ما الذي تبقى من القاهرة في القاهرة بعد الثورة؟

صارت مصر تثير في قلبي الكمد كل ما عدت إليها. لا شيء يدعو للفرح, والأمل ماذا عن الأمل؟! تتراكض الأخبار, والمخاوف معها وصفارات الإنذار والحريق والإسعاف والشرطة والأصوات المريبة التي تتعالى من حين لآخر هنا وهناك مضيفة إلى ضوضاء المدينة وضجيجها والرعب المستتر في زوايا الليل والنهار. فالحياة…

يونيو 25, 2011 - 20:12
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 2.2ك

صارت مصر تثير في قلبي الكمد كل ما عدت إليها. لا شيء يدعو للفرح, والأمل ماذا عن الأمل؟!

تتراكض الأخبار, والمخاوف معها وصفارات الإنذار والحريق والإسعاف والشرطة والأصوات المريبة التي تتعالى من حين لآخر هنا وهناك مضيفة إلى ضوضاء المدينة وضجيجها والرعب المستتر في زوايا الليل والنهار.

فالحياة العادية لم تعد عادية. تفكر عدة مرات قبل اختيار الشارع الذي ستسلكه والمنطقة التي تود الذهاب إليها أو حتى رؤية المعارف والأصدقاء، فالمفاجآت غير السارة وارده حتى حدود باب بيتك. وكأن الزمان غير الزمان والمكان لم يعد سوى أطلال ما كان يشبهه.

كلام كثير يفوق حدود الثرثرة, ووجوه لم تكن مألوفة وأصبحت: لجنرالات ووجوه دينية ومستشارين وشخوص يتحدثون في كل شيء، ووجوه أخرى مكررة تتسيد الشاشات والمقالات والتصريحات والأخبار. وتشم في الهواء أرواح من ماتوا مجهولين ومعروفين على أرض المعركة. وترى كل يوم غبار تلك المعركة في رصيف مهدم أو مبنى محترق أو أسوار مكسرة أو حفر لم تردم بعد. وترى بوابات الحديد على المحلات في الشوارع وفي كثير من البيوت التي رمت بالخشب وجاءت بالفولاذ عله يحميها. والحرائق التي تشتعل دون سابق إنذار في عمارتك أو عمارة جارك أو المقهى أو حديقة الحيوانات أو المستشفى، وبالطبع في الكنائس وأضرحة الأولياء والمدارس. حرائق لا تعرف من أشعلها ولماذا وكيف, فقط, عليك أن تقنع أنها لم تشب في جسدك بعد!

تدخل المحلات، فتجد الكثير من الأرفف الفارغة وتنظر الأسعار فتجد أنها تضاعفت أضعاف ضعفها، وتسأل لماذا؟ فيكون الرد لعدم توفر البضائع. تبحث عن السجائر فلا تجد ويكون الرد أنها تأتي مرة واحدة في الأسبوع ولا يمكن بيع أكثر من علبة. تذهب إلى محلات الملابس فلا تجد سوى بقايا الصيني لأن مصانع النسيج لا تعمل هذه الأيام. تتصل من الهاتف الأرضي فتجد أصوات تداخلت وتفتح الإنترنت فتجده بطيئا فوق درجة البطء المحتمل. تتحدث مع الشباب فتجدهم لا يجدون عملا وكذلك العمال والفنيين وأصحاب رزق اليوم الواحد. تقرأ أن المستشفيات مرعى للبلطجية والإهمال ويزيد الحال في مستشفيات الفقراء بطول مصر وعرضها.

لا يزال الشرطي يضع الحديد للسيارات المركونة لدقائق طالت في شارع البطل أحمد عبدالعزيز في المهندسين و26 يوليو في الزمالك، ولكن أخبار السيارات المسروقة وموديلاتها وقصص البلطجية على الطريق الدائرى و6 أكتوبر وميدان الرماية وإيقافهم الناس للسرقة لا تقرأها فقط بل يسردها لك معارفك ممن يمرون بالتجربة.





ومعظم الناس مرتبكة تجاه أسلوب حياة إعتادوا عليه لسنين كالفسح وإجازة الصيف والمصايف والسهر والزيارات, ويفضلون البقاء في بيوتهم كزنازين إختيارية مقابل المجهول الذي يلمسونه ويقرأوون أخباره ويصادفهم في الطرقات. يضاعف من ذلك كمد أخبار العرب من ثورات ومجازر وحروب دموية وطائفية واعتقالات ومحاكمات وغيرها. فلا سياحة مرئية للعرب هذا العام في العواصم العربية كالقاهرة وبيروت ودمشق وتونس وغيرها مما يعني المعاناة الإقتصادية للكثيرين في تلك الدول واختفاء ملمح سنوي يطمئن الناس إن الدنيا لسه بخير.

وداخليا لا سياحة كبيرة أيضا، فمبارك وآله لا يزال يربض في شرم الشيخ, وأخبار قطع الطرق في سيناء والمصادمات لا تزال سارية كما هي أخبار قطع طرق السكك الحديدية في الصعيد والجرائم والسرقات في الساحل الشمالي والطائفية في الإسكندرية ومحاكمات لم تسفر بعد عن شىء لرجال الأمن الذين قتلوا الناس وعذبوهم هناك. لا الأموال عادت من الخارج, ولا محاكمات تشفي غليل المصريين من أهل الفساد قامت بعد وولي العهد وأخيه لا أخبار عنهم ووزراء الحكومة الحالية يبدون غامضين بتصريحاتهم أو عدمها وحركتهم البطيئة ووجوه كثير منهم التى انتقلت بقدرة قادر من زمن ما قبل الثورة إلى ما بعدها.

وحدهم الطامحون للرئاسة يتراكضون بلهاث فج ويصرحون وينفخون ذواتهم بهواء البالونات إستعدادا للكرسي ويختلط الحديث ويدور ويدور إلى درجة الفجاجة عن الدستور والإنتخابات ومنجزات الثورة التي لم تبدأ بعد.

تسأل الناس العاديين ما الذى تغير؟ يقولون لا شيء .. فقط الأمور أكثر سوداوية وضبابية والحياة غليت وبقت فوضى! فتهز رأسك وتتذكر كل حماسك وردود أصدقائك المثقفين أن هذه مرحلة وحتعدى واستعانتهم دائما بالمقارنة مع الثورة الفرنسية واستخدام الشعوب الأوروبية لإسم ميدان التحرير في مظاهراتها واعتصاماتها، وأن الشعب والجيش إيد واحدة! فيصعب عليك الرد أو التعبير عن ما يجول بخاطرك من هواجس.





وتبحث عن وجوه وطنيين ومثقفين مناضلين ومبدعين لتسمع رؤاهم وتحليلاتهم على الشاشات فلا تجد: نادر فرجاني وصنع الله إبراهيم ونوال السعداوي ورضوى عاشور وفتحية العسال وعبده جبير ويوسف زيدان وأحمد الجمال ومحمد منير وعلي الحجار ومحمد بدوي وإبراهيم داود وإبراهيم عبدالفتاح وإبراهيم أصلان ومحمد خان وبشير السباعي, بل أنك لا تجد إعلاميين مثل عادل حموده ورؤساء تحرير آخرين أو وجوه عربية معروفة تتحدث عن مصر ومجريات ما يحدث فيها وكأن حائط عازل يقف شفافا هناك يمنعك حتى من مشاهدة شباب الثورة والميدان الذين توارت أصواتهم هم أيضا عن الشاشات وحتى مقدمي البرامج الحوارية تشعر أنهم مكبلون باللامرئي فيبدون أكثر تحفظا مما كانوا وأكثر خوفا من النقد اللاذع الذي مارسوه لسنين وكأن ريموت كونترول يوجه خطاهم ومحاورهم وكلماتهم.

تفتح الإذاعات في السيارة وأنت تسوق فلا تجد البرنامج الموسيقي والكلاسيكيات أو حتى أغاني المرحلة، فبقدرة قادر تحولت إلى إذاعات بيانات وأخبار وأغاني قديمة لعبدالحليم حافظ وفايزة أحمد وأحاديث دينية وقرآن، وإذا أردت أكثر من ذلك فعليك الإستعانة بجهاز تسجيل أو سي. دي، ولا يفرق ذلك كثيرا عن الجو الفني والثقافي العام، فكأن الفن والشعر والغناء توارى وكل شيء باسم الثورة حتى لو كان ركيكا فنيا على قلته.

لا تجد ندوات عن الأدب أو حفلات موسيقية أو أفلام سينما مميزة وحتى دور العرض تقلصت وأصبح المعروض فيها من السينما الأجنبية محدودا وركيكا ويناسب المراهقين وهواة الأكشن السريع، ولم تعد الأفلام العالمية في دور العرض وفي توقيت مقارب لنزولها كما كان سابقا وهو عام بلا معرض كتاب ولا مهرجان مسرح تجريبي ولا مهرجان سينما دولي كما يبدو.

فما الذي تبقى من القاهرة في القاهرة, إذن؟

جامعة الدول بوبائها الأمني والبيروقراطي، يافطات العقارات في الساحل الشمالي, إعلانات الزيت والشيبسى, فضائح رموز النظام السابق, أخبار الوعكات الصحية لمبارك, الدستور أم الإنتخابات, برلمانية أم رئاسية. صور المفقودين, الإضرابات والإعتصامات والمطالبات, انقطاع المياه والكهرباء, كوارث ضحايا إنفجار أنابيب الغاز أو تهاوى المساكن في بولاق الدكرور والمصادمات الطائفية والتبشير بجنة السلفيين وإخوان المسلمين القادمة, التسويات مع رجال الأعمال العرب, التهريب على حدود رفح وليبيا والسودان, المخدرات المضبوطة, السيارات المسروقة. نقص الأدوية, ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخطط المستقبلية للنووي ومدينة التعليم وزراعة القمح في السودان وموضوع المياه والنيل والدعوات لمليونيات قادم للحى والبكيني والدستور وما يجد أمره!

الثورة - كيف لنا أن نراها بعيوننا بعد أن رأيناها بقلوبنا!

 

 

 

 

الجزائر تايمز / ظبية خميس

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User