مفاوضات الجزائر مع فرنسا تفشل مشروع إنشاء اتحاد جزائري مغربي
كانت العلاقات الجزائرية التونسية و المغرب معمقة إيمانا منهم بوحدة مصير أقطار المغرب العربي الثلاثة، و تنمية هذه العلاقات على أساس الثقة و الاحترام المتبادلة و التفاهم الأخوي، و كانت هذه العلاقات قد زادت ثباتا و ترسيخا في مؤتمر وزراء خارجية المغرب العربي المعقد في 14 فيفري 1963 فيما يخص طرق ووسائل…
كانت العلاقات الجزائرية التونسية و المغرب معمقة إيمانا منهم بوحدة مصير أقطار المغرب العربي الثلاثة، و تنمية هذه العلاقات على أساس الثقة و الاحترام المتبادلة و التفاهم الأخوي، و كانت هذه العلاقات قد زادت ثباتا و ترسيخا في مؤتمر وزراء خارجية المغرب العربي المعقد في 14 فيفري 1963 فيما يخص طرق ووسائل التعاون و تنسيق مخططات التنمية، لكن و رياح عصفت بشعوب المغرب العربي فتشتت وحدتها لأسباب كشفها الملك الحسن الثاني في مذكراته التي نشرها عن مطبعة القصر الملكي بالرباط بعنوان "انبعاث أمة"
مجمل هذه الرسائل بعث بها الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الجزائري أحمد بن بلة و رؤساء و حكومات دول أخرى عبر فيها الملك الحسن الثاني عن رغبته في التعاون المثمر مع الشعب الجزائري من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي، و عملا بوصية والد الملك محمد الخامس، و في الوقت نفسه يكشف أسباب تلاشي فكرة إنشاء اتحاد جزائري مغربي، و كان هذا الأخير قد اعترف في رسالة خطية موجودة إلى اليوم بوثائق وزارة الخارجية بعدم المساس بمصالح و حقوق المغرب في أراضيه التي يطالب بها بما في ذلك مدينة تندوف، و من ثم أرسل الحسن الثاني موفدا إلى الحكومة الجزائرية يمثله و هو وزير خارجيته الحاج بلافريج، يرافقه عبد الهادي بوطالب كاتب دولته في الأنباء و الشبيبة و الرياضة، لإصلاح ذات البين و تقريب وجهات النظر، لإزاحة الأزمة التي وصفها بالعابرة، و كان رد بن بلة في رسالة خاصة بعث بها بتاريخ 04 فيفري 1963 يوضح فيها أنه من التجنيّ على الواقع أن تتحول المشاكل الطارئة إلى خلافات، معبرا عن إيمانه العميق بأن هذه المشاكل ستسوى إذا ما نوقشت على أساس الصراحة و الواقعية و التفاهم .
ففي زيارة له إلى أرض الجزائر في 13 مارس 1963 قال الحسن الثاني قولته الشهيرة: " إن الذي يجمعنا اليوم ليس الجوار الجغرافي فقط، بل روابط الدم و اللحم و اللغة و السيادة ، و فوق كل هذا تجمعنا آلام مشتركة ضحينا جميعا من أجلها، و كان للجزائر الشقيقة الحظ الأوفر لتحملها" ، معبرا بقوله أيضا: " إن الجزائر شعبا و حكومة مطمئنة من نيات شقيقتها المغرب و حسن استعداده لمساعدتها"، كانت هذه الزيارة التي أبرم فيها الطرفان اتفاقية توحيد السياسة الاقتصادية و توجيه السياسة الخارجية و برامج التخطيط كيفما كانت، أهدى فيها الملك الحسن الثاني إلى الجزائر معدات و أسلحة سلمها وقتذاك إلى وزير الدفاع هواري بومدين.
مفاوضات الجزائر مع فرنسا تفشل مشروع إنشاء اتحاد جزائري مغربي
تزامن مجيء الحسن الثاني مع المفاوضات التي كانت تجريها الحكومة الجزائرية مع فرنسا للخروج من الأزمة و بالتالي التوصل إلى اتفاقية أيفيان، و هو ما أثار غضب المغرب كون المفاوضات كانت تُعْقَدُ سِرًّا دون إشراك المغرب فيها، وهي التي كانت تمدُّ الجيش الجزائري بالسلاح و تؤيدها في نضالها، فضلا عن تعرض أراضيها للهلاك بسبب القواعد الفرنسية و الأمريكية التي كانت تقوم فوق ألأراضي المغربية، و رغم هذا الحصار كانت المغرب تدعم الجزائر بالأسلحة الروسية و على الأخص الطائرات العمودية من نوع - ميك- التي تم تركيبها في مدينة مكناس، حيث كان الخبراء الروس يقومون بتدريب الجزائريين على استعمالها، وقد برزت فكرة تقسيم الجزائر اثر المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاقيات ايفيان، فكان اقتراح الملك الحسن الثاني - حسبما جاء في رسائله- ، إنشاء اتحاد جزائري مغربي ، أو إبرام اتفاق يقوم على أساس تأييد المغرب للكيان الجزائري شريطة ألا يتخلى المغرب عن مطالبه و حقوقه في اقتطاع جزء من الأراضي الجزائرية، و من هنا تلاشت فكرة إنشاء الإتحاد ، و لم يبق إلا الاتفاق الذي أعلنته الحكومة المغربية.
جاء في نص الاتفاقية الموقعة من طرف الحسن الثاني و فرحات عباس في 06 جويلية 1961 بالرباط مايلي: (...و احتراما لروح مؤتمر طنجة المنعقد في أفريل 1985 و ارتباطا مطلقا بميثاق مؤتمر الدار البيضاء، فإن الحكومتين قررتا تشييد وحدة المغرب العربي على أساس من التعاون الأخوي و مساندة الشعب الجزائري و تأييده بدون تحفظ للحكومة الجزائرية المؤقتة في مفاوضتها مع فرنسا على أساس وحدة التراب الجزائري، و تعارض بكل قوة كل محاولة لتقسيم أو اقتطاع جزء من التراب الجزائري...الخ..)، و لهذا الغرض قررت الحكومتين إنشاء "لجنة مغربية جزائرية" لحل هذه المشكلة، ومن جهته أعلن أحمد بن بلة عندما تولى زمام الأمور احترامه لجميع الاتفاقيات التي وقعتها حكومة الجزائر المؤقتة، و لكن بعد الاستقلال برزت خلافات حينها رفضت المغرب التدخل في الشأن الداخلي للجزائر.
بن بلة فتح شهية المغرب لإستلائها على تندوف و اتهم كريم بلقاسم بالتواطؤ مع الحسن الثاني
و يبدو من خلال هذه الوثائق الرسمية أن طمع أو رغبة المغرب في اقتطاع جزء من الأراضي الجزائرية جاء بموافقة أحمد بن بلة، من خلال المحادثات التي جرت بين الحسن الثاني و أحمد بن بلة عندما زار هذا الأخير الجزائر ليبحث قضية الحدود ( تندوف)، فطلب بن بلة من الحسن الثاني إمهاله بعض الوقت حتى يتسنى له إقامة المؤسسات الجزائرية و يتولى زمام الأمور و يأخذ في قبضة الحزب و المعارضة، و وعده أن ذلك يستغرق أشهر قليلة جدا ،مشيرا في ذلك إلى شهر سبتمبر من نفس السنة، في هذا الشهر انفجرت قضية الحركة الانفصالية بالقبائل، اتهم فيها أحمد بن بلة كريم بلقاسم بالتواطؤ مع المغرب، مدعما اتهامه أن كريم بلقاسم كان متواجدا بمدينة طنجة، في الوقت الذي بدأت فيه تحركات القوات المغربية تظهر بقوة على طول الحدود..
و هنا يصرح الملك المغربي الحسن الثاني أن اتهام بن بلة كريم بلقاسم بالتواطؤ مع المغرب في تحريضه على دعم فكرة الانفصال في الجزائر اتهام باطل، بدليل أن كريم بلقاسم لم يكن متواجدا بمدينة طنجة، و أنه تسلم في ذلك الوقت شخصيا يدًا ليدٍ أمرًا من طرف الحكومة السويسرية يحرم عليه مزاولة كل نشاط سياسي، و ما كان بوسع كريم بلقاسم أن يكون موجودا في طنجة و سويسرا في آن واحد، يضيف الحسن الثاني بالقول في رسالته ، أنه ليس على السفارة الجزائرية بالمغرب أن تعطي الدليل على رؤية كريم بلقاسم من قريب أو من بعيد بمدينة طنجة، و أن سبب الاتهام أن شخصا جزائريا اسمه عبد الكريم مر بطائرة كرافيل و ناداه صحفيان من أصدقائه بلقب كريم، أما الحديث الثاني الذي استدل به بن بلة على زعمه مساندة المغرب للثورة في جبال القبائل فهو حشد القوات المغربية على الحدود فهذا قرار اتخذه المغرب بإلغاء نظام المناطق العسكرية و إبداله بمناطق جغرافية، قسمت على إثرها المغرب إلى ثلاث مناطق: ( ساحلية، جبلية و صحراوية).
حادثة حاسي البيضاء زادت من تعفن العلاقات الجزائرية المغربية
هذه الاتهامات كانت بداية لمرحة التوتر بين البلدين الشقيقين، فكان على الحسن الثاني أن يكلف سفيره بالجزائر محمد عواد و تحدث مع بن بلة ، لكن هذا ألخير رد عليه بلهجة حادة مرددا عبارة: ( لم ينشف الحبر الذي كتبت بيه بعد)، كما آثر بن بلة تسوية مشاكل القنصلية فقط و ليس التباحث معه في الخلاف حول الحدود، و حسب مذكرات الحسن الثاني، فالخلافات بين المغرب و الجزائر بدأت بعد المذابح التي وقعت في حادثة الهجوم على حاسي البيضاء بصفة مفاجئة في الحادية عشر نهارا انتهت بمذابح مؤلمة في كل من حاسي البيضاء و تندوف، لأن المغرب ظل يعتقد أن هاتان المنطقتان جزء من أراضيه و من هنا بدأت فكرة المغرب في استرجاع أراضيها و بخاصة تندوف ..
لغز "البرقية" بن بلة وحده الذي يجيب عنه بعد رحيل الحسن الثاني
أسئلة كثيرة تطرح اليوم حول رفض أحمد بن بلة الرد على "البرقية" التي أرسلها الملك المغربي الحسن الثاني أثناء الهجوم الذي وقع على مدينة (إيش) المغربية ليلفت انتباهه حول ما يترتب عنه من نتائج، و ماذا جاء في هذه البرقية؟، فالانسداد بين الجزائر و المغرب بسبب الحدود اضطرت الظروف آذناك تدخل "الوساطة"، فقد حاول هيلاسلاسى إمبراطور الحبشة القيام بوساطة البث في النقط بكيفية جغرافية، و كان المغرب قد اقترح أن يلتقي الطرفان في الجزيرة الخضراء، أو مالقة، أو مدريد أو أشبيلية، و لكن الرئيس الجزائر أحمد بن بلة فضل التوجه إلى سويسرا أو البلدان السكينديفانية، و بالتالي لم يقدم الإمبراطور أي اقتراح و فشلت كل المساعي.
الجزائر تايمز / علجية عيش
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)