فَوَّضَ ، يُفَوِّضُ ، أُقْــتُـــلْ ...
هذا ما كانَ يُرَادُ مُنذ أطلَّ السِّيسي يريدُ من أعوانِهِ أن يخرجُواْ فيكونَ رضاهُم - وهُمْ أرذَلُ الأقلِّينَ - بمكانِ تفويض أغلبيَّةِ الشعب المصريِّ الرَّافض للانقلاباتِ العسكريَّة التي توجِّهُ مدافعَها إلى صُدور المسَالمينَ .. تفويضٌ من مَجَاهِيلَ سرقوُا الأصواتِ وقطعُوا الأقواتِ ، وهاهُمُ اليومَ…
هذا ما كانَ يُرَادُ مُنذ أطلَّ السِّيسي يريدُ من أعوانِهِ أن يخرجُواْ فيكونَ رضاهُم - وهُمْ أرذَلُ الأقلِّينَ - بمكانِ تفويض أغلبيَّةِ الشعب المصريِّ الرَّافض للانقلاباتِ العسكريَّة التي توجِّهُ مدافعَها إلى صُدور المسَالمينَ .. تفويضٌ من مَجَاهِيلَ سرقوُا الأصواتِ وقطعُوا الأقواتِ ، وهاهُمُ اليومَ يقتلونَ على الملإ فتتعامَى كاميراتُ منظماتِ حقوق الانسانِ ، وتخرسُ ألسنةُ دُعاةِ الحقوق المدنيَّة.
يحدثُ هذا في وقتٍ تشرعُ فيه الحكومة الإسرائيلية في بناءِ المستوطناتِ لقطعان من المُفسدِينَ تستوردُهم من شتى أصقاع العالم لتوسِّعَ بهم رقعتها الجغرافية على حساب المقدَّسات الإسلامية.
قد صارتْ هذه الأمَّة كلأ مشاعاَ : للغاصب أرضُها وخيرُها ، وعلى من يسُومُها الخسفَ والهوانَ من حكامها أنْ يخوضَ في بحارٍ من دماء أبنائها الشرفاءِ الشهداءِ.
منذُ ثلاثٍ من السنين حينمَا صرخت حناجرُ الشرفاءِ في تونسَ : " بَن عليِّ هْرب " تزَامَنتِ الويلاتُ على هذه الأمَّة التي تطلعتْ إلى الحريَّة ، وتعطشتْ إلى أن تعيشَ كريمَة في أرْضِها التي ضاقتْ بها إلا عن الغُربَاءِ الذينَ اِحتلوهَا مَرَّتين : مرَّة بطريق التدخلِ العسكريِّ ، وأخرى بطريقِ زرْع الوكلاء والمُوَالينَ الذين لا يتورَّعُونَ عن إفناء الشعوب عن بكرتِها من أجل البقاءِ في كراسيِّ الحكم.
لقد فهمَتْ قوى الاستكبار العَالَمِيِّ التي احتلتْ بُلدانَنا ونَهَبَتْ خيراتنا بأنَّ بقاءَهَا في أرَاضِينَا مرهونٌ بصراع القوَّة العسكريَّة ، وسرعانَ ما خَابَت مَسَاعِيها في إطالة مُدَدِ الاحتلال ، ذلكَ أنَّ ميزان القوة العسكرية كغيره من موازين القوى البشرية التي تحكمُها قوانينُ الحَياة : عرضة ٌ للاهتزاز لأدنى حركةٍ ، وعدمُ الاستقرار على حالٍ هو المعمولُ بهِ وفقاً لهذه القوانين ، فمنَ العبثِ أنْ تعتمدَهُ وحدَهُ في احتواءِ حركات المقاومة والتحرُّر.
وقد جرَّبت دولُ الاستعمار العالمي جميعَ أسلحتها فما زادتِ النتيجةُ على الهزائم النكْرَاءِ التي ألحِقتْ بها من المقاومات الشعبية التي هبَّت كالإعصار الجارفِ تقتلعُ جذورَ الخيانة ، وتظهرُ بأنَّ هذه الأمَّة المستضعفة لا تزالُ بخيرٍ ، وأنَّ ما أصابَها على أيدي المستعمرين كان دَوَاءاً مُرًّا من أمراضٍ عديدةٍ أكبرُها الخوفُ وتضخيمُ العدوِّ.
