النكسة !!

خرجوا ... مطأطئي الرؤوس.. دون أن ينبس أحد بكلمة...رجعوا فرادى صامتين...وقد وفدوا مجتمعين مهللين مكبرين.....انصرفوا.... في صمت جنائزي رهيب..... انتهى العرض...أسدل الستار.. تفرّق الجمع... انفرط العقد.... عجز عن الصمود أمام قوة سحب ..انقطع الخيط الهش...الذي كان يصل بالكاد بين حباته…

يونيو 09, 2011 - 12:06
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 1.5ك

 خرجوا ... مطأطئي الرؤوس.. دون أن ينبس أحد بكلمة...رجعوا فرادى صامتين...وقد وفدوا مجتمعين مهللين مكبرين.....انصرفوا.... في صمت جنائزي رهيب.....

 

انتهى العرض...أسدل الستار.. تفرّق الجمع...

 

انفرط العقد.... عجز عن الصمود أمام  قوة سحب  ..انقطع الخيط  الهش...الذي كان يصل بالكاد بين حباته ....انفصلت الحبات.. تطايرت....تبعثرت على الأرض.

 

انهار البناء....لم  يقاوم ضغطا... تساقطت حجارته...خدعه الاسمنت المغشوش الذي كان يصنع  تماسكه..

 

حرارة الدمع أذابت الجليد الذي كان يلف قلوبا شتى.. فتبدو للناظر من الخارج  جميعا...

 

حزنت النفوس....دمعت الأعين....اغتيل الفرح ... أجهض الأمل... أقيم مأتم..وأعلن  الحداد في القلوب. .

 

شخصت الأبصار....كُتمت الأنفاس..... تبادلت النظرات المنكسرة التعازي في صمت  ..

 

لقد  خسرنا الرهان..ومعه  خسرنا كل شيء.... لم يبق لنا شيء... اسودّت الدنيا......جمعت  مظاهر الزينة...كسرت المزامير و الطبول...... مزقت الصحف و اللافتات.... ....اختفت المهرجانات... ... نزعت أثواب العرس.. صودرت الابتسامات........نكست الرؤوس والرايات...سكتت التهاليل  و الهتافات...أخرس صوت الأهازيج و المدائح الدينية و الأناشيد الوطنية الحماسية..... استبدلت الزغاريد  بالآهات....والألحان  بالأنات..... ألغيت الأفراح و الاحتفالات.....

 

يبست العروق....تصبب عرق بارد من الجبهات... تلبدت السماء....مادت الأرض....انطفأ قرص الشمس....تدحرجت الأحلام.....سمع نعيق الغربان....  

الطرقات فارغة....المسالك مقفرة....يخيم عليها صمت  رهيب من نوع  خاص......صمت مدافن...

الأنظار شاخصة... الألوان باهتة ... الألحان حزينة  ....والوجوه واجمة......الخطوات متثاقلة...تحسب الناس سكارى   و ما هم بسكارى.....لكن الضربة قاسية  قصمت الظهور... الصدمة  عنيفة  .. والإحباط شديد.....

 

لماذا خذلتنا الفرحة وقد كانت على قيد أنملة ؟   كانت  وشيكة... كنا   نشتم رائحتها.. نكاد نلمسها.......نكاد نجزم أننا نراها..

 

لقد خسرنا المعركة المقدسة....و لم يأتنا النصر الذي وعدنا به منذ الأزل...

معركة تحمس لها المخلصون من المحيط إلى الخليج....

كانت ستسلم لنا بعدها النياشين و الهدايا و يغدق فيها العطاء...

معركة أردناها مباركة

معركة ضد قوى الظلم و الطغيان ..التي ضربت وحدة أمتنا.. سلبت حقوقنا و انتهكت حرماتنا و دنست مقدساتنا...

معركة نثأر فيها  من جلادينا  ... نمرغ رؤوسهم في التراب...نقطع دابرهم...نخسف بهم الأرض....نشل أياديهم القذرة إلى الأبد..... 

التفت حولنا القلوب و تبعتنا   الدعوات ...

اقترب الفتح المبين......

استجابت السماء أو كادت.....

أعددنا العدة ... لنتشفّى... و لنفرح....

 

ثم باغتتنا  الرماح...فصرعتنا !!

 

ما بال السماء  تنقلب  علينا.....رغم إخلاصنا النية...لماذا سحبت تحالفها معنا  في آخر لحظة...رغم وعودها ؟

 

لماذا   يضن  علبنا   القدر بنشوة فرح......فرحة واحدة  ... نعم.... فرحة   صغيرة واحدة... تغذينا...تروينا.....تشرق في سمائنا....تدفئ قلوبنا...تبدد   ظلمة  الحزن المتواصل الذي يطبع أيامنا .. و تسكت صوت النحيب  الذي يسكننا...

 

أردنا أن نفرح قليلا ....فهل أخطأنا…هل ظلمنا ؟ !!

 

توسلنا إلى السماء....تضرعنا إلى الله.. بحق دماء زكية طاهرة   تدفقت بسخاء لتروي هذه الأرض...أن ينصرنا...أن يمنّ علينا  بفرحة...

نحتاج أن نفرح....نعم أن نفرح.....فرحة صغيرة واحدة تجمعنا...تلم شتاتنا.....تقارب بين اتجاهاتنا.. ....توحد قلوبنا و رؤانا...و لو إلى حين...

فرحة صغيرة واحدة ينسينا مذاقها الحلو طعم العلقم الذي ألفنا و لم نألفه.....و تحجب   عنّا مسرح مآسينا و لو للحظات....

 

إنّ الأعداء لا يفوقوننا عددا ولا عدّة...ومثلهم... أخذنا  بالأسباب ...

 ثم إنّ   قضيتنا أعدل ونوايانا أنبل.....و قلوبنا أطهر.... و  الحبل بيننا وبين  السماء  موصول....فكيف نخاف أو نحزن  و نحن  على يقين  بأننا الأعلىن ...  مادمنا  مؤمنين ؟ !!

 

ما يبكينا؟

سبب نحيبنا... هو أننا  لم نفهم سببا...ولا أدركنا حكمة......لم نهضم الهزيمة !!

 

لكن ....  لنرجع  إلى  ديارنا الآن.. . لنستتر... و لنواصل بكاءنا   بكرامة و كبرياء...

 

فحزننا اليوم  أكبر منا... أسبابه لا تشغلنا.. نتائجه و إسقاطاته لا تخيفنا...فهي مألوفة   لدينا.

 

و.. في الواقع... ربْح الحرب لم يكن يعنينا...بل... في حقيقة الأمر ... هو  لم يراودنا يوما ... لم يكن  يغرينا.... 

لسنا  حمقى......لم تغب عقولنا....فنحن قوم نعرف قدرنا و حدودنا.. ....كنا  فقط ..  نتظاهر..نتجمّل ..نستعرض قوتنا لنرهب بها العدو.. فربما  يصدّق استعراضنا...فيخاف  و يضعف.....كنا نتحايل على الزمان ... ربما ينخدع فينا... ربما ينشغل عنا...أو يتكرم فيجود علينا بربح معركة.. . بفوز واحد.... فوز أردنا أن نستغفل الأقدار.. نباغتها... ونسرقه منها.....كنا نظن أن الأقدار رحيمة بنا ...متفهمة...مسامحة !!

 

نحن لم  نرِدْ شرا.... كنا نريد فقط  أن نربح معركة... معركة صغيرة...أو شوطا ...شوطا صغيرا من معركة...كنا نريد أن  تمنحنا الهزائم و الانكسارات هدنة...هدنة وجيزة  تكفينا...نلتقط فيها نفَسا... ..نكفكف دمعا...نضمّد جرحا...نبلّ ريقنا بجرعة ماء..... نتزوّد....قبل أن نتصدى بصدورنا.... لسلسلة  المآسي و الهزائم اللاحقة !!

 

دعنا من ذلك الآن... الوقت الآن   ليس للاستيعاب و الفهم.....نحتاج أن  نغيب قليلا عن   الوعي....أن ننسى.. . وماذا نملك  سوى النسيان؟.... نعم أن ننسى...أن نمسح النكسة و نمحو آثار الانكسار .. .من ذاكرتنا !!

غدا أمر..أما الليلة ... فلنعصر أحزاننا وخيبتنا  المختمرة... ولنحتسها... لنسكر بها......لِننتش  بأحزاننا......فإنّ من الآلام  ما  يسكر....و لنستسلمْ بعد ذلك للسبات....... لنخلدْ لنوم عميق......فلا  شيء غير الشرب حتى  الثمالة يمكنه أن يمتصّ أحزاننا....و لا شيء  مثل النوم  قادر على  حجب آلامنا...

 فمصابنا  جلل...لا نملك أن نواجهه الآن... .فلنكِلْه للأيام......بل.... لليالي الطوال!!

 

ماذا حدث؟

 

طلَّقَنا الفرح....أتعبناه  فتنصَّل منا .. أغضبناه ففرّ منّأ.....كره أن يقيم بيننا ..كره أن يغشانا  ولو عابر سبيل.....نفر من طريقتنا في استقباله....أُجّلت الأفراح ... لن تحلّ بيننا قبل أن  نتعلم طقوسها و نتمرّس على فنونها... و نتحضّر لاستقبالها ...لكن...يكفينا أنّ الطلاق رجعي!!

 

الآن  فقط  تكشّف لنا أن الفرح  فن .... لم  نُجِدْه يوما.....فلبِسَنا   الحزن .. و لازمنا....

 

فالحزن  ليس من طبعه الانتقاء.. الحزن  لا يختار أين يقيم....يعبر النفوس...يسحقها...و يجتاز القلوب...يكسّرها.. .الحزن لا يستأذن ولا  يشترط  ... الحزن لا يأبه   لطقوس الاستقبال  ..

 

رجعنا من ساحة الوغى نجرّ ذيول الخيبة......    انكسرنا..... انهزمنا أمام الأعداء.... خذلنا حلفاءنا ومريدينا......حوّلْنا النصر  الذي وعدناهم إلى سراب.... و صيّرنا صروح الأمل ,التي شيدناها  لهم على  رمل, ركاما....أطفأنا شموع الفرح  داخل نفوس المناصرين....... أخمدنا الشعلة و جعلناها رمادا.....

 

لقد خسرنا المباراة ...مباراة في لعبة كرة القدم... فلم نهزم أمريكا...!!



 

الجزائر تايمز / منى المالكي الجزائر

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User