الثورة الشبابية العربية و نظرية المؤامرة بين المشرق و المغرب

تعرف الساحة العربية منذ مطلع سنة 2011 تحولات عميقة على المستوى الفكري بين مكونات المجتمع العربي، و قد ترجمت تلك التحولات بواسطة ثورات مباغتة و قوية هزت أركان البيت القديم من جذوره في مجموعة من الأقطار العربية، ولا زال الزحف مستمرا و الدعوة إلى الطلاق مع سلبيات الماضي لا تستثني أي قطر من الأقطار…

مايو 16, 2011 - 04:00
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 2.9ك

تعرف الساحة العربية  منذ مطلع سنة  2011 تحولات عميقة على المستوى الفكري بين مكونات المجتمع العربي، و قد ترجمت تلك التحولات  بواسطة ثورات مباغتة و قوية هزت أركان البيت القديم  من جذوره في مجموعة من الأقطار العربية، ولا زال الزحف مستمرا و الدعوة إلى الطلاق مع سلبيات الماضي لا تستثني أي قطر من الأقطار، رغم اختلاف تلك الهزات  هنا و هناك ، وذلك حسب قدر الفساد  المراد اقتلاعه. 

 

خرج الشباب العربي إذن من رحم الواقع المعاش، وليس من خيال الصور الجميلة، الزائفة التي تحاول الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة عبرها، إخفاء ما لم يعد يخفى و لا يحتمل داخل مجتمعاتها. أما الأنظمة الفاسدة التي تحاول الوقوف في وجه التيار، لعلها تتمكن من وقف  انجرافها، أو على الأقل تأخيره، فإنها لا زالت تستعمل نفس السلاح الذي استعملته سابقا قصد فرض سيطرتها على الشعوب، ونهب خيراتها و تمزيق صفوفها و زرع الفتنة و الشقاق  بين مكونات الشارع العربي: إنها لا زالت تعول على نظرية المؤامرة و العدو الخارجي من أجل استغفال الشعب و استحماره.

 

من أجل الفهم الدقيق للصراع العربي العربي، سواء بين الأنظمة و الأنظمة أو بين تلك الأنظمة و شعوبها، فلابد للرجوع قليلا إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث تشكل الصراع العربي الداخلي، بين نوعين من الأنظمة أساسا. أنظمة ملكية  تدور في ركب المعسكر الغربي الذي تتزعمه أمريكا، و أنظمة جمهورية و جماهيرية تتبع المعسكر الشرقي الذي تزعمه الإتحاد السوفياتي.

 

لقد كانت فلسفة هذا الصراع مبنية على نظرية المؤامرة، بحيث كانت الأنظمة الاشتراكية و الشيوعية السابقة مثل الجزائر و ليبيا و مصر و سوريا و اليمن و العراق تتهم الأنظمة الملكية القائمة إلى يومنا هذا بالرجعية و التخلف و الخيانة و غيرها من التهم التي كانت تصرف عليها الآلة الإعلامية لهذه الدول الاشتراكية الأموال الطائلة، من أجل صنع العدو الافتراضي على المستوى  الإقليمي  و القومي. هكذا نرى أن جل الدول العربية التقدمية بين قوسين، قد قامت أساسا إثر الانقلاب على النظام الملكي، في مصر و سوريا و العراق و اليمن و ليبيا.

كما لجأت ، من أجل تحقيق ذلك، إلى دعم المعارضة و استضافتها، و كذلك إلى خلق حركات انفصالية ومدها بالمال و السلاح و الرجال حتى تتمكن من زعزعة الكيانات غير المرغوبة.

 

بعد ما يزيد عن خمسين سنة من الصراع العربي العربي، جاءت النتائج كارثية و مخزية، سواء على المستوى الفكري، أو المستوى السياسي و الاقتصادي:

 

* فالأنظمة التقدمية ( حسب الشعارات المرفوعة) ، و التي حاربت الأنظمة الملكية( الرجعية حسب التهم الموجهة إليها) بكل ما أوتيت من قوة، صنعت لنفسها ملكيات خاصة بها، فكان لها السبق في خلق نظام سياسي فريد من نوعه: فلا هو بالنظام الملكي و لا بالنظام الجمهوري.

 

* قضية فلسطين، القضية الأولى للعرب، والتي يا ما ركب عليها الدجالون، و المخادعون من أجل تصفية الحسابات العربية العربية، لم تراوح مكانها ، و الشعب الفلسطيني بقي هو الوحيد الذي يدفع  ثمن النفاق و الشقاق، بل هناك من الأنظمة سواء في المشرق أو المغرب من صنعت لنفسها، قضايا إستراتيجية أخرى ، هي أولى من قضية فلسطين، كما هو حال قضية الصحراء الغربية بالنسبة للنظام الجزائري.

 

* حالة اجتماعية و اقتصادية و حقوقية مزرية داخل الوطن العربي، وخاصة داخل الدول التقدمية سابقا، رغم ما تملكه من خيرات طبيعية و على رأسها البترول، مقابل حالة حقوقية مزرية داخل مملكات دول الخليج، رغم المستوى الجيد نسبيا للمعيشة داخلها.

 

* حالة من عدم الاستقرار السياسي داخل الأنظمة الجمهورية، مقابل استقرار نسبي داخل الأنظمة الملكية.

 

* علاقات عربية عربية جد متوثرة، تفتقد للثقة و الرغبة الحقيقية في تجاوز الخلافات، و فك الحدود و الإنصات لضمير الشعوب و رغبتها الجامحة في الوحدة و التكامل.

 

هذه بعض النتائج المتمخضة عما يزيد عن نصف قرن من السياسات القائمة على الفتنة و السرقة و النهب و اغتصاب السلطة، و هي نفس النتائج التي دفعت الشباب العربي للقيام بثورته المباركة، بعيدا عن كل المغالطات و التهم الجاهزة له بالعمالة للأجنبي.

و في خضم هذه الانتفاضات الشبابية، لا زالت هناك من الأنظمة البالية، المتسلطة من لا زالت لم تستهلك بعد خطاباتها الزائفة، الكاذبة  حول الدوافع الحقيقية لهذا الحراك الشعبي، و لا زالت مستمرة في تجنيد المزيد من الأبواق التي تنهق هنا و هناك، لعلها تزرع الشك و الريبة في نفوس الشباب، وتثنيهم عن المضي قدما نحو الهدف الذي سطروه، ولن يحيدوا عنه أبدا.

ليس غريبا أن نجد الأنظمة الفاسدة ، اليوم تتكاثف فيما بينها و تتضامن من أجل البقاء، مستعملة في ذلك أشر الأسلحة و أفتكها، و لا يهمها أبدا موت المئات، و لعل خير دليل على ذلك أوجه التضامن الحاصل بين الأنظمة في الجزائر و ليبيا و سوريا و اليمن ، و ادعائها الباطل و الماكر بأن ما يجري ، إنما هو  تحريك من طرف الامبريالية و الصهيونية و الاستعمار، و يبقى هذه الإدعاءات نفسها إنقاص من شعوبها التي بلغ الصبر منها  ما لم يعد معه الصبر ممكنا.

 

قد تكون الأنظمة الملكية في الوطن العربي قد فهمت الدرس جيدا و استوعبته، و رأت أن التضامن فيما بينها، يجب أن يكون على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي،بدل خيار التضامن و التكافل القمعي الذي اختارته الأنظمة الجمهورية التي تتعرض للثورات الشعبية حاليا.

 

إن الادعاء بأن دعوة مجلس التعاون الخليجي للمملكتين المتبقيتين خارجه للانضمام إليه،( و اقصد بذلك المملكة المغربية التي عرض عليها الانضمام، و المملكة الأردنية المستجاب لطلبها بالانضمام) هي مؤامرة في حق التضامن العربي و الوحدة العربية و المغرب العربي إلخ إلخ، إنما هو مجرد ادعاء باطل لا يستند إلى واقع و لا إلى منطق، و ذلك للأسباب التالية:

 

* أن الثورة الشبابية في الوطن العربي لم تتثني أي قطر من الأقطار، و أن حدتها وحدها تختلف من مكان لمكان، حسب الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية لكل قطر، فأشد الأنظمة سقوطا، أشدها خبثا على شعوبها قبل غيرها.

 

* ليس هناك أي اتحاد قومي أو إقليمي يخاف عليه، أما الشعارات الكاذبة فلم تعد الشعوب تنتظر منها خيرا و لا تبني عليها أملا.  فأين هو اتحاد المغرب العربي الذي أجهز على الأمل في تحقيقه، النظام الجزائري يوم اختلق المشكل الصحراوي مع جيراننا المغاربة ؟  و حتى الانضمام المرتقب للمملكة المغربية لمجلس التعاون الخليجي، قد صرح بعض المسئولون الجزائريون بأن خطورته تتجلى على القضية الصحراوية و ليس على اتحاد المغرب العربي. و قد وصف البعض منهم هذه الخطوة صراحة بأنها مؤامرة على الجزائر، و هذا هو الخبل بعينه حقيقة.

 


* الإدعاء أيضا بأن انضمام المملكة المغربية و الأردنية لمجلس التعاون الخليجي ،يشكل خطرا على دول الممانعة العربية، هو وهم و تخريف. فهل بقي أحد طول الوطن العربي و عرضه يصدق بأن هناك فعلا دول ممانعة في الوطن العربي ؟ لقد كشف وكيليكس النقاب عن كل الفضائح، و عن العلاقات الوطيدة بين إسرائيل و أنظمة الممانعة المزعومة.

 

 

و أخيرا لابد من الاعتراف بأن ما تتعرض له الأنظمة الجمهورية و الجماهيرية في الوطن العربي من زلازل قوية ، أكثر من غيرها من الأنظمة  الأخرى إنما هو بسبب أن الأنظمة الجمهورية داخل الوطن العربي هي الأكثر فسادا و مرضا، كما أنها بعيدة كل البعد من أن ينصلح حالها عن طريق غير طريق الاجتثاث. ليس هناك عدو خارجي و لا إقليمي  أكثر خطرا و لا مكرا من تلك الأنظمة نفسها.

 

 

 

 

الجزائر تايمز / جمال أحمد

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User