فلمَّا اندحَرت جحافلُ الاستعمار الحاقد تولَّى أمرَ الأمَّة من باعَها في سُوقِ النَّخَاسَةِ ، ولم يطلْ أمَدُ الكذب المعسُول حتى استفاقت الأمة على وقائع لا تختلفُ في شيءٍ عن وقائع الاستعمار الأوَّل.
لقد وعدتْ حكوماتُ ما بعدَ الاستقلال شعوبَها بما لو حققتْ مِعْشَارَهُ لكانتِ الأمَّة اليومَ في مَكانِ من يُسْمَع لكلامِهِ ويُرْهَبُ جَنَابُهُ كبقيةِ من قامُوا بَعْدَ الحَرْبِ العالمية الثانية فاحتفرُوا لهمْ مكاناً ينظرونَ منهُ إلى غيرهم بعزةِ منْ لا يَسْتَجْدِي ، ولم تفلحِ الزعاماتُ الكاذبة إلاَّ في تحْوِيل الدُّولِ العربية إلى سوق يستوردُ القوتَ المغشوش ، أو إلى سِجْن كبير تُهْضَمُ فيه الحقوقُ وتداسُ فيه الكرامة الإنسانية ، ويستغلُّ فيه الدينُ لكبتِ الأصواتِ المعارضةِ ، وتمييع القضايا المصيريَّة في الوقتِ الذي تسكتُ فيه هذه الحكوماتُ عن رَدِّ العدوان على مقدَّساتِ الأمَّة ، ولا تطلقُ رصاصة واحدة في اتِّجاه المعتدين.
إنَّ هذه الهبَّة العربية في جميع بلاد العرب دليلٌ عميقُ الدلالةِ على أنَّ في قلب الأمَّة خيرٌ لم تنطفئ جذوتُه ، وأنَّها لا يمكنُ أن تبقى ذليلة مهمَا أمعنَ جَلادُوهَا في إذلالها وَالدَّوْسِ على كرامتها ، فلقد تعلمتْ أن تعيشَ في الظروف الصَّعْبَةِ ، ومن هانَ عليه الموتُ في سبيل قضيتهِ فلا يمكنُ التفاوضُ معهُ علىَ شَيْءٍ ..
لقد صارتِ المظاهراتُ السِّلميَّةُ فيها وسيلة المغالبة بعدما فشلتْ - وطوالَ ستينَ سنة - جميعُ وسائلِ المطالبة ، وكانت منظوماتُ الحكم المستبد قد أقامت تشكيلاتٍ كاملة من طرق الالتواء على المطالب الشعبية بحيثُ يصيرُ من يستطيعُ ولوجَ دواليب الحكم ألعُوبَة في يد العساكر ، وهاهي المنظوماتُ تتهاوَى ، وتهوي بها سلطة العساكر على مقدَّراتِ الأمَّة المتحرِّرة من جبروتِ الزَّعَامَاتِ الكاذبة.
أمَّا دولُ الاستكبار العالميِّ فتقفُ متفرجة تنتظرُ ما ستسفرُ عنهُ الأحداثُ ، وهي في أحسن تقدير لن تزيدَ على التصفيق المنافق ، فلقد تعوَّدْنا منها أنْ ترعى مصالحَها الماديَّة وامتيازاتِ سَدَنَةِ من يَخْدُمُونَ ثقافتها التي لا ترعى حقوقَ البشر إلاَّ حِينمَا يكونُ الحديث عن الانسان الغربيِّ الكافر بالأديان تحديداً ، أمَّا أن تتدخلَ لحماية الشعوب من السَّفاحين فهو شأنٌ داخليٌّ لا يعني سياستها الخارجية ولا الداخلية على السَّواء ، وستكتفي في أفضل الأحوال بالتنديد المهذَّب وربَّما بالاستنكار المتخاذل الذي يُخفي الشماتة بأمَّتنا المهْضُومَة الحقوق المَهْدُورَةِ الدِّمَاء.
لكِ اللهُ تعالى يَا أمَّتنا .. لكَ الله تعالى يا شعبَ مصر مِمَّا يُرَادُ بِكَ على يَدِ السَّفَاحِ السِّيسِّي ومن يُحَرِّكُهُ من أولي العباءات القذرة أوالرُّؤُوسِ العفنةِ. فلقد رأينا حركة التاريخ لم تتوقف عندما أجهضت تجارب أمتنا السياسيَّة ، بل لم تزدْهَا مرارة المِحَن إلا نَصَاعَة وَقُدْرَة على الإبداع والمغالبة ، ولم تنس - وهي في وَهْدةِ السقوط - بأنَّ القوة العسكرية قد تقضي على طرفٍ وأنَّ ميزان القوة سريعُ التغيُّر، ولو عدنا إلى تاريخ أمتنا القريب لسطعت الحقائق لكل متأمِّلٍ منصفٍ.
هل نجحت قوى الاحتلال الغربي في إسكات أصوات المقاومين ؟ لا ، وبعبارة النفي القاطع لم تزدد حركات التمرُّد إلا ضراوة بعدما تفننَ المستعمرُ في استخدام وسائله الخسيسة طمعاً في المُحال ، وللناظر أن يتأمل لتوكيد هذه الحقيقة في تاريخ الجزائر القريب.
لقد احتفلت جيوشُ فرنسا بمرور مئة سنة على تحويل الجزائر إلى مقاطعةٍ فرنسيةٍ تخضعُ بدستور المحتل إلى السلطة المباشرة لرؤساء فرنسا ، وصَاحَبَ هذا الاحتفالَ من المهرجانات والتجمعات والاحتفالات ما قيل يومها بأنَّ شعب الجزائر المسلم انتهى إلى الأبد ، ويشاءُ القدرُ الإلهيُّ أنَّ الذين وُلِدُوا في تلك السنة كانوا هم من قاد ثورة التحرير المظفرة إلى الاستقلال بعد حوالي سبعة عشر عاماَ على الحادثة ، واستشهد منهم من روت له كتب التاريخ بطولاتٍ تشبه الأساطير.
وقد ذكرت المثال من تاريخ الجزائر لما عاناه هذا الشعب من الويلات ولا يزالُ ، فقد مرَّتْ به لحظاتٌ يُحْسَبُ فيها أنهُ استمرأ الهوان ، وذلك ما آمنت به فرنسا يوماً ما ، فأين الأماني من دنيا الواقع للمعتبرين ، ومن يدري فساعة الحسم غيبٌ لم يؤذن لأحدٍ بعلمه فلا أقل من البشرى بزوال الظلم والظالمين.
لن أبكي الشهداء في الجزائر أو في مصر أو في سوريا أو في أيِّ قطر عربيٍّ فقد أفْضَوْا إلى ربٍّ كريمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ ، إنما أتألمُ أنَّا قد أدخلنا - على غفلةٍ - بيوتنا من يسرقنا إذا سكتنا ، ويقتلنا إذا تكلمنا ، وهو في ذلك كله أجيرٌ لنا قد أخذ سلاحاً أعددناه لغيره فإذا الكرسيُّ له والموتُ لنا ...
أفلم يَع من يستنسخُ تجربة عساكر المحتلِّ بأنَّ الطريقَ مسدودٌ ؟ إنَّ مقابلة المتظاهرين بالرشاشات لنْ تفلحَ في إسكاتهم ما دامُوا مسالمين صابرين على الظلم. ولكنَّ هذا الصبر سينفذ ، وإنَّ من يرفعُ صوته مسالماً لن يطولَ به زمنُ المطالبة السلمية ففي طباع البشر النفرة من الظلم ، فإذا رفعت الأسلحة ولعلع الرصاصُ فإنَّ للتاريخ صفحة مكتوبة نهايتها بأن تطوى ملفاتُ الخيانةِ والتخاذلِ على يد هذا الجيل المبارك ، فتصير دماؤهُ لعنة على السَّفاحينَ إلى يوم القيامة.
الأستاذ لخضر تومي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)