نوفمبر تاريخ ثورة ونهاية حرب مسلحة على الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كما أن نوفمبر رصيد تاريخي لذاكرة الجزائر وخطابها السياسي والأيديولوجي. وإذا كانت الثورة أو الحرب قد آلت إلى التاريخ، واحتفظت بسياقها الذي حددها بالقدر الذي لا يقْبل التِّكرار، ولا يقبل الامتلاك ولا الاستحْواذ اللاحق عليها، فإلى أي مدى لا تزال ثورة التحرير تحتفظ بمكانتها وبقيمتها الداخلية، بعد أكثر من سبعين سنة من اندلاعها؟
إن كان يمكن الوقوف على ظاهرة الاستعمار من خلال قراءة نقدية لكل المقدمات عند ذكر الأسباب، أي ما قبل تاريخ حرب أول نوفمبر، فإن ما بعده هو الذي يفسرّ لنا تاريخ الدولة الجزائرية اللاحق على الحرب. فالحروب الكبرى يجب أن تَلِد الدول الكبرى، على ما بيّن لنا تاريخ القرن العشرين.. لكن هذا فنّده التاريخ في الحالة الجزائرية، التي في الغالب سارعت إلى تنمية التخلف العشوائي الذي لا يراكم التجربة ولا يضيف رصيداً، وإبقاء الوضع يراوح عند خطاب ثورة التحرير والاستثمار الإعلامي، الذي يغطي في الغالب الأعم العجز والضعف وحالة الهشاشة. وبمناسبة ذكرى حرب الاستقلال التي نمرّ بها هذه السنة، يمكن أن نجيل النظر في أسباب الإخفاق في بناء الدولة العظمى.
في البحث التاريخي، تعرف الحقائق والوقائع بأسبابها، عندما يُراد الوُقوف على فَهْم معقول لها ويصلح للتداول العام، وهذا ما كانت عليه ثورة نوفمبر طوال العشرية الأولى من الاستقلال، لكن بعد ذلك دخلت الجزائر في دوّامة من العنف الصارخ والناعم، نال من رصيد الثورة نفسها ووضع مسألة الاستقلال موضع السؤال.. فتَمَسك السلطة بثورة نوفمبر هو الذي وثق الصلة بين مرحلة الثورة أو الحرب ومرحلة الاستقلال، لأن عثرات ومآزق ومطبات ما بعد الاستعمار صارت توضح أكثر حقيقة الثورة ذاتها، الأمر الذي دفعنا إلى البحث عن الرصيد المتبقي من إنجازات ثورة التحرير، التي جرت في مرحلة الاستقلال. ويمكن توضيح هذه المسألة التاريخية على الشاكلة التالية:
*لم تُحَقِّق الجزائر المستقلة المعادل الموضوعي لثورة تحرير أمة كاملة من براثن استعمار استيطاني غاشم، ونعني دولة عظمى على النمط الذي تم في العديد من دول العالم، خاصة تلك التي تحتفظ بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن لهيئة الأمم المتحدة. كل القدرات والإمكانات والحوافز والسياقات كانت حافلة ومناسبة من أجل التَّمكن من صيغة تنمية شاملة تمتد على طول وعرض الجزائر وفي عمقها، يكفيها طورين من التكوين التعليمي والأكاديمي الكامل، أي ثلاثين سنة فقط. فثورة التحرير حققت انتصارا كبيرا على دولة كبرى، يجب أن تحقق بدورها الدولة الكبرى. إمكانيات الانتصار في الحرب، تفرز حتما إمكانيات تشييد الدولة العظمى.
*الإخفاق الذي لازم النظام الجزائري في تحقيق الدولة العظمى هو الذي حدا به إلى التمسك بالخطاب الثوري لسنوات الحرب، وكأن الحرب لا تزال قائمة، ومن ثم يجب البحث الدائم عن مصادر أخرى لوجودها ولو في عالم الأوهام والصُّور ومشاهد الأفلام الوثائقية والخيالية.. فالتَّعلق الشديد بتاريخ الثورة، الذي لم يعد تاريخا من كثرة استهلاكه، ساهم بشكل خطير في قدرة أجيال جديدة من الجزائريين لا يدركون التداخل التاريخي بين الحادثة الحقيقية التي يصعب تصُّورها، والحياة اليومية الجديدة التي يفترض فيها أن المواطن الجزائري يواجه تحديات جديدة لها لُغَتها وسياقها وتطلّعاتها.
