الحراك النقابي والإحتقان الشعبي يؤرق السلطة الجزائرية ويخلط حساباتها

الحراك النقابي والإحتقان الشعبي يؤرق السلطة الجزائرية ويخلط حساباتها

فبراير 24, 2018 - 17:09
تم التحديث: 9 سنوات منذ
1 1.8ك
الحراك النقابي والإحتقان الشعبي يؤرق السلطة الجزائرية ويخلط حساباتها

تعيش الجزائر منذ بداية العام الحالي وضعا صعبا، غليان اجتماعي وحراك نقابي وسلطة تائهة ضائعة لا تجد الحلول، وغير قادرة على الابتكار، كيف لا وهي التي تعودت على شيئين لا ثالث لهما، إما أن تضع يدها في الجيب لإسكات كل من يصرخ عن حق أو باطل، أو إشهار «سيف قانونها» لإسكات من يصرخ عن حق أو باطل! المهم ألا يقلق هذا وذاك مشاريعها السياسية، أما الأحزاب عموما فقد غرقت في لعبة السلطة نفسها، سواء كانت موالاة أو معارضة، رغم وجود بعض النوايا الحسنة هنا وهناك.
الاحتقان الشعبي الذي تعيشه الجزائر ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات وهروب إلى الأمام، فالسلطة القائمة كانت تقود قطارا لا تتحكم فيه، وتتجه به إلى الهاوية، ورغم تحذيرات الكثيرين، خبراء وساسة وصناع رأي، إلا أنها صمت آذانها، وأصرت على الاستمرار وزيادة السرعة.
إذا رجعنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا، وبالتحديد إلى 2014 لما أصرت السلطة على فرض ولاية رابعة للرئيس بوتفليقة، نستحضر صورة رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال، والذي كان مدير حملة بوتفليقة وهو يصرخ في أحد المهرجانات الانتخابية قائلا فيما معناه:» كلوا وأسرفوا، الخير كثير»!

لعنة البرميل

وكأنه كان لتلك الجملة التي تنضح غرورا في بلد مرتبط مصيره ببرميل وقع اللعنة، فبعد أشهر قليلة من ذلك التصريح بدأت أسعار النفط في التهاوي، وبسرعة دق ناقوس الخطر، ووجدت حكومة سلال نفسها أمام واقع اقتصادي ومالي صعب، فمداخيل البلاد تراجعت بالثلثين، فيما بقي الإنفاق في مستويات قياسية.
أمام الوضع الجديد الصعب، والذي تبين منذ أول لحظة أنه سيطول، لم تجد السلطة سوى اللجوء إلى حلول ترقيعية، فأول شيء فكرت فيه هو خفض فاتورة الاستيراد، ولجأت بسرعة إلى فرض نظام رخص الاستيراد، والتقليص من عدد السيارات التي يتم استيرادها سنويا، لكن بعد مرور سنة وسنتين وثلاث تبين أن فاتورة الاستيراد لم تنخفض إلا بنسبة بسيطة، وأن نظام الرخص كان فاشلا، باعتراف الحكومة نفسها، ولجأت بعد ذلك إلى طريقة أخرى، وهي إعداد قائمة بمواد ممنوعة من الاستيراد، دون أن يكون لمعظم تلك المواد بديل في السوق، بما في ذلك أدوية ضرورية للمرضى.
الوضع الاقتصادي والمالي الصعب، أدى إلى تآكل احتياطي صندوق ضبط الإيرادات الذي كان يحتوي على أكثر من مئة مليار دولار، التهتمتها آلة الإنفاق والاستهلاك التي نمتها السلطة حوالي عقدين من الزمن، ولم تجد الحكومة الحالية ما تعالج به العجز المالي الذي كان يتهدد البلاد سوى اللجوء إلى المطبعة لإصدار المزيد من العملة دون أن يكون له مقابل من عملة صعبة أو ذهب أو أذونات خزينة، ورغم تحذيرات الخبراء من مخاطر هذا القرار وتبعاته على اقتصاد غير منتج وعلى عملة وطنية آخذة في الانهيار أمام العملات الصعبة، إلا أن الحكومة أصرت على أن هذا هو الحل السحري لمعالجة الاختلالات وتحقيق اقلاع اقتصادي.
السنوات الثلاث الماضية لم تمر دون اتخاذ إجراءات تقشفية الشعب وحده من يدفع ثمنها حتى الآن، الأمر الذي أدى إلى تزايد الاحتقان الشعبي، في وقت أصبح من الواضح أن السنة التي تأتي أصعب من التي سبقتها، وأن السلطة ما زالت تحاول ربح مزيد من الوقت، لتنفيذ مشاريعها أولا، ولضمان حد أدنى من استمرار الوضع على ما هو عليه في المقام الثاني، المهم عندها هو تفادي الانفجار الشعبي أو الانهيار الاقتصادي، والاستراتيجة الوحيدة التي تملكها هي: «اللهم ارفع أسعار النفط».
بداية السنة الحالية كانت صعبة، وكان ذلك متوقعا، فالنقابات في قطاعات التعليم والصحة، والتي أجلت كثيرا احتجاجاتها قررت الانتفاض والدخول في إضرابات، والحكومة وجدت نفسها غير قادرة على إيجاد حل لهذه الاحتجاجات، لأن الحلول التي تعودت اللجوء إليها مستحيلة أو صعبة، فلا هي قادرة على الاستجابة، ولا هي متحمسة لاستخدام القوة، وبقيت حتى الآن تراهن على التهديد باستخدام «قوة القانون» وعلى الوقت لاستنزاف هذه الحركات الاحتجاجية، لكن الحلول التي جربتها لم تنفع حتى الآن، في وقت تهدد قطاعات أخرى بالانضمام إلى هذه الحركات الاحتجاجية.

انتفاضة المآزر البيضاء

الشرارة انطلقت من المستشفيات الجامعية، فالأطباء المقيمون قرروا الدخول في إضراب احتجاجا على أوضاعهم المهنية الصعبة، وأول وأهم مطلب رفعوه وما زالوا يتمسكون به هو إلغاء إجبارية نظام الخدمة المدنية، الذي يفرض عليهم العمل في المناطق النائية بعد تخرجهم، وكذا تمكين الأطباء المتخصصين من الاستفادة من الإعفاء فيما يتعلق بأداء الخدمة العسكرية.
رد فعل السلطات كان تجاهل المطالب أولا، ثم محاولة تشويهها من خلال الترويج بطريقة غير مباشرة لمطالبة الأطباء بالحصول على رواتب وزراء، وهو أمر غير صحيح، ثم جربت استخدام القوة، لما حاول الأطباء المرة الأولى الخروج في مظاهرة، وكانت صورة أصحاب المآزر البيضاء ووجوههم تغطيها الدماء صادمة ومعبرة عن حالة التخبط التي تعيشها السلطة، وبعد ذلك جربت سياسة الجزرة والعصا في آن واحد، فمن جهة دخلت في مفاوضات مع الأطباء المقيمين، مع الإعلان مسبقا أنها لن تتنازل عن اجبارية الخدمة المدنية، ولن تناقش موضوع الخدمة العسكرية، ومن جهة أخرى سارعت إلى القضاء الإداري، واستصدرت قرارا يقضي بعدم شرعية الإضراب، وشرعت في تجميد رواتب الأطباء، لكن دون فائدة، فالأطباء مصرون على الاستمرار حتى لو كانت الورقة الأخيرة التي سيلعبونها هي الاستقالة الجماعية!
في المقابل انتقلت شرارة الحركات الاحتجاجية إلى قطاع التعليم، فنقابة المجلس الوطني المستقل لمستخدمي قطاع التعليم دخــلــت في إضراب مفتوح منذ حوالي شهر، بعد رفــــض الوزارة الاستــجاــبة لمطـــالبها فيما يتــعــلق باحتـرام المحاضر الموقعة بينهما، وتســوية وضـعية المسـتخدمين في المناصب الآيلــة للــزوال، ومطــالب أخرى لها علاقة بطب العمل، والحصــول على سكنات وترقيات.
وزارة التعليم اختارت المواجهة منذ البداية، إذ أصدرت بيانا اتهمت فيه النقابة التي يقودها مسعود بوديبة، بالتضليل وتزييف الحقائق، وسارعت باستصدار قرار من القضاء بعدم شرعية الإضراب، وأصبحت ترفض أي حوار مع النقابة، بدعوى أنها خارج القانون، وشرعت في فصل الأساتذة المضربين، واستخلافهم بأساتذة جدد، ولكنها فوجئت في بعض المدن بخروج التلاميذ أنفسهم إلى الشارع، لرفض الأساتذة المستخلفين والمطالبة بعودة أساتذتهم، وفي غمرة الحيرة والتخبط قبلت وزيرة التعليم نورية بن غبريط بوساطة قادها الإمام علي عية والمحامي نجيب بيطام، وساطة بدت غريبة، لكنها انتهت بفشل ذريع، وأســاءت إلى الوزارة والوزيرة أكثر مما نفعتها.
إذا كانت السلطة السياسية عاجزة، ولم يعد أمامها إلا التهديدات، فإن الأحزاب السياسية غائبة عن هذا الحراك، فلا هي استطاعت مواكبته، ولا حتى حاولت ركوب موجته وتأطيره، لتتحول هذه الحركات الاحتجاجية الفئوية إلى بصيص أمل في واقع مظلم، وتصبح نوعا من شرارة تعيد إحياء النضال السلمي من أجل المطالبة بالحقوق في بلد اختزل في سلطة جلست على كرسي ترفض النهوض عنه، ومعارضة مستسلمة وغير قادرة على تغيير الوضع بالطرق السلمية، سلطة تقول إنها وصلت بالصندوق ولن تغادر إلا به، ومعارضة في غالبيتها «مناسباتية» تكتفي برفض الاعتراف بالصندوق الذي أتى بتلك السلطة، كنوع من «الحد الأدنى النقابي» لتبرير بقائها واستمرارها، وشعب تائه بين الطرفين، ووقت يهدر وفرص تضيع على بلد لم يعد قادرا لا على مزيد من الفوضى ولا على مزيد من الهدر والضياع!

 

كمال زايت

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
ولد السالك
ولد السالك 9 سنوات منذ
<strong>الفرصة الذهبية</strong> المزيد من الإحتجاجات، نظام الحركي اللعين سرق أموالكم و قتلكم في العشرية السوداء، و مول البوليساريو بدون إذن منكم، هذه فرصتكم لتطردو الحيوانات.