روسيا في سوريا: كوابيس أفغانستان!

أن تتداعى الدول الاوروبية لمواجهة أزمة اللاجئين، فذلك وجهٌ داهم من وجوه الكارثة في سوريا، يعني أن المعضلة باتت في حضن العالم الغربي، وأن على العواصم أن تدلي بدلو عاجل لمقاربة ما كان شأناً بعيداً لا يحتاجُ عجالة. أن تتقدمَ روسيا باستعراض هجومي في الدبلوماسية والعسكر لتثبيت موقف في الشأن السوري…

أكتوبر 02, 2015 - 17:17
تم التحديث: 11 سنوات منذ
2 4.9ك
روسيا في سوريا: كوابيس أفغانستان!

أن تتداعى الدول الاوروبية لمواجهة أزمة اللاجئين، فذلك وجهٌ داهم من وجوه الكارثة في سوريا، يعني أن المعضلة باتت في حضن العالم الغربي، وأن على العواصم أن تدلي بدلو عاجل لمقاربة ما كان شأناً بعيداً لا يحتاجُ عجالة.

أن تتقدمَ روسيا باستعراض هجومي في الدبلوماسية والعسكر لتثبيت موقف في الشأن السوري، فذلك أن أمرَ سوريا بات داهماً أيضاً بالنسبة لموسكو على نحو يتطلب تدخلاً ما، بطريقة ما، يوقظ الستاتيكو الدموي من سباته.

أن تعبِّر واشنطن عن قلقها من التحركات الروسية، ثم تعبِّر عن عدم قلقها وترتاح لتنسيق ميداني لتحاشي "الحوادث"، ثم تعود لتحذِّر موسكو من خيار دعم الأسد، فيما تسقط العواصم الغربية واحدة تلو أخرى "تفهماً" لبقائه، فذلك يعني أن اللاسياسة التي وسمت الموقفَ الغربي من الأزمة السورية، عاجزةٌ عن انتاج سريع لموقف بديل، وأن ردَّ الفعل الغربي، بالكاد يقارب الفعل الروسي.

يقتربُ بوتين من المسألة السورية بخطوات حذرة مدروسة. العنوان الروسي للتدخل في سوريا هو محاربة داعش. وسيلة المقاربة الروسية لا تختلفُ في شكلها عن تلك الغربية، من حيث أن التدخلَ سيكون جوياً، حتى الآن، فيما لا يبدو أن الكرملين بصدد الذهاب بعيداً باتجاه ما هو بري (رغم أن مجلس الإتحاد الروسي منح، بالإجماع، موافقته على منح بوتين تفويضاً لنشر قوات عسكرية في سوريا). لكن الاختلاف الروسي، حتى الآن، يكمنُ في أن بوتين يتّكل في مكافحة داعش على جيش دمشق النظامي الواجب دعمه لوجيستياً، وعلى نظام دمشق الذي لا بديل عنه في أية تسوية قادمة، مهما تنوّعت سيناريوهاتها، حسب خطة موسكو.

في المقاربات الروسية للحلّ منطقٌ لا يواجهه منطقٌ غربي جديّ بديل. في مدخل مكافحة داعش تذهب موسكو مذهب التحالف الدولي ضد تنظيم البغدادي، وأي مساهمة روسية إضافية سيكون مرحباً بها دون تردد، كما أنها "حقّ" لا يمكن تعييبه على روسيا، طالما أن العالم متوحدٌ ضد الإرهاب عموماً وهذا الهدف خصوصاً. وفي مدخل دعم نظام وجيش الأسد، فلا يمكن للغرب أن يتنطح برفض ذي مصداقية، ذلك أنه ما برحَ يوحي، رغم ما تروِّجه التصريحات، بأن الأسد خط ٌ أحمر، ومؤسسات النظام خط أحمر، ودمشق خط أحمر، بمسوّغ عدم الوقوع مجدداً في الخطيئة العراقية التي عرّت البلد، بعد الغزو، من رئيس وحزب وجيش ومؤسسات. هكذا تأمل سيّد الكرملين مزاج العالم، فدقّ طبول الحرب وحمل ملفها إلى نيويورك.

