في سؤال وُجه للمحلل السياسي علي الجرباوي، وهو الوزير السابق والأكاديمي الفلسطيني الذي يعمل أستاذًا لعلم السياسة والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، حول نقاط قوة دولة الاحتلال الإسرائيلية، كان رده أنها دولة تستفيد من الأخطاء، حيث تتعلم منها وتستخلص الدروس والعبر، أما حول الأمر الذي يخطئ فيه الفلسطينيون دومًا، فشدد على أنهم لا يستخلصون العبر ولا يتعلمون من الدروس، وهو ما يجعلهم يكررون الأخطاء ذاتها.
في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة على قطاع غزة، تعود “القدس العربي” إلى الوراء لتسأل حول الخيارات السياسية التي سارت فيها الضفة الغربية: سلطة وأحزاب وحراكات؟ وهل يمكن النظر إلى واقع الضفة اليوم، حيث يتمدد فيها الاستيطان والضم وسياسات خنق السلطة الفلسطينية، على أنه واقع تجسد بسبب خيارات الضفة ذاتها بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟ وبناء على ذلك، تُطرح أسئلة حول مستقبل الضفة-السلطة؟ وماذا يمكن أن نتعلم من تجربة السنوات الثلاث الماضية؟ وهل هناك أي إمكانية راهنية للانتقال من مربع تلقي الضربات ضمن سياسة سد الذرائع وصولًا إلى فاعلية وصمود حقيقيين؟
سوء تقدير ما زال مستمرًا
رأى سليمان بشارات، مدير “مركز يبوس للاستشارات والدراسات” وباحث في دراسات الشرق الأوسط، أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر شكل حالة صدمة على مستوى القرار السياسي الرسمي للسلطة الفلسطينية، ولهذا السبب ظهر أن هناك حالة عجز في تقدير الموقف الفلسطيني الرسمي، ولدت حالة إرباك في بداية الأمر، لكن الأخطر من ذلك أن الموقف الرسمي الفلسطيني لم يستطع أن يعيد تقييم حالة التموضع وكيفية التعاطي مع مرحلة ما بعد الصدمة.
ورأى بشارات، في حديث خاص مع “القدس العربي”، أن “مرد ذلك يعود إلى غياب مفهوم صناعة القرار المؤسسي وتأثير ذلك على بناء رؤية طارئة… فالمعضلة الأساس أن القيادة السياسية في الضفة اعتقدت أن ارتدادات السلوك الإسرائيلي العدواني ستتركز على غزة دون التمدد إلى الضفة، وهذا أيضًا ربما سوء تقدير أو عدم فهم للعقلية الإسرائيلية، رغم أن تصريحات نتنياهو منذ بداية الحرب كانت تضع الكل الفلسطيني أمام معيار العداء ذاته”.
وشدد على أن التباين الذي ظهر ما بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي بالضفة، حيث حاول الشارع أن يكون مختلفًا، ظهر من خلال بعض الوقفات والمسيرات، لكنها لم ترق إلى حالة تنظيمية مستمرة، بل كانت أشبه بردة فعل شعبوية سرعان ما اختفت لعدم وجود الحاضنة التنظيمية أو المؤسساتية، وكذلك غياب القيادات المحركة، وما ساعد على ذلك حملة الاعتقالات الكبيرة التي قام بها الاحتلال بحق ما يزيد على ألف شخصية قيادية وشعبية في الضفة.
وبرأي الباحث السياسي بشارات، فإن المعضلة الأساس تمثلت في أن الموقف السياسي الفلسطيني قام على مبدأ أن رد الفعل الإسرائيلي قد يكون مؤقتًا، وقد تكون هناك حالة احتواء ضمن إطار زمني، اعتقادًا أن التغيير في المزاج العدواني الإسرائيلي يمكن أن يخضع لضغوط من قبل أطراف دولية، ولكن كان هناك قصور واضح في فهم أن المشروع الاستيطاني ليس وليد ردة فعل، وإنما منهجية تقوم على مبدأ الإحلال الكامل، وبالتالي تعزيز الأدوات وانعكاساتها على الأرض، بغض النظر عن الارتباطات الأخرى، ولهذا السبب دفعت إسرائيل باتجاه تسريع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعدوانية في السلوك اليومي.
