رحلة جزائرية إلى صنعاء التي كادت أن تشعل حربا مع السعودية
بداية ألفت عناية المتابع، أني لجمت هذا القلم يوم الخميس الماضي 02/04، بعد أن كنت على اتصال مباشر بأحد الإخوة في مطار صنعاء عاصمة اليمن، خاصة وقد شعرت بأن الجزائريين الذين احتشدوا هناك لإجلائهم كانوا على درجة عالية من التوتر، اعتقدت لحظتها أن الظروف الصعبة ولحظات انتظار وصول الطائرة المدنية…
بداية ألفت عناية المتابع، أني لجمت هذا القلم يوم الخميس الماضي 02/04، بعد أن كنت على اتصال مباشر بأحد الإخوة في مطار صنعاء عاصمة اليمن، خاصة وقد شعرت بأن الجزائريين الذين احتشدوا هناك لإجلائهم كانوا على درجة عالية من التوتر، اعتقدت لحظتها أن الظروف الصعبة ولحظات انتظار وصول الطائرة المدنية الجزائرية، لا محالة ضاغطة على الأعصاب، خصوصا في جو القصف المتواصل وصوت الانفجارات الذي يخرق الآذان؛ لكن ما ترك هاجسا لدي هو حالة الغضب الظاهرة على سفير الجزائر، الذي كان حاضرا في المطار، بعد يومين من هذا، أي يوم السبت مساء تكشفت لي تفاصيل ما جرى للرحلة الجوية، ولا أنكر أنها كانت صادمة بشكل لا يمكنني توصيفه لهولها، ومع أنني اعتبرت أن ما تعرضت له الجزائر استفزازا بالغا، فضلا عن كونه خارج عن كل القيم وروابط الأخوة، ناهيكم عن المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والعربية (وهنا أعني جيدا ما أقول وليس من باب حشو الكلام) وانتهاك صارخ لاتفاقيات جنييف وقوانين الطيران الدولية؛ غير أنني لجمت القلم عن تناول الموضوع في حينه، اعتقادا مني بأن الأمة في مرحلة بالغة الخطر، ومنعرج كلما تقدمت الأيام طمعنا في زواله، تزيد قرارات وسياسات بعض الأنظمة العربية حدة، لترسم منحنى انحدار الأوضاع بزاوية تسعين درجة؛ لا يزيد طرح هذا السلوك الخطير جدا، من قبل ما يسمى قوى التحالف التي تشن عدوانها على اليمن، في الفضاء الإعلامي إلا احتقانا في الشارعين الجزائري والعربي، وصبّ مزيد من الزيت على نيران، برع الأشقاء في إضرامها أينما وصلت أيديهم بعالمنا العربي؛ ما كنت لأفعل التزاما مني، بمبدأ تجنب كل ما من شأنه أن يوغل الصدور، ويزيد من اتساع الهوة بين مكونات هذه الأمة، زيادة عن ذلك فقد تمكنت القيادة الجزائرية من إجلاء رعاياها، وأشقاءنا من تونس وليبيا والمغرب وموريتانيا، دون إحداث أي ضجيج إعلامي، كما استطاعت لملمة الحادثة وحجبها عن الجميع، سعيا منها لعدم فتح صراع جديد مع المملكة السعودية.
لكن الصحافة الوطنية تمكنت من الوصول إلى ضحايا صلف قيادة قوى التحالف الخليجي، وقامت يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، بنشر تفاصيل مروعة حول الكارثة التي كادت أن تحدث، وتشعل حربا عربية أخرى بين الجزائر والسعودية، نتيجة طيش واستهتار قيادة يفترض أنها تملك أبجديات قواعد القانون الدولي، وأبسط العلوم السياسية؛ ولن أتحدث هنا عن الأخلاق والقيم العربية، فقد باتت هذه المفردات من ضرب الكلام الإنشائي؛ لن أدخل هنا في تفاصيل الجريمة التي ارتكبت بحق الجزائر وموطنيها وطاقمها الدبلوماسي، فلمن يريد مراجعتها يجدها في الصحف الوطنية بكل عناوينها إلا التابعة للتيار الاسلماوي، وقد تكفي أعمدة رؤساء تحرير وأهم الكتّاب الجزائريين، لمعرفة عمق الأثر الذي تركه هذا الحادث الخطير والمتهور.