على هذا يأتي فلاديمير بوتين إلى العالم ببضاعة معروفة من صنف ما يُستهلك. يقدمُ الرجل نفسه متطوّعاً في ورشة فشلَ فيها جميع أولي الأمر في الشأن السوري، ويكاد الرجلُ يتدلل واثقاً مما في جعبته من ترياق لما بات علاجه مستعصيا، وحتى مستحيلاً. بكلمة أخرى رسمت موسكو استراتيجيتها في سوريا بعناية ودأب وتأن بعد أن استنتجت أن حراكها سيكون مطلوباً ولن يأتي متواجهاً مع حراك مضاد. على هذا، سيحظى الحراك الروسي (الذي لا يقلق إسرائيل) برعاية غربية يعبّر عنها تطوّر مواقف العواصم من مصير الأسد ودوره المقبل في سوريا (حتى تذبذب هذه المواقف بين قابل ورافض لبقاء الأسد يأتي لرفع سعر الرعاية الغربية المطلوبة).

أطلّت موسكو على الشأن السوري بما يشبه استطلاعاً للعالم وتفحّصاً لمزاجه. إختبرَ بوتين المجتمع الدولي قبل ذلك في جورجيا، ثم بعد ذلك في القرم وفي شرق أوكرانيا. استنتجَ الرجل، رغم العقوبات، أن العالمَ يعترفُ لروسيا بنفوذ في حدائقها الخلفية، وأن الغربَ أخذ علماً أن روسيا لم تعد لتسمحَ بوقاحة أطلسية في ما تعتبره موسكو فضاءها الاستراتيجي وميدان أمنها. وطالما أن موسكو، منذ عصرها السوفياتي، تعتبرُ سوريا جزءا أصيلاً من مصالحها الاستراتيجية، فإن العالمَ لا بد سيقرُّ لبوتين بأفضلية، خصوصاً أن لا شيء أوحى في خيارات واشنطن وحلفائها بالسعيّ لتثبيت أفضلية مضادة.

لا يريدُ بوتين أن تتحوّل مغامرته السورية إلى ما يشبه ما شاب مغامرة بلاده الأفغانية في عهد الاتحاد السوفياتي. ومفتاح ذلك التمني يوجد عند واشنطن وليس عند موسكو. يعرف سيّد الكرملين أن المقاومة المحليّة الأفغانية لم تكن لتهزم الجيش الأحمر لولا تلك الرعاية الخارجية المتمتعة بغطاء أميركي بلا حساب. بدا في تلك الفترة أن إمكانات مالية وتسليحية هائلة تمرّكزت في الميدان الأفغاني ضمن استراتيجية لا تكلّ لهزيمة الخطر الشيوعي، وعليه سيعملُ بوتين ضمن سياقات حذقة لا توقظ امكانات ولا تستدعي ما يقضّ مضجع الوجود الروسي في سوريا (لاحظ حرصه على ودّ مع المسلمين من خلال الاحتفال الدولي اللافت بافتتاح مسجد موسكو الكبير).

لا يمكن مقارنة الحالة السورية بتلك الأفغانية. لا تنوي روسيا احتلال سوريا ولا تملك امكانات ذلك. ثم أن روسيا تصل إلى الميدان السوري متأخرة، حيث خصوم نظام الأسد، على أنواعهم وتباين مشاربهم يسيطرون على جلّ أراضي البلد، ما يعني أن القوى المضادة لروسيا موجودة أصلاً ولا داعي لاستدعائها، وأن أمرَ تفعيلها ودعمها وتطويرها مسألة سهلة إذا ما راحت رياح بوتين عكس أشرعة الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين.