وحول مستقبل الضفة، رأى بشارات أنه من الواضح أنها ستدفع ثمن سوء القدرة على بناء استراتيجية مواجهة، وليس احتواء للسلوك الإسرائيلي، وأن إضعاف المواطن الفلسطيني تحت عنوان عدم دفع الثمن سيكلفه ثمنًا مضاعفًا في المرحلة المقبلة، وأن حصر التصور السياسي في شكل العلاقة مع الاحتلال في إطار سياسي ضيق يعزز المصالحة السياسية والاقتصادية على حساب المصالح الوطنية، ولهذا السبب بدا من الواضح أن معادلة الضفة ذاهبة باتجاه تفكك في مفهوم القرار الجماعي إلى حالة استنزاف ودفع ثمن ستكون لصالح الاستيطان، بينما سيدفع المواطن الفلسطيني الثمن مضاعفًا.
جهد غير كافٍ واستراتيجية مختلفة
وشدد إبراهيم ربايعة، باحث وأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي، في حديث خاص لـ”القدس العربي”، على أن المساحات الخاصة للفعل السياسي في الضفة كانت محدودة بسبب الاستهداف الواسع للضفة الغربية، وهو أمر كان قائمًا قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر وتعزز مباشرة مع السابع، حيث جرى إغلاق الضفة الغربية وتفعيل حملة اعتقالات واسعة وغير مسبوقة، وحالة استهداف لكل متحرك محتمل للميدان.
وتابع ربايعة: “هذا قاد إلى تجفيف الشارع بشكل كبير، لكن لم تكن هناك فاعلية حقيقية فيما يتصل بسياسات السلطة أولًا، والأحزاب ثانيًا، والحراكات الشعبية ثالثًا.. الجميع كان فاقدًا للفاعلية. بالتالي يمكننا الحديث عن فضاء سياسي مجفف بشكل شامل، وهو ما أثر على الفعل والفاعلية، وهو أمر يؤشر إلى مظاهر التقصير في مستويات الإسناد ودعم الصمود الشامل والحفاظ على الهوية الجمعية”.
ولا يتفق ربايعة مع وجهة النظر التي تقول إن واقع الضفة اليوم، من حيث تجسيد الاستيطان والضم وخنق السلطة، هو تجلٍ لواقع استسلامها وعدم قدرتها على إدارة حراك جماهيري وجبهة صد قوية، وأضاف: “هذا افتراض تلقائي يرى أن المتغير أو الفاعل الفلسطيني هو الحاسم لهذه المعادلة، وبالتالي علينا أن ندرك أن إسرائيل كسرت العتبات بعد السابع من أكتوبر، حيث توفرت لها شرعية الحرب على الفلسطينيين”.
واستدرك ربايعة قائلًا: “هنا علينا أن نتذكر أن إسرائيل كانت لديها استراتيجية قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وهي خطة الحسم، ولكن من دون أن تكون لديها القدرة على الفعل بسبب وجود ردود فعل دولية قوية، أما هذه الأخيرة فقد غابت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وبالتالي تُرك الفلسطيني وحيدًا، فيما انصب الجهد العربي والإقليمي على نقطتين، الأولى منع التهجير من الضفة وغزة، والثانية وقف الإبادة، وهو جهد تجاهل، بفعل طبيعة ترتيب الأولويات، ما يحدث في الضفة، ولاحقًا وبشكل متأخر أفاق الإقليم على واقع الضفة الذي أصبح صعبًا جدًا”.
وحول مستقبل السلطة الفلسطينية ومستقبل الضفة الغربية، رأى الباحث ربايعة أنه محكوم بثلاثة أضلاع رئيسية، الأول هو الطرف الإسرائيلي وتحولاته، والثاني الولايات المتحدة الأمريكية، والثالث الطرف العربي الفلسطيني.
وتابع الباحث: “الطرف الثالث، باعتقادي، لا يضع الجهد الكافي لفرملة الميدان في الضفة على الأقل، وحالة الانتظار والترقب لنتائج الانتخابات الإسرائيلية وكأنها الاستراتيجية الوحيدة، وهي اتُبعت خلال العقود الثلاثة الماضية، ولم تفضِ إلى أي نتيجة. أما الطرف الثاني، وهو الأمريكي، فهو يعرف الضفة على أنها يهودا والسامرة، ويتعامل مع إسرائيل على أنها صغيرة وتستحق القيام بالتمدد في محيطها”.
وحول المطلوب من الفلسطينيين، أكد أنهم مطالبون بسياسة واستراتيجية مختلفتين تمامًا، تبدآن من أسفل إلى أعلى، وتقوم على المواطن كفاعل، وتذهبان إلى تعزيز الصمود بطريقة لا مركزية تبدأ من الريف والقرية ولا تستند فقط إلى المؤسسة الرسمية.
وخلص إلى أن الأولوية اليوم هي الصمود وبقاء الفلسطيني على الأرض.