غير أن من حق قرائنا الأفاضل هنا، معرفة العناوين العريضة على الأقل، والتي ألخصها في الآتي: تحصلت الخطوط الجوية الجزائرية على تصريح بالعبور يوم 02/04 (الخميس)عبر الاجواء السعودية بعد أن كلفت بذلك من قبل خلية الأزمة برئاسة الجمهورية، التي عقدت من يوم العدوان على اليمن أي 26/03، لرحلة مدنية ذات طابع انساني عاجل، تعني إجلاء مواطنين جزائريين رفقة الطاقم الدبلوماسي باليمن؛ غير أنه وقبل دخول أجواء السعودية بخمس دقائق فقط، يتلقى قبطان الطائرة أمرا من القيادة العسكرية السعودية بمنع دخول أجواء السعودية، وفق رواية القبطان نفسه، وحين استدل بالتصريح الصادر عن السلطات السعودية ذاتها، تلقى تهديدا مباشرا وحادا، وحين نقول تهديدا فنحن نعني تهديدا بإسقاط الطائرة المدنية، التي تحمل التصريح بسلاح الجولقوى التحالف الخليجي؛ بعد ساعة من التحليق انتظارا لحل الإشكال، أمرت الطائرة بالنزول في القاهرة، وهنا نسجل موقفا للسلطات المصرية مؤسفا للغاية، لم يأخذ الأمر أكثر من 48 ساعة، لتقلع الطائرة الجزائرية ثانية باتجاه صنعاء، حيث بقي أغلب المواطنين منهم نساء وأطفال هناك طوال تلكم الفترة، تحت القصف المتواصل ورائحة جثث الضحايا اليمنيين من عمال المطار (ما يفسر حالة الغضب التي أشرت لها في مقدمة المقال عند التواصل معهم) وخراب مروع للبنية التحتية لهذه المنشأة المدنية نتيجة القصف؛ ما صعّب من نزول الطائرة وعقّد أكثر إقلاعها عند العودة، وانتهت المهمة بنجاح لافت يعتز به الجزائريون، وخرج الجميع من دائرة خطر الموت أوالإسقاط المتعمد(الأخوي)، ليحطوا رحالهم يوم 05/04 بالجزائر.
تفاصيل كثيرة عن هذا الموقف الخطير ليس هنا محل طرحها، وإن استعرضتها الصحافة الوطنية فإني على ثقة بأن السفارة السعودية بالجزائر لا تلقي لها بالا، ولن ترفع بشأنها تقريرا عن صورة غضب الشعب الجزائري بكل فئاته، كما أكاد أجزم بأن رأس السلطة في السعودية وحتى وزيره للدفاع وولي ولي عهده، قد يكون عرض عليهما الأمر على أنه مجرد إجراء طبيعي فرضته حالة الحرب، ليبرر المتسبب فيه تهوره، حتى ينفلت من عقوبة محتملة.
لكل ما تقدم ذكره، رأيت من الواجب القومي والوطني أن أتعرض لطرح هذا الموضوع، وذكر ما لم ينشر في الصحافة المحلية، وما لم يعلمه ربان الطائرة أثناء 48 ساعة من الانتظار، وأخشى أن الملك وحلفاءه لم يبلغوا به على الوجه الذي وقع بالفعل.
حين أجبرت الطائرة الجزائرية على العودة تحت التهديد، وأحرص على هذا الوصف لما له من أثر فيما يليه من تطورات، باشرت على الفور خلية الأزمة، التواصل مع نظرائهم في السعودية، من وزارة الخارجية إلى مؤسسة الرئاسة، طوال ليل الخميس، وفشلت كل محاولات إقناع الجانب السعودي، بعد أن تأكدت من غياب أسباب موضوعية لتبرير ما وقع، صباح يوم الجمعة استؤنفت المحاولات لتتلقى خلية الأزمة بالرئاسة ردا سخيفا، مفاده أن يوم الجمعة في المملكة يوم عطلة (إجازة) – يعني إجازة عن معالجة الإشكال ولا إجازة في قصف اليمن-، بعد منتصف اليوم أبلغت خلية الأزمة الطاقم الجزائري بالقاهرة إلغاء مهمة إجلاء المواطنين من صنعاء، ورفعت تقريرها النهائي للقيادة العليا للبلد، التي قررت إتمام العملية مهما كلف الأمر، واكتفت القيادة بإبلاغ القاهرة (بصفتها رئيس القمة العربية ليس إلا)، وواشنطن (بوصفها المدير الخلفي لعاصفة الحزم) بأن عملية إجلاء المواطنين ستتم يوم السبت والجزائر تعتبر أي اعتراض على طائرتها عدوانا عسكريا مباشرا، وأنها وضعت سلاح الجوالجزائري في حالة استنفار قصوى، لأي طارئ يستدعيه اعتراض الطائرة المدنية الجزائرية، لإقلاع سرب من طائرات سوخوي لتأمين سلامتها؛ هذا القرار الخطير والذي لم يسبق للجزائر أن اتخذته، لم تبلغ به إلا واشنطن والقاهرة، وتعمدت القيادة الجزائرية عدم الاتصال ثانية بالرياض. ساعة واحدة بعد هذا كانت كافية، لترسل الجهات السعودية المعنية لهيئة الطيران الجزائري تصريحا ثانيا، الذي لم يكن يعنيها حين طفح كيلها في شيء. ذلك أن عشية الجمعة هذه كانت قد سخّرت للتأكد من جهوزية طائرات تزويد سلاح الجوبالوقود، لأن من بين تفاصيل القرار العسكري، ألا تنزل الطائرات الجزائرية بأي مطار، إشارة للموقف المصري هنا، الذي خذل بشكل مهين الجانب الجزائري، واستدعاء الفريق الذي سيتولى مهمة الدفاع عن الطائرة الجزائرية إيرباص A330 في رحلتها 5600.
