ضاعت الجزائر بين التفتح والتأسلم
ضاعت الجزائر بين التفتح والتأسلم
قرأت مصادفة إعلانا عن محاضرة سيلقيها المفكر الجزائري المتخصص في الدراسات الروسية الدكتور عبد العزيز بوباكير ، محاضرة أمتع فيها الحضور بالدرر التي يعرفها هذا الرجل الموسوعي الذي يندر أمثاله في الجزائر كيف لا و هو من القلة التي تتقن الروسية لغة و فكرا و معرفة عن دراية متمكنة ، أحاديثه في السياسة و المجتمع و الأدب هي خير دليل على أن الجيل الذي سبق الجيل الحالي كان أفضل من ناحية التكوين العلمي و الفكري ، إذ أن ذكره لأحد المفكرين الروس لحقته عبارة ( رحمه الله ) ، هذه العبارة التي خصصها جيل الصحوة الاسلاموية للمسلمين فقط ، هذا الجيل الذي دعشش الجامعة و المجتمع ، أغلق المكتبات و الحانات و جعل الحديث بالآيات و اللعنات و كل فعل مخالف له من المخالفات التي توجب العقوبات الإلهية في الدنيا ، هنا تحول المجتمع الى مجتمع منغلق ، رافض للآخر ، غير متسامح إطلاقا بل و انتهى تفتحه على الآخر .
لقد تحولت الجامعة الجزائرية منذ الحرب الأهلية من مصدر للعقول الراقية المفيدة إلى مساحة واسعة تجمع داخلها شتى أنواع العقول التي لا تفكر سوى في الشهادة و الحصول على عمل بأية طريقة و هذا ما جعلها تحيد عن المسار الذي تسيره جل جامعات العالم المتقدمة مثل يال و السوربون و غيرها ممن تكون عقول تبرع في جميع المجالات لتقدم النفع للدولة القومية و للبشرية كافة ، هذا التغير الرهيب أدى لتحول الطالب الجزائري إلى كائن داعشي بامتياز ، كيف لا و هو الذي لازال يرفض القراءة لليساريين و يحلف باليمين و يؤمن بملك اليمين و يستدل بأحاديث الدين و الهرطقات الواردة في الصحيحين .
قبل فترة قصيرة جمعني نقاش مع بعض الأساتذة اللذين درسوا فترة الحرب الأهلية ، ذكرت حينها اسم أحد الأدباء اليساريين حتى انهالت الشتائم و الانتقادات غير المبررة لشخصه المحترم ، و على النقيض تزاحم الشباب لشراء كتب الكتاب اليساريين في معرض الكتاب و نقاشهم بكل محبة و تسامح مع الآخر ، بعضهم أسر بمعتقداته الفكرية و دافع عنها و هذا ملفت للانتباه ، فالجيل الحالي متفتح فكريا أكثر من الجيل الذي سبقه ، لا يختلف عن جيل الجزائر الاشتراكية ، فقط لم يجد من يوجهه و يستثمر في مواهبه و طاقاته الهائلة .
أخيرا ، يشعر المرء بسعادة بالغة حين يستمع لنقاشات الطلبة حول السياسة و الاقتصاد مع حديثهم بلغات أجنبية عديدة فالجزائر العاصمة حاليا بها عشرات المدارس التي تعلم اللغة الاسبانية و التركية و الروسية بل و حتى الصينية و الايطالية ، هؤلاء هم أساس المستقبل فبعيدا عن إدخال الحلال و الحرام في كل تفاصيل الحياة تكون الحياة جميلة ، و لكن المحزن في المقابل هي الفئة التي لاتزال مولعة بمحاضرات الشيوخ الاسلامويين نفسهم اللذين شحنوا الشعب إبان الحرب الأهلية ، و إن بقي الحال على ما هو عليه مع وجود دعم ملاحظ لهؤلاء و صراع غربي على الجزائر تجلى أساسا في خطبة بوش 1996 ( صفارات الإنذار ستستمع في بغداد ثم الجزائر ) ، فانه ليس من المستبعد أن يعاد تكرار حرب أهلية ثانية .
محمد علي القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)