الجمود السياسي
وخلص الدكتور بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، إلى أن كافة مكونات المشهد السياسي الفلسطيني صعبة في الضفة الغربية. ورأى أن “المسار الذي تم السير فيه من كافة الأطراف هو مسار يمكن اختصاره مجازًا بمسار الجمود السياسي، بمعنى انتظار المتغيرات من ساحة غير ساحة الضفة الغربية”.
وفصل حديثه بالإشارة إلى أن المستوى الرسمي الفلسطيني كان ينتظر المتغيرات من الخارج، وما زال حتى هذه اللحظة ينتظر ذلك، وبالرغم من أهمية المجتمع الدولي والتعويل عليه، فإنه كان من الواضح جدًا أنه حتى هذه اللحظة لا توجد رؤية في كيفية التعامل مع التهديدات التي تنامت في الآونة الأخيرة ووصلت إلى حد إمكانية تقويض كل الحلم الفلسطيني.
أما بالنسبة للحركات الفلسطينية في الضفة الغربية، والحديث للشوبكي، فرأى أن واقعها مأزوم نتاجًا لشبه حالة اجتثاثها من الضفة الغربية على مدار سنوات، وتكثفت خلال الأعوام الثلاثة، وهذا الأمر، برأيه، جعل واقع الحركات والأحزاب السياسية الفلسطينية أيضًا في حالة سبات، لكن جزءًا من الفصائل الفلسطينية أُجبر عليه.
أما فيما يخص “حركة فتح” وبعض التيارات الصغيرة، فقال الشوبكي، وهو محلل سياساتي في “شبكة السياسات الفلسطينية”، إنها ارتأت أن تتماهى مع المؤسسة الرسمية، ولذلك لم نجد تغييرات حقيقية في المشهد فيما يتعلق بالبنية الحركية الفلسطينية.
ورأى الباحث الشوبكي أن أقصى ما حصل خلال السنوات الثلاث الماضية مفاده أن الفلسطيني لم يتعلم مما جرى له من إبادة وتهجير، فهو حتى اللحظة لم يعد إلى الوفاق الوطني الفلسطيني.
وتابع: “المسؤولية والواجب الآن كانا يفرضان على الفلسطيني أن ينحي كل الخلافات الفلسطينية الداخلية، وأن يبدأ بالحديث عن الوفاق، بل يفعل مسألة الوفاق، لكن ما تم حقيقة أن هذا الأمر لم يحصل”.
وشدد الشوبكي على مسألة مفادها أن واقع الضفة الغربية اليوم ليس وليد السنوات الثلاث الماضية، بل هو محصلة طبيعية لعقود عاشتها الضفة الغربية من تغيير الأنماط الاقتصادية بحيث تكون أنماطًا استهلاكية تجعل الفلسطيني يسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم.
وبرأي الشوبكي، فإنه لا يجب أن يتحرج الفلسطيني من القول إن هناك حالة ترويع وخوف في كثير من المناطق، وهو أمر قاد إلى انتشار فكرة الهجرة، وهي أحد مشاهد إقصاء الفلسطينيين.
وختم الشوبكي مداخلته بالتأكيد على أنه في حال بقاء العوامل على ما هي عليه، بمعنى حالة انقسام، وحالة ضمور للحركة الوطنية الفلسطينية، وغياب رؤية جديدة لدى المستوى الرسمي الفلسطيني، واستمرار تغول اليمين في إسرائيل، فسيكون واقع الضفة أكثر سوداوية، “بمعنى تقليص الوجود الفلسطيني في أضيق بقعة جغرافية ممكنة، أما المسألة الثانية، فقد بدأ تحويل الضفة الغربية إلى بيئة طاردة للفلسطينيين..”.
وحول مستقبل السلطة الفلسطينية، فشدد على أن مستقبلها أصبح أكثر وضوحًا، فالخلاف في إسرائيل ليس حول وجود سلطة فلسطينية كبذرة للدولة، وإنما حول وجود السلطة الفلسطينية بشكل مقزم كبلدية كبرى، أم عدم وجودها.
وبرأيه، فإن الغالبية ستكون مع بقاء السلطة الفلسطينية، لكن مع تقزيم هويتها وإشغالها في قضايا خدماتية يومية إلى الحد الذي يمكن أن تكون فيه أشبه بالبلدية. “فهذا هو المنظور الإسرائيلي، أما المجتمع الدولي فيرفض ذلك التصور، لكن من دون أن يكون لهذا الموقف ما يمنع السياسات الإسرائيلية، صحيح أن هناك تطورًا ملحوظًا، لكنه ما زال محدودًا حتى هذه اللحظة”.
التعليقات (0)