لكن في تحليل أعمق، قد يصطدمُ المراقب بحقيقة أخرى أفرجت عنها الحالة السورية، وهي أن واشنطن وحلفاءها لا يمتلكون كل الأوراق، على ما كانت تتيحه ظروف الحرب الباردة إبان حرب أفغانستان، وأن الميادين السورية أدلت بدلوها بعيدة، في أغلب الحالات، عما تريده العواصم الكبرى (حريّ مراقبة الاشتعال الحالي والمقبل للجبهات باتجاه معاقل النظام). استفادت العوامل المحلية وداعموها الإقليميون من تخبّط غربي، أميركي أساساً، فمررت حقائق ميدانية على الجبهات، رغم أن مستويات الدعم والتسلّح بقيت، إلى حدّ ما، ملتزمة بسقف المزاج الدولي. بمعنى إخر، فإن توافقاً روسياً غربياً، لن يكون كافياً لضمان سلامة السعيّ الروسي ونجاحه، إلا إذا كانت الصفقة الكبرى تشملُ تسوية ترضي كافة الأطراف من كبيرها إلى صغيرها، وهو أمر عصيّ لا يمكن تخيّله، هكذا، بين ليلة وضحاها. وربما هنا يجب مواكبة الموقف التركي بعد زيارة إردوغان لموسكو (علماً أن التسهيلات الميدانية التركية، حسب المعلومات، تزداد لصالح المعارضة)، وتأمل موقف الرياض الصامت إزاء مناورات بوتين، ورصد تشدد السعودية في شأن مصير الأسد، وهو ما عبّر عنه وزير خارجيتها في نيويورك، وقبل ذلك في قلب موسكو، متصاحباً، مع ذلك، مع الاعلان عن زيارة قريبة جداً للعاهل السعودي إلى روسيا.

يعارضُ الرئيس الأميركي باراك أوباما دعم موسكو لبقاء الأسد. تعتبرُ واشنطن أن أمراً كهذا يُعتبر عاملاً مستدرجاً للجهاديين نحو سوريا، ولا يفيد جهد مواجهة داعش. في ذلك الموقف تنبيهٌ لموسكو، قد يكون صادقاً، بشأن تماديها في الدفاع عن الأسد ونظامه، وقد يكون خبيثاً يتحرى انعاش ذاكرة روسيا وايقاظ كوابيسها الأفغانية.

ربما يجب التذكير أيضاً أن تنظيم داعش المستهدف مباشرة من قِبل الحراك الدولي العام، ما زال عصيّا على الفهم ويلتبسُ إدراكه، ذلك أن ما خرج حتى الآن من أشغال لفهم ظاهرة تنظيم أبو بكر البغدادي يخلطُ بين ما هو عقائدي، يتأسسُ على أجندات جهادية صرفة متحصّنة بنصوص تأوّلها وجوهٌ اسلاموية معروفةٌ سيرورتها جليّةٌ سيّرُها، وبين ما هو مخابراتي، تتقاطعُ وتتنافر داخله مصالح وأجهزة وأجندات يقتربُ الحديث عن أمرها مما هو سينمائي متخيّل.

وعليه قد يجوز السؤال حول قدرة التنظيم على تعطيل أية صفقات غربية روسية، خصوصاً إذا ما بدت تلك الصفقات نافرة بالنسبة لدول المنطقة، ثم قدرة داعش على تعطيل التزام إقليمي ما بأي صفقة عتيدة قد تخرجُ بها مداولات نيويورك وما بعدها. في فرضية العبث هذه، من ينقذُ روسيا من أفغانستان أخرى؟

لن نفهمَ بجلاء طبيعةَ التفاهمات والتناقضات الإقليمية الدولية مع موسكو إلا من خلال تأمل التطورات الميدانية السورية المقبلة، فإذا ما تعرّض الوجود العسكري الروسي لردّ ميداني مضاد، فسندرك، من خلال طبيعية الردّ ومستوى أسلحته، طبيعة الرسائل الموجهة لموسكو، وربما مصدرها.