*غياب القدرة على امتلاك ناصية التاريخ في صلته بالذاكرة، الذي يحتاج من جملة ما يحتاج إلى لغة متَمَكِّنة للتعبير والصياغة الصحيحة والحديث المناسب لما وقع وقت الثورة فعلا. هذا الإنجاز لم يتَحَقّق كما لم يتحَقّق الكثير من الاعتبارات التي لها صلة بالهوية التي تحافظ وتنمي، في الوقت ذاته، الشَّخصية القاعدية للإنسان الجزائري وأمته ودولته. فقدان اللّغة المناسبة لكتابة تاريخ الثورة التحريرية، هو الذي أفضى منذ سنوات إلى الاتِّكال على ذاكرة تعاني النسيان وعاجزة عن تقديم سردية جزائرية يمكن التعويل عليها، ويقبل تداولها في أمة حققت إنجازا مفصليا في النصف الثاني من القرن العشرين. كلما زاد البعد عن تاريخ الثورة، وضعفت الذاكرة، وتعطّلت لغة الكلام المناسب والحديث الواضح، تنشط ذاكرة المجاهد ومن يساعده على الكتابة في اقتحام دوائر الانتقام والمخاتلة والسرد المرسل على عواهنه، وغياب المعقول والقابل للفهم. وعلينا فقط أن نصغي للأحاديث والشهادات التي قدمت عن ثورة الفاتح من نوفمبر وامتداداتها، لكي نكتشف أن الاغتيال السياسي خط ثابت في الثورة، لأن الأسماء التي راحت ضحية التصفيات الداخلية معروفة، وقلّما يرد ذكر لأسماء فرنسيين قتلوا على يد «الفلاقة» المجاهدين والمناضلين والفدائيين، وكأن الحرب شنت ضد مجهول.
*لعلّ الخطر كلّه الذي وصلنا إليه، هو أن يكون تاريخ الثورة التحريرية قد اعترته حالة مرضية وضعته في سِجِل هَشّ، لا يقوى على أي دراسة جادة ولا يقبل النقد، من فرط الاكتفاء بالتقاريظ والمدائح المناسبتية التي لا تضيف شيئا يذكر إلى متانة الذاكرة وموضوعية التاريخ. ولاذ النظام لحماية نفسه بجملة من القوانين المكتوبة وغير المكتوبة من كل من هَمَّ بنقده وإعادة النظر في سرديته، التي لا يعرف أحد ملامحها ولا خصائصها. الهشاشة التي صار إليها تاريخ الثورة هو الذي صار أيضا يسوق الباحثين إلى السجون، وهو أمر عُجاب يؤكد استمرار الحرب بوسائل أخرى عندما يفترض إمكانية وجود «حَرْكَى» ما بعد الاستقلال.
*أخيرا ولعلّه أوّلا، وحتى لا نبتعد كثيرا في التجريد والتحليل التاريخي، نأخذ على سبيل المثال، مؤتمر الصومام الذي عقد يوم 20 أغسطس 1956، الذي لم يدرس كحادث تاريخي في ذاته، أي كواقعة لها مقدماتها وحاضرها وإمكانية ترتيب تداعياتها، منها التواصل مع الاتجاه المفضي إلى الاستقلال. فقد غلب في السنوات الأخيرة الحديث عن هذا المؤتمر من خلال الإشارة إلى الذين حضروا، والذين غابوا، وكأن يوم المؤتمر احتكرته وزارة المجاهدين لنفسها وأطلقت عليه مناسبة يوم المجاهد.
لكن قيمة وأهمية المؤتمر في حد ذاته مع الوثيقة التي تمخَّضت عنه، لم يدرس كحدث تاريخي صنع الجزائر الحديثة والمعاصرة، لأن الإعداد للمؤتمر واقعة لها زمنها الخاص، كما أن الوثيقة احتوت على أعظم قضايا السَّاعة للحركة الوطنية الثورية المتعلقة بمراحل ومقتضيات الاستقلال ومسائل بناء الدولة الحديثة.. وهذا الذي يوفر للمؤتمر مع الوثيقة عبقرية المكان والزمان لمؤتمر الصومام.. فعندما أشار إلى مسألة الدين والدولة، فهو أحال إلى مسألة جوهرية في حياة الدولة الجزائرية الحديثة، وعندما أشار إلى أولوية السياسي على العسكري، أشار أيضا إلى صلب ما تقتضيه الدولة المدنية الحديثة، وعندما أشار إلى أهمية الخارج على الداخل، ليس زمن الثورة فقط، بل بعد ذلك، عندما آلت المواطنة إلى الخارج، يصنعها الجزائريون الذين يعيشون خارج الوطن، بعد ما صار «الوطن الجزائري» مجرد ريع ومطية ومكان للانتهازيين، فضلا عن «حق المواطنة» الذي تؤكده الشرعية الدولية التي اعترفت بالجزائر كيانا سياسيا ضمن الحظيرة الأممية.
نور الدين ثنيو
التعليقات (0)