رياح التغيير تتحوّل إلى عواصف في العالم العربي

مع انتقال حمّى التغيير من بلد عربي إلى آخر، واتخاذها أشكالا لم تكن مألوفة مع بداية موجات التغيير، بات علينا أن نُراجع كلّ حساباتنا، واستراتيجيات التعامل مع هذا الواقع الجديد، فبتونس ومصر، عشنا ملامح ثورة سلمية قادها الشباب، وحرص على توجيهها بالشكل الذي يضمن سلامة ووحدة هذين البلدين العربيين، لكن…

أبريل 25, 2011 - 07:33
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 3.4ك

مع انتقال حمّى التغيير من بلد عربي إلى آخر، واتخاذها أشكالا لم تكن مألوفة مع بداية موجات التغيير، بات علينا أن نُراجع كلّ حساباتنا، واستراتيجيات التعامل مع هذا الواقع الجديد، فبتونس ومصر، عشنا ملامح ثورة سلمية قادها الشباب، وحرص على توجيهها بالشكل الذي يضمن سلامة ووحدة هذين البلدين العربيين، لكن انتقال رياح ما يُسمّى بالتغيير إلى اليمن وليبيا ويوريا، أخذ أشكالا مُغايرة تماما للثورتين التونسية والمصرية، فاليمن بات شبه مُقسم إلى طوائف وقبائل، وشمال وجنوب، وسوريا لم تنفع معها مُهدّئات الإصلاح التي اهتدى إليها الرئيس بشار الأسد، أما بليبيا، فالرياح تحوّلت إلى عواصف، لم تعد تهبُّ بالضرورة من الداخل الليبي، بل من بلدان حلف الناتو، وأمريكا ودويلتي الإمارات وقطر، تُقابلها باحتشام، رياح قادمة من روسيا والصين والبرازيل، والإتحاد الإفريقي.... لم تنفع وللأسف في خلق توازن، يُعيد إلى الطقس الليبي صحْوه واعتداله.

رياح التغيير بالحجم والقوة التي وصلت بها في ليبيا وسوريا واليمن، باتت تُهدّد كيان هذه الدّول برمّتها، وليس الأنظمة فقط، وأكثر من ذلك، وبالنظر إلى المُتحكمين في هُبوبها، فإنه لا يُنتظر أن تهدأ في القريب العاجل، لأن المُحرّك لم يعد داخليا بل اختلط بالخارج، وبالأخص بالجهات التي كانت إلى أمد قريب تستعمر هذه الدُّول، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، المدعومتين بأمريكا وإسرائيل على وجه الخصوص، وأقول ذلك من منطلق أن هذه القوى الخارجية، غضّت الطرف عمّا يحدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بالعديد من الدول الأخرى، وخير دليل على ذلك ما حصل في البحرين وسلطنة عُمان، حيث تواطأت هذه القوى، في كتم صوت شعبيهما، وأيدت بالمُقابل إجراء مجلس التعاون الخليجي وساطة بين السلطة والمُعارضة في اليمن، من أجل إحلال السلام والديموقراطية، في وقت نجد فيه بعض بلدان هذا المجلس لا تعترف حتى بحق المرأة في التصويت، أو سياقة سيارة، وهذا لعمري قمّة المُفارقات والمُغالطات، لأن اليمن ومهما كان، يتمتع بمجالس منتخبة، والمرأة فيه تُشارك حتى في المُظاهرات، وكان من الأولى أن يتوسط اليمن لدى دُويلات الخليج، لإقناعها باحترام حقوق المرأة، وبضرورة اعتماد الإنتخابات في دُويلاتها.