 

محمد قواص

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (2)

User
BENABADJI AL H ORR
BENABADJI AL H ORR 11 سنوات منذ
BENABADJI Le président russe Putin ,un dictateur d'aventurier prétentieux ,en impliquant son pays dans le guêpier syrien militairement aux conséquences fâche uses et dramatiques ,aurait œuvre alors a précipiter la chute de son régime si le Russie connaissait un brin de démocratie, ce qui n'est pas le cas malheure  usement . Bientôt le rapatriement des corps de soldats russes tues et par dizaines en Syrie par l'armée libre de Syrie, allait porter un préjudice monstre et incalculable au régime dictatorial de Putin, un Putin qui dirige la Russie d une poigne de fer vers le chao et l'inconnu avec des méthodes périmées et obsolètes a la KGB de l'époque soviétique défunte. . La Syrie allait devenir pour le président russe un nouvel Afghanistan semblable a celui de l'époque soviétique et la Russie allait se retirer de la Syrie ou elle intervient militairement aujourd'hui pour sauver le régime Bachar comme l'  union soviétique de l'époque avait intervenu alors sans succès pour sauver le régime fasciste de Moujib Allah Rahman un president communiste et qui est un dictateur pro-soviétique et la suite tout le monde l'a connait c'était le retrait humiliant et dégradant des troupes soviétiques d'Afghanistan qui avaient quitte l'Afghanistan la tête baissée, vaincues par les combattants islamiques. Les djihadistes combattants islamiques allaient affluer de partout dans le monde vers la Syrie et par milliers et déclarer le Jihad  (guerre sainte )pour combattre l'armée russe comme dans le cas d'Afghanistan du temps de la défunte Union soviétique. La Russie de Putin allait très certainement payer durant les prochains mois un énorme tribut très très cher en pertes humaines parmi les soldats russes engages dans son implication militaire directe dans le conflit inter-syrien et le proche avenir allait faire comprendre a Putin qu'il s'est lance de façon irréfléchie et irresponsable dans une aventure syrienne qui ne pourrait être que dévastatrice pour son pays la Russie qui est passe de l'unique fournisseur d'armes au régime dictatorial de Bachar en déclin a l'intervention militaire directe pour combattre sur le terrain l'armée libre de syrien ,qui combat le régime criminel et assassin de Bachar al Assad depuis quatre années de suite.. L'économie russe actuellement défaillante et faible comment donc la Russie allait -elle pouvoir faire face économiquement a cette guerre d'usure engagée en Syrie que Putin croyait pouvoir gagner en faveur du régime de Bachar dans des brefs délais?. La Syrie serait un nouveau Afghanistan pour le président Putin ,qui s'ouvre aujourd'hui et qui va durer de longues années ce qui serait économiquement au dessus des moyens actuels de la Russie de Putin
٠جلال
٠جلال 11 سنوات منذ
<strong>لقد استوعبت روسيا شفرات الرسائل الأمريكية المدمرة لمن ينافسها أو يقف في وجه نهبهاخيرات الشعوب ٠</strong> يجب على روسياوإيران ومصر بمساندة قوية من الشعبين و الجيشين السوري والعراقي أن يبيدوا الإرهابيين في سوريا والعراق ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والجزائر و،،،لأن 90 في المئة من الإرهابيين بسوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا هم من المجرمين الأمريكيين والأروبيين ومن الجمهوريات الإسلامية بجوار روسيا ،إذن المستهدف بعد سوريا والعراق ـ لا قدر الله &nbsp;! &nbsp;! ـ هي إيران وروسيا ،انظر ما يحصل بأوكرانيا الملاحمة لروسيا &nbsp;! &nbsp;! هذه البداية العدوانية الأمريكية ضد روسيا ؟؟ لقد استوعبت روسيا شفرات الرسائل الأمريكية المدمرة لمن ينافسها أو يقف في وجه نهبهاخيرات الشعوب ٠