هذه المعلومات لم تنشرها السلطات الجزائرية، بل قد تعترض على نشرها، وقد استبقت أي تسريب يوم أمس بإعلانها أن العلاقات الجزائرية السعودية ممتازة، ولا أستبعد إذا نشر المقال أن تنفيها، لعلمي بأن الدبلوماسية الجزائرية تحرص بشكل جدي، على عدم التعرض لإشكاليات أمنية مع الأنظمة العربية؛ وهنا لم أستأذن القيادة الجزائرية لنشرها، لأن الأمر لم يعد يعني الجزائر فحسب، ولأنها لم تضع الملك السعودي في صورة هذه التفاصيل الخطيرة، وكان من حقي أن أتساءل: ماذا لواستهدفت الطائرة الجزائرية في رحلتها الأولى وأسقطت؟ ما الذي كان سيحدث؟ طبعا من الجانب السعودي سيكون المبرر أن الطائرة دخلت منطقة محظورة عسكريا دون إذن، وساعتها هل تذهب أرواح طاقم الطائرة هباء نتيجة تهور من قائد سعودي؟ وماذا كان بإمكان الجزائر أن تفعل حيال جريمة كهذه؟ هل تكتفي بالدخول في جدل استظهار رخصة العبور؟ وأخطر من هذا الاحتمال، فالتهور والتهديد الذي شهد عليه قائد الطائرة مراد عمراوي في حواره مع صحيفة El Watan يوم أمس، يشي بإمكانية استهدافها عند العودة وهي تقل مائة وستين مواطنا مدنيا، أوحتى مجرد تهديدها ما يطلق سرب المقاتلات الجزائرية لتلكم المنطقة، وهب وقع اشتباك، إلى أين ستذهب التطورات نتيجة هذا الصلف والتهور؟.
ما كنت لأكشف هذه المعلومات إلا لسبب واحد، وهورجائي في أن يقرأها مسؤول خليجي واعي من سلطنة عمان أو الكويت، وقد حجبتها القيادة الجزائرية كرد اعتبار للاهانة التي تعرضت لها عبر قطع الاتصال مع خلية الأزمة، وأعلم أن القاهرة لن تبلغها لهرم السلطة السعودية لأسباب معروفة، وكذلك واشنطن لن تفعل، لأسباب كيدية في إطار تشجيع القيادة السعودية على المضي إلى النهاية في المكابرة، ومن المهم لأمريكا أن تتوسع كرة اللهب في العالم العربي. ليس معقولا أن يدفع هذا الصلف والتعنت والشعور بالقوة والعظمة، أن يبقى حبله على جراره ليدفع بالأمور نحوما نرى من الكوارث، ثم تسعى للمزيد.
نفهم غضب القيادة السعودية من الجزائر، التي اعترضت على كل مشاريع قراراتها، سواء فيما تعلق بالملف السوري أو اليمني، ونفهم سخطها من نجاح الآلة الدبلوماسية الجزائرية في إسقاط كل القرارات التي تقدمت بها المملكة خاصة منها في هيئة الأمم المتحدة، أوحتى في مجلس الأمن عبر أصدقائها كما حدث يوم أمس؛ لكن يبقى هذا الصراع سياسي ودبلوماسي، وليس معقولا ولا مقبولا التعبير عن الغضب بالإيحاء بإسقاط طائرة مدنية جزائرية، هذا التطور بالغ الخطورة، وعلى القيادات في دول الخليج أن تتحمل مسؤولية هذا التدهور المروع والمفزع نتيجة، سلوكات غير محسوبة العواقب.
ويكفي أي معني أن يراجع تعليقات القراء على هذا الحدث، منذ ثلاثة أيام على صفحات الويب للصحافة الوطنية، ليقف على حجم تقيح القلوب حيال ما حدث، وسيكتشف أن كل الجزائريين على قلب رجل واحد ضد العدوان السعودي على الطائرة الجزائرية؛ ويعيد قراءة ما كان يمكن أن يحدث، ليقف على مدى خطورة عدم اتزان قيادة التحالف الخليجي، الذي يصر على سلوك غير مسؤول وغير قانوني، حين تمادى في اعتراض طائرة إيرانية تقل معتمرين متجهين لمكة المكرمة، تحت ذريعة عدم حصولها على ترخيص، الأمر الذي لا يصدقه عاقل طبعا. وليتأكد السادة أمراء دول الخليج، أن الأمور تُدفع دفعا نحوالهاوية حقا، ولا ندري كل هذا الصلف المتزايد والعدوان المتوسع لصالح من؟
إسماعيل القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (14)