بن غبريط ليست إلآ موظَّفة تطوعتْ لتنفيذ تغيير المناهج في الجزائر
بن غبريط ليست إلآ موظَّفة تطوعتْ لتنفيذ تغيير المناهج في الجزائر
لا أعتقد… وفي هذه التجربة الأردنية التي تتحدث عنها صحيفة “راي اليوم” الإلكترونية دليل على أن المسألة تتجاوز بن غبريط وحتى الرئيس….الأمر مرتبط بمحاولات فرض مناهج تربوية تُناسِب القوى المُهَيْمِنة، ولا تتجرَّأ السلطات على قول ذلك لتفادي الأسوأ… بن غبريط موظَّفة تطوعتْ لتنفيذ الإستراتيجية ربما لتَناسُبِها مع توجّهاتها الإيديولوجية…وإن لم تكن بن غبريط كانوا سيأتون بمَن يرغب في ذلك غيرها، وهم كثيرون، بمعنى أن الذين يستهدفون شخص الوزيرة أخطأوا الهدف منذ البداية وتعاطوا مع المظهر بدلا من الجوهَر الذي فرَّخ هذا المظهَر…
لكن الأمور لا يمكن تمريرُها هكذا بسهولة، ولن تمر. وفي حال تم الإصرار عليها، فستكون لها تداعيات يتضرر منها الجميع، بمن فيهم “أحباب الانتصار” للمناهج التربوية الجديدة…
132 عاما من الحديد والنار، كان حينها الشعب جائعا ومريضا وجاهلا أميًا، يرزأ تحت الاحتلال، كل هذه السنين الطويلة من الاضطهاد لم تُفلِح في تمرير هذا المشروع. اليوم ، هذا الشعب أقوى مما كان عليه عِلميا وصحيا ومادِّيا…
نعلم أيضا أن الضغوط من أجل “إصلاح تربوي” بدأت على السعودية جهرا على لسان جورج بوش الابن في أعقاب تفجير مركز التجارة العالمي، مما أحدث حرجا في الرياض أدى بها إلى المطالبة بعدم إحراج آل سعود مع مواطنيهم بمثل هذه التصريحات حسب تقارير إعلامية آنذاك…
اليوم، عدة أنظمة عربية تكتشف فجأة أن مناهجنا التربوية تصنع “الحمير والإرهابيين” ، كما يُرَوَّج في الجزائر على الأقل، وتَعمل على تغيير هذه المناهِج. لكن يبدو حتى الآن أن التغيير يستهدَف مسائل ثقافية ودينية ولا يأتي بما يرتقي بالمستوى التعليمي أو القدرات الإدراكية للتلاميذ أو إدخال ما ييسِّر تعاطي التلاميذ مع التقنيات والتكنولوجيات والإبداعات العلمية الجديدة، على سبيل المثال، ولا تحسين قدراتهم اللغوية الأجنبية مع إبقاء اللغة العربية، الأم، في مكانتها المركزية….
الأنظمة تتنازل، لأنها ضعيفة، ولم تكن أضعف مما هي عليه الآن منذ الاستقلالات في منتصف القرن 20م.