لن أطيل في شرح هذا الجانب من متناقضات التغيير والإصلاح، لأن الحديث سيطول، وما يهمني أكثر، هو استعراض وسائل مُجابهة ركوب القوى الإستعمارية والصليبية، لرياح ورغبات التغيير في العالم العربي والإسلامي، لتحريفها عن مسارها، والدفع بها إلى دكّ أسس وكيانات الدول العربية والإسلامية، وإن لم ينفع ذلك، فتقسيمها وتجزئتها بالشكل الذي يضمن، عدم لعبها لأي دور إقليمي، أو دولي، وهو ما بتنا نراه في تعامل ما يُسمّى بالمجلس الإنتقالي الليبي، الذي نجح –وهو ما يجب الإعتراف به-  في الإنبطاح أمام القوى الإستعمارية والصليبية، وتقديم نفسه، على أنه سيكون الخادم الوفي لمصالحها في المنطقة ككل، ولا أستبعد في هذا المقام، أن تكون أول خطوة وبادرة حسن نية من هذا المجلس، هي الإعتراف بإسرائيل، حتى يقطع الشكّ باليقين، وأكثر من ذلك لا أظنه أي المجلس الإنتقالي، إلا أنه سيعرض على هذه القوى الإستعمارية، تحويل ليبيا إلى قاعدة للإنطلاق في تفتيت باقي الدّول العربية الأخرى وزعزعتها، وعلى رأسها الجزائر، وكلامي هذا لا ينطلق من تخمينات أو تهيُّؤات، وإنما من تصريحات بيادق هذا المجلس ومرتزقته، الذين اتهموا الجزائر بدعم نظام القذافي بالمُرتزقة، والإدعاء بأن هنالك أكثر من 1000 فلسطيني يُحاربون إلى جانب القائد القذافي، فشخصيا أتساءل لمَ ركّز مرتزقة المجلس الإنتقالي على الفلسطينيين والجزائريين في هجومهم هذا؟ والجواب بكل تأكيد لن يكون عسيرا، فاتهام الفلسطينيين يُراد من ورائه طمأنة أمريكا وإسرائيل واللوبي الصهيوني العالمي، بأن ليبيا لو سقطت بأيدي مرتزقة هذا المجلس، سوف لن تُدعم القضية الفلسطينية، بل وستحارب الفلسطينيين، أما بخصوص اتهام الجزائر، فهنا يتوجّب علينا التأمل جيدا، فالجزائر كانت ولا تزال تُمثل بلدا ألحق أكبر هزيمة بفرنسا الإستعمارية إبان الثورة التحريرية المُباركة، وأن فرنسا التي خرجت مطأطأة الرأس من الجزائر، لم تنس هزيمتها هذه، ونيران حقدها على الجزائر لم تهدأ يوما، والمجلس الإنتقالي بهجومه على الجزائر، يبعث برسالة واضحة إلى ساركوزي المعتوه، مؤداها أن ليبيا ستكون قاعدة لقواته وقوات حلفائه في الأطلسي إن هم قرّروا الإعتداء على الجزائر، وما دام أن المُؤامرة باتت مكشوفة للغاية، فيحق لي ولكل الجزائريين الغيورين على بلدهم أن يتساءلوا، عمّا قامت به السلطات عندنا لاستباق تنفيذ هذه المؤامرة، خاصة وأن وسائل وآليات تنفيذها باتت معلومة للخاص والعام، فبرأيي أننا فضّلنا انتظار ما ستخلص إليه المؤامرة في ليبيا، وهذا أكبر خطأ استراتيجي سيُكلّفنا غاليا، لأنه ما دام أن فرنسا تُحضّر لزعزعة الأوضاع عندنا انطلاقا من ليبيا، فيتوجّب علينا أن ننطلق وبسرعة في تمتين جبهتنا الداخلية، ليس فقط بالوعد بإصلاح المنظومة السياسية، وغيرها، وإنما عبر إشراك كلّ المواطنين عبر القوى الفاعلة في المجتمع، والتي ليست هي الأحزاب بالضرورة، إشراكهم في فتح حوار حقيقي حول ما يريده الجزائريون، وحول ماهية الدولة الجزائرية التي يبتغون إقامتها، لأنه لا يُعقل في ظلّ الأزمة أن نفرض رؤى أحادية في التغيير، رؤى يكون مصدرها دائما السلطة وأجهزتها، فبكل تأكيد لو أنّنا نُقدم على مثل هذه الخطوة، سنضمن بكل تأكيد إلتزام كل جزائري، بالدفاع عن بلده، والسعي بقوة من أجل تحقيق رُقيّه وازدهاره، لأنني بصراحة بتّ أكفر بوعود الإصلاح والتغيير التي تأتي من جهات أثبتت أنها هي أصل الدّاء في الجزائر، وقد يقول أحدهم أن فتح مثل هذا الحوار غير مُمكن من الناحية العملية، وأجيبه بأننا يُمكن أن نُحدث الإستثناء، وأنه بإمكاننا التحضير لندوة وطنية شاملة، يحضرها مُمثلو مختلف الشرائح في المجتمع، من المواطنين المخلصين والنُّزهاء، ندوة يكون الهدف منها نشر غسيلنا أولا، واقتراح الحلول لمشاكلنا، وتمهيد الطريق للإنطلاق نحو التغيير، لأن الجميع يعلم بأن وصفات التغيير والإصلاح التي ستُقدّمها الأحزاب لن تعكس آمال وطموحات الشعب الجزائري، وأتمنى أن نصل بكل ذلك إلى تقوية مناعتنا، لمُواجهة سيل المؤامرات التي تتربص بنا، ولنضمن تحوّل الجزائر نحو الأفضل، بعيدا عن العنف وإراقة الدماء، وبعيدا عن أية تدخلات أجنبية.

وبالرجوع إلى الجارة ليبيا، أجدّد التأكيد، بأن أي تغيير يُوصل مُرتزقة المجلس الوطني الإنتقالي إلى التحكم في السُّلطة، أو يُمكّنهم من تقسيم ليبيا، سيُعيد الليبيين إلى الوراء لعقود وعقود من الزّمن، وسيُحوّلهم إلى عبيد لفرنسا وحُلفائها من القوى الإستعمارية الصليبية، وهذا ما لا نرتضيه لأشقائنا الليبيين. 


 

 


الجزائر تايمز / جمال الدين حبيبي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User