العاهل المغربي يدعو لإقامة تعاقد اجتماعي واقتصادي تضامني
لم يعلن العاهل المغربي محمد السادس في خطاب عيد الجلوس الـ12، عن موعد محدد لإجراء أي انتخابات في المغرب سواء تشريعية أو محلية سابقة لأوانها، في سياق مرحلة ما بعد اعتماد الدستور المغربي الجديد، الذي جرى التصويت عليه في الأول من يوليو/حزيران الماضي. واكتفى العاهل المغربي بالدعوة إلى ما سمّاها بـ"ضرورة…
لم يعلن العاهل المغربي محمد السادس في خطاب عيد الجلوس الـ12، عن موعد محدد لإجراء أي انتخابات في المغرب سواء تشريعية أو محلية سابقة لأوانها، في سياق مرحلة ما بعد اعتماد الدستور المغربي الجديد، الذي جرى التصويت عليه في الأول من يوليو/حزيران الماضي.
واكتفى العاهل المغربي بالدعوة إلى ما سمّاها بـ"ضرورة حسن إقامة وسير المؤسسات الدستورية" في أقرب الآجال وفق 3 مرتكزات: أولها الالتزام بسمو الدستور، وثانيها إيجاد مناخ سياسي سليم جدير بما أفرزه هذا الدستور من مغرب جديد مفعم بروح الثقة، فيما يكمن المرتكز الثالث في العمل بروح التوافق الإيجابي، على تفعيل المؤسسات الدستورية، بالاعتماد الجيد للنصوص القانونية، اللازمة والإصلاحات السياسية.
وحذر العاهل المغربي من أن كل تباطؤ من شأنه رهن دينامية الثقة وهدر ما يتيحه الإصلاح الجديد من فرص التنمية وتوفير العيش الكريم، فضلاً عن كون كل تأخير يتنافى مع الطابع المؤقت للأحكام الانتقالية للدستور، ليدعو الملك محمد السادس الفاعلين المعنيين إلى اعتماد جدولة زمنية مضبوطة تمكنهم وسائر المواطنين من رؤية واضحة لإقامة المؤسسات الدستورية في الآماد القصيرة والمتوسطة، داعياً الجميع إلى ما نعتها بـ"التعبئة الشاملة والمشاركة المواطنة والملتزمة في بناء هذا الصرح الدستوري المتقدم، بروح الثقة والعمل الجماعي"، وذلك بعيداً عن "نزوعات التيئيس والعدمية والممارسات التضليلية البالية".
وأشاد في الخطاب الذي بثه التلفزيون المغربي عقب انتهاء الحفل الرسمي في مدينة طنجة (أقصى غربي شمال المغرب)، بمناسبة الذكرى الـ12 لعيد الجلوس، بانخراط المغاربة عبر التصويت على الدستور الجديد الذي يعد أول وثيقة دستورية جديدة منذ وصول الملك محمد السادس للحكم في صيف عام 1999، ما مكّن من تحقيق ما وصفه بـ"تعاقد متجدد مرسخ للعهد الوثيق بين العرش والشعب"، وتحدث الملك محمد السادس عن تحول تحقق بفضل إرادة وطنية مستقلة، ما جعل الوثيقة الدستورية الجديