من سيكتب التاريخ الحقيقي؟
يقال بأن التاريخ يكتبه الأقوياء والمنتصرون حسب المقاس الذي يخدمهم. ولذلك فإن الموضوعية في هذا في هذا المجال ليست فقط نسبية وإنما شبه غائبة ومغيبة. بالتأكيد فإن التاريخ الذي كتب حتى الآن عن حروب التحرير لم يشارك فيه أولئك الذين كانوا مادته، وأقصد بذلك الشرائح الشعبية في الأرياف والمدن. وهكذا، فإن…
يقال بأن التاريخ يكتبه الأقوياء والمنتصرون حسب المقاس الذي يخدمهم. ولذلك فإن الموضوعية في هذا في هذا المجال ليست فقط نسبية وإنما شبه غائبة ومغيبة. بالتأكيد فإن التاريخ الذي كتب حتى الآن عن حروب التحرير لم يشارك فيه أولئك الذين كانوا مادته، وأقصد بذلك الشرائح الشعبية في الأرياف والمدن. وهكذا، فإن الكتابة الشعبية معدومة، وتطمسها كتابات أولئك الذين كانوا في القيادة حيث نسبوا ولا يزالون ينسبون لأنفسهم كل الأحداث البطولية.
وبهذا الخصوص تذكرت لقائي منذ أكثر من 30 سنة بالسيد الأخضر بن طوبال– وهو أحد مفجري حركة التحرر الوطني الجزائري في عام 1954- وذلك حين قدمته في قاعة الموقار في إطار سلسلة المحاضرات التي ساهم في تنظيمها اتحاد الكتاب الجزائريين من أجل كتابة تاريخ حرب التحرير. بعد انتهاء المحاضرة بأسبوع توجهت إلى منزل الأخضر بن طوبال بعد الاتفاق معه لإجراء حوار مطول حول "مؤتمر الصومام" نشرته فيما بعد بالكامل على صفحات المجاهد الأسبوعي الناطق بالعربية.
حين سألت سي الأخضر عن الدواعي التي حفزته ورفقاءه لإعلان بدء الكفاح المسلح قال لي بما معناه، إنه قد خرج مرة إلى بعض القرى وتحدث إلى الفلاحين حول مدى استعدادهم لخوض غمار المعركة لطرد الاستعمار الفرنسي، فرد عليه واحد منهم قائلا له: "أنتم قد تأخرتم". ويعني هذا أن الموقف الشعبي الوطني كان سباقا، ومهيأ، وناضجا.
وحين طلبت منه أن يحدد لي أسماء الـ"22" الذين حضروا مؤتمر الصومام ابتسم كعادته وقال لي بأن عددهم كان 20 شخصا بالإضافة إلى امرأة كانت تطبخ لنا، وعنزة كنا نشرب حليبها". وكما نرى فلا أحد قام لنصب تمثالين لتلك المرأة، أو لتلك العنزة، فالقضية ليس فيها مزاح، وإنما هي جدية تماما.
إن إقصاء العنصر الشعبي في الكتابات التي تؤرخ لحروب التحرير الوطنية ظاهرة سلبية، وينبغي أن يتم تجاوزها وتصحيحها.
وبهذا الصدد فإن التاريخ الهندي التحرري لا يزال يحتفظ وبصوت عال لـ"غاندي وعنزته" التي ترافقه حيثما ذهب.
وتحكي السجلات التاريخية أن غاندي قد سافرت معه عنزته إلى بريطانيا المستعمرة لبلده إذ ذاك، وحينما وصل إلى المطار بلندن تحلق حوله وحول عنزته عشرات الصحافيين، وفجأة سأله واحد منهم عن رأيه في الديمقراطية، فأشار غاندي بإصبعيه إلى عنزته ثم أجابه قائلا: "إنها فكرة جميلة". بمعنى أن الديمقراطية الحقيقية هي مجرد فكرة، أما الواقع الاستعماري فشيء آخر مناقض كلية لهذه الفكرة.
يقال في السياسة بأن الشيطان يوجد في التفاصيل دائما. وإذا طبقنا هذه الفكرة فإننا نستطيع القول بأن التاريخ يوجد في التفاصيل، أي في تفاصيل مواقف وأفعال المواطنين والمواطنات. فأين هذه التفاصيل فيما كتِبَ حتى الآن من كُتُب، وما أدلي من شهادات حول أحداث حروبنا التحريرية؟
إنه يبدو أن كمشة من القادة تحتكر الثورة والثروة. ففي عام 1984 قمت بزيارة إلى فيتنام وأُخِذت من طرف المسؤوليين الفيتناميين إلى المكان الذي كان يحارب منه هوشي منه، وهو عبارة عن خندق محاط بالأشجار؛ ونحن نستمع إلى شروح المرافقة سمعتها تقول باعتزاز بأن الشاعر والروائي والمسرحي الجزائري كاتب ياسين وأسماء جنود فيتناميين كانوا في ذلك الخندق إلى جانب هوشي منه.
لم تنس تلك المرشدة أي اسم من هؤلاء وفاء لهم، واحتراما للتاريخ وتفاصيله التي تشكله وتمنح له معناه الأصيل.
الجزائر تايمز / أزراج عمر
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)