أكبر رهان كسبته الجزائر “نساء الجبل” بعد 13 عاما على إقرار المصالحة الوطنية
أكبر رهان كسبته الجزائر “نساء الجبل” بعد 13 عاما على إقرار المصالحة الوطنية
نجحت الجزائر، وبعد مرور 13 عاما على إقرار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي صوت عليه الجزائريين والجزائريات بتاريخ 29 سبتمبر 2005، لوضع حد للمأساة الوطنية المترتبة عن العشرية السوداء التي مرت بها البلاد وكذا إيجاد تسوية قانونية لجميع أطراف الأزمة، في السنوات الثلاثة الأخيرة في استقطاب فئة خاصة تتسم عادة في حالات الأزمات بضعف خاص، شاءت الأقدار أن تتحولن في تلك الفترة التي شهدتها البلاد وإلى غاية تطليقهن العمل الإرهابي إلى “قوة ملحوظة”، ويتبين ذلك في الأدوار التي يضطلعن بها وأيضا من خلال المهام والمسؤوليات الملقاة على كاهلن في غياهب الجبال والغابات، هن نساء ذنبهن الوحيد أنهن قضين حياتهن رفقة أطفالهن وسط الطبيعة القاسية بين مساحات واسعة من الظلام ولسعات الصقيع والجهل والتعصب الذي يسيطر على عقولهن، يلقبن بـ “نساء الجبل”.
وكشفت وزارة الدفاع الجزائرية، منذ يومين، عن استسلام إرهابي بمحافظة سكيكدة شرق البلاد، رفقة ثلاث عائلات مكونة من 12 فردا، وحسب ما جاء في بيان للوزارة فإن الأمر يتعلق بالإرهابي “فيلالي بلال” المدعو “أبو أيمن ثابت”، إضافة لعائلته المتكونة من زوجته وأبنائها الخمسة، ولدان وثلاث بنات، بالإضافة إلى عائلتي إرهابيين كان قد تم القضاء عليهما في عمليات سابقة.
قررت تطليق “الجبل” بعد أن بلغت من الكبر عتيا
أول واحدة منهن ينبغي تسليط الضوء عليها، السيدة الجزائرية المسماة “ب . يامنة” البالغة من العمر 77 عاما، تلقب بـ “عميدة” نساء الجبل، بالنظر إلى سنها المتقدم، فقد بلغت من الكبر عتيا، التحقت بالجماعات الإرهابية عام 1994 رفقة زوجها وأولادها الـ 5، سنها جعلها تحظى بمكانة خاصة لدى الإرهابيين، فبالإضافة إلى استشارتها والأخذ بآرائها كان يعتمد عليها في اعداد الوجبات الغذائية وغير ملابسهم وتنظيم مخابئهم، إلى أن قررت تطليق العمل الإرهابي والاستجابة لنداء الأمل الذي أطلقته السلطات الجزائرية عبر قانون الرحمة والمصالحة الوطنية والفرار من جحيم الممارسات اللإنسانية.
هكذا تعيش وأطفالهن وسط الطبيعة القاسية
ولم تكن الحاجة “ب. يامنة” والملقبة بـ “خالتي حدة” الوحيدة التي قررت تلبية هذا النداء، ففي شهر يناير الماضي من عام 2017، سلمت ناشطة أخرى في صفوف الجماعات الإرهابية نفسهما للسلطات العسكرية في البلاد، تلقب بـ ” أم خالد ” قررت العودة رفقة أطفالها الخمسة، تاركة وراءها زوجها هناك في أعالي جبال محافظات شرق البلاد، بعد 22 سنة من التواجد هناك، ومباشرة بعدها كشفت وزارة الدفاع الجزائرية، في بيان لها بتاريخ 10 أبريل الماضي، عن توقيف إرهابي رفقة عائلته المكونة من زوجته الملقبة ” نادية ” رفقة خمسة من أطفاله، بينهن ثلاثة بنات وطفلين.
وكشفت الوزارة الوصية حينها عن تفاصيل الوضع المزرى الذي كانت تعيشه العائلة من حيث الوضع الصحي وغياب أدنى المتطلبات وضغط الظروف الطبيعية القاسية، والحالة النفسية المتدهورة الني ميزت الأطفال، وعملت الوزارة الوصية على توفير الرعاية الصحية والنفسية لهؤلاء والتكفل بهم من حيث النظافة واللباس والراحة”.
