE DE COMPOSER AVEC LES ISLAMISTES DE TUNISIE D\'EGYPTE ET DE LACHER SES \&quot;AMIS\&quot; TRADITI&nbsp;NELS DE TOUJOURS COMME LE MOUBARAK,SOUS LA PRESSI&nbsp; DE LA RUE ARABE ,DECIDEE A EN FINIR AVEC LES DIRIGEANTS ARABES C&nbsp;SIDERES COMME DES MARI&nbsp;NETTES ENTRE LES MAINS DES OCCIDENTAUX. IL EST EVIDENT QUE LE PRINTEMPS ARABE S\'ABATTRERAIT ,APRES LA CHUTE DES REGIMES SYRIEN \' ALGERIEN ET MAURITANIEN,ET PEUT ETRE MEME UN PEU AVANT,EN JEU DE DOMINO EN QUELQUE S&nbsp;ORTE, INEVI&nbsp;MENT SUR LES REGIMES M&nbsp;ARCHIQUES ARABES FEODAUX ET REACTI&nbsp;NAIRES. CELA PRENDRAIT PEUT ETRE DU TEMPS, MAIS COMPTE TENU DE LA NATURE MEME DE CES REGIMES DICTAT&nbsp;ORIAUX ,AUT&nbsp;ORITAIRES ET REFRACTAIRES A TOUT CHANGEMENT RADICAL ,LES REVOLES DES PEUPLES ARABES OPPRMIES S&nbsp;T INEVI&nbsp;S...
NIDAL
NIDAL 13 سنوات منذ
<strong>المقياس يا قيس</strong> ماحدث في الجزائر عام 1991 لم يكن صراعا كما يريد المقال تسويقه للقارئ، بل كان انقلابا للمتسلطين الحركى على إرادة الشعب ، كما أن تصفية ما يفوق 200.000 بريء كان مذبحة كبرى تتعدى الصراع إلى حرب معلنة على أبناء الوطن لخلط الأوراق وإلصاق التهمة بالجبهة الإسلامية .فلو تعلق الأمر بصراع ما، لانحصر القتل في صفوف المتصارعين وليس الأطفال والشيوخ والنساء &nbsp;!&nbsp;!&nbsp;!