القوى المهيمِنة تغتنم هذه الفرصة التاريخية التي لا تُعوَّض لتمرير مشروعاتها وتحقيق المزيد من الهيمنة…لكن المجتمعات، وإن كان صوتُها لا يُسمَح له أن يعلو على صوت “أصحاب القرار”، وهم لا يبدون أصحاب قرار فعليًا، لها أيضا كلمتها حتى وإن تخاذلت أو تواطأت أو خافت أو أُسْكتتْ نُخبُها…
أقول هذا الكلام وبين عيني تجربة الجزائريين مع الاحتلال الفرنسي وتجربة أحفاد الاندلسيين تحت الاضطهاد الإسباني الكاثوليكي “التفتيشي”…وغيره من تجارب الشعوب والأمم…
في فرنسا العقود الماضية، عندما كان التلميذ الجزائري المسلم، حتى وإن لم يكن من أسرة متديِّنة، يعود من المدرسة ويحكي لوالديْه أو إخوته أن المُعلِّمة قالت إن “السيد المسيح هو ربنا”، على سبيل المثال، يُعاد الدَّرس في البيت لرد الأمور إلى نصابها وتُصَحَّح المفاهيم، حسبما بلغني من شهادات، ليُجهَض “المشروع″ الثقافي في المهد قبل استفحاله. المُعلم في القِسْم يواصل على نهجه، والأهل كذلك يواصلون “مقاوتهم” في صمت…والكل يعرف بخبايا الكل دون تفجير الأمور…
في إسبانيا القرن 16م و17م، عندما حظروا القرآن والكتب العربية، أصبح الناس يقرأونها خفيةً ويُعلمون العربية سريًا في البيوت والكهوف التي استُخدِمتْ أيضا كمساجد، مثلما أُنشِأت مصليات سرية في العديد من الديار خلفا جدران تمويهية.
وعندما منعوا الختان، أصبح الطفل في بعض الجهات يُخطَف بشكل سري من طرف أحد أقاربه فتجري عملية الختان ويُعاد إلى أهله سرًّا دون أن يعرف أحد هوية الفاعل حتى إذا جاء مفتش الكنيسة المحلية يستقصي الأمر عندما يكتشف أن الطفل تم ختانُه، لا أحد يستطيع التبليغ عن “الجاني” لأن لا أحد رآه… هذه الحالة الاستثنائية التي فرضتها الظروف التاريخية الآنية في إسبانيا محاكم التفتيش أصبحت اليوم عادة من عادات وتقاليد حَضَر مدينة ندرومة، في شمال شرق الجزائر، المنحدرين بنسبة عالية من الموريسكيين المطرودين…
هل سينجح أصحاب مشروع “الإصلاح التربوي”؟ شخصيا، لا أعتقد بالنظر إلى المعطيات الاجتماعية/الثقافية الميدانية…وإذا تطرفتْ الوصايات على هذه القضايا في مساعيها فلن نتفاجأ بتطرف موازٍ لدى الطرَف الذي يُحاوَل إخضاعُه رغم أنفه لهذا “التغيير”…وقد تصل الخصومة إلى الصدام… لذلك، الرجاء أن لا يُستبدَل “استئصال” باستئصال أسوأ منه.
محاولات اختزال المسألة في كونها ضجة يُحدثها السلفيون والإسلاميون والمتطرفون لضرب مصداقية مطالِب المعارِضين لصيغة الإصلاح التربوي الحالية، وهمز خليط من كل الجزائريين على اختلاف توجهاتهم السياسية والعقائدية، لا يبدو أنها تُقنع كثيرا رجل الشارع الذي يرى ويسمع ويفهم أكثر مما يرى ويسمع ويفهم الذين يُحالون تربية الطفل الجزائري مثلما يحبون هم وليس مثلما تحب شرائح كبيرة من الجزائريين…
أما الذين يركبون التيار لتصفية حسابات سياسية وإيديولوجية داخلية فإنهم مخطئون في منهجهم، لأن المرحلة مرحلة تعاضد وتكاتف ولا تحتمل صب الزيت على النار لتحقيق مكاسب تكتيكية مقابل خسارة كارثية إستراتيجية…
السلطة مطالبَة بتحسين الجبهة الداخلية وإعادة بناء الثقة مع مواطنيها، وهذا ما يعزز مناعتها أمام الضغوط الخارجية، وإلا……فإن التيار الذي يُركَب اليوم بتهوُّر من طرف الانتهازية السياسية التكتيكية، وأقصد كل الشركاء في هذا الوطن المسكين، سيجرِف الجميع…دون استثناء…
قد أكون مخطئا…بل أتمنى ذلك…
فوزي سعد الله
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)