وعلقت الوزارة في بيانها على هذه الحادثة قائلة “مرة أخرى نفس السيناريو يتكرر ونجد أطفالا أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا في غياهب الجبال والغابات من آباء اختاروا أن يمنحوهم مصيرا مجهولا بين وحشة الظلام ولسعات البرد وهيمنة الجهل وبعيدا عن كل صفات الإنسانية والحياة البشرية”.
أقنعن أزواجهن وأبنائهن بالعودة إلى أحضان الوطن
وساهم بعضهن بعد استسلامهن في اقناع أبنائهن وأزواجهن بتطليق العمل الإرهابي، والاستسلام وتلبية نداء العودة إلى أحضان الوطن، فبتاريخ 19 مايو الماضي كشفت وزارة الدفاع الجزائرية عن استسلام إرهابي بعد نداء وجهته له عائلته المؤلفة من عشرة أفراد على رأسهم زوجته، الوضع ذاته ينطبق على سيدة كانت زوجة لمسلحين اثنين، قضت عليهما قوات الجيش الجزائري بتاريخ 2008 و 2014، قامت بتسليم نفسها رفقة أربعة من أطفالها ولدوا كلهم في غياهب الجبال والغابات وسط ظروف مزرية، تمكنت في وقت لاحق من هذا التاريخ في إقناع ابنيها وهما في مقتبل عمرهما في تسليم نفسيهما وهما ” حذيفة ” و “طارق “.
مسار ملئ بالأشواك
ويقول في الموضوع رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، هواري قدور، في تصريح لـ “رأي اليوم” إنه ومن الناحية القانونية يتم التعامل مع “نساء” و”الأطفال” الذين ولدوا في الجبل وفق قانون الأسرة الجزائري ولا سيما المادة 34 منه وطريقة إثبات نسبهم، ففي حالة اعتراف الزوج بنسب الأطفال فهنا القضاء الجزائري لا يواجه أي مشاكل تذكر، وفي حالة عدم اعتراف الزوج بأبنائه ففي هذه الحالة يصبح الملف معقدا، فإثبات النسب في هذه الحالة يحتاج إلى تقنية الحمض النووي الذي يحتاج في بعض الأحيان إلى سنوات، ويقول المتحدث إنه وبناء على المعطيات التي يحوز عليها محامي الرابطة فإنه تم تسوية 65 ملفا بفضل اللجوء إلى تقنية تحليل الحمض النووي.
ويقول هواري قدور في تصريح لـ “رأي اليوم” إن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان تعتقد بأن مسار ” نساء الجبل” هو مسار مليء بالأشواك والهزات النفسية يترجمه واقع انساني محطم وأمية وظروف اجتماعية مزرية يجب على الجمعيات النسائية و وزارة التضامن الإحاطة بهذه الفئة عبر تقديم مساندة نفسية وقانونية لهنّ و توفير فرص للتشغيل بما يلائم خصائص الأمهات يحسن من عملية اندماجهن في المجتمع .
ادماجهن في المجتمع أكبر تحد للدولة
ويرى رئيس اللجنة الوطنية لميثاق السلم والمصالحة الوطنية، أحمد ميزاب، إن هذا الملف هو ملف في غاية الاهمية وبالغ الحساسية، ويمكن تناوله من عدة زويا اهمها الجانب الاجتماعي و المسألة الثانية متعلقة بميثاق السلم والمصالحة الالية المؤطرة لعميلة استسلام وادماج نساء الجبل.
ويقول أحمد ميزاب في تصريح لـ ” رأي اليوم ” إنه ورغم أن الجزائر كسبت تحدي كبير في إقناعهن بتطليق العمل الإرهابي والعودة إلى أحضان هذا البلد إلا أنها لازالت تواجه تحدي كبير بخصوص مسألة ادماجهن لمجموعة من الاعتبارات المتعلقة بالثقافة الاجتماعية والموروث الاجتماعي الذي يكون حاجز في كثير من الاحيان يضاف اليه القصور المسجل في التشريعات التي توفر الحماية والإطار وأيضا غياب مؤسسات المجتمع مدني القادرة على التكفل بهذا الملف و القيام بعملية الادماج و التأطير و المرافقة.
ويؤكد المتحدث أن الوضع نفسه ينطبق على اطفال الجبال التي تعد مشكلة ” مؤجلة ” وتحتاج الى وضع آلية حتى لا نصطدم بواقع مر، ويضيف ” دعيني أقول أن الدراسات المنجزة والتي توصلنا من خلالها الى أن الملف لا يعالج قانونيا رغم أنه له وجه قانوني الا انه يمكن معالجته عن طريق انشاء جمعيات تتكفل بالموضوع من خلال برنامج مدروس يضعه مختصين “.
هن ضحايا مأساة اجتماعية
ومن جانبه يقول المحامي والحقوقي الجزائري، عمار خبابة في تصريح لـ ” رأي اليوم “إن لهذا الملف تداعيات حقيقة خاصة من ناحية اثبات النسب، وأيضا مسألة إدماج ” نساء الجبل ” بعد تطليقهن للعمل الإرهابي، ويرى المتحدث إن المجتمع الجزائري له رصيد تاريخي حافل من الصفح والتسامح في مثل هذه المسائل، فقد عرف مثل هذه الظواهر أثناء حرب التحرير الجزائرية وتعامل معها إيجابيا، ويضيف أن هناك أيضا مؤسسات بإمكانها أن تساعد على احتضان تلك النسوة والأطفال منها المسجد والجمعيات وجميع الخيريين، ويشير إلى أنهن ضحايا مأساة اجتماعية وعلى المواطن الجزائري أن يتعامل معهن ومع أبنائهن بكل مسؤولية وهذا ما قره ديننا الحنيف فقد ورد في الحديث الشريف أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
هذه الخطوات المتاحة لمحو مخلفات الماضي
ومن جهتها تقول المحامية الجزائرية فاطمة الزهراء بن براهم، في تصريح لـ ” رأي اليوم ” إن أطفال الجبل لهم الحق في الاستفادة من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي أطلقه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لوضع حد للأزمة التي عاشها الجزائريون في سنوات التسعينيات راح ضحيتها حسب أرقام رسمية حوالي 250 ألف ضحية، وأوضحت بن براهم ” تلك النسوة لهن أطفال غير مسجلين في الحالة المدنية، حيث تعمد السلطات في البلاد إلى تسوية وثائقهم الرسمية التي تثبت هويتهم بحكم قضائي ثم تتم عملية إدماجهم في المدارس بينما يوجه الكبار إلى الحياة العملية أو التكوين المهني، وفي تلك الأثناء يتم إخضاعهم للمعالجة النفسية، حيث تقوم المصالح الاجتماعية التابعة لوزارة الدفاع الجزائرية برعاية العائلات والأطفال الذين تمت استعادتهم من الجبال واستقطابهم، والسماح لهم بالدراسة وتوفير الرعاية الصحية لهم، بهدف إعادة إدماجهم في المجتمع″.
“أطفال الجبل” الملف المعقد في القضية
وبرز ملف يصفه متتبعون بـ “الأكثر تعقيدا” بالنظر لإفرازاته، وهو ملف “أطفال الجبل”، ويصفه رئيس لجنة المساعدة القضائية لتطبيق قانون المصالحة الوطنية، مروان عزي، بالملف “المعقد”، يستعصي على الحكومة الجزائرية حله في ظرف زمني قصير، ويقول إن هناك “أطفال” ولدوا في الجبال والغابات، كانوا نتاج “زواج قسري” بين إرهابيين وبينات مختطفات في سن الزهور، غير مسجلين في الحالة المدنية، عددهم يفوق 500 طفل، تختلف تعقيداتهم، تتم معالجة ملفاتهم وفقا لما ينص عليه قانون الأسرة الجزائري، فالأطفال الذين لازال آبائهم، أمهاتهم على قيد الحياة، فتسوية حالتهم ليست معقدة كثيرا، بينما هناك فئة أخرى تعد معقدة كثيرا بسبب وفاة الأب وهو ما يحتاج في هذه الحالة اللجوء إلى تقنية الحمض النووي، اللجوء إلى تقنية الحمض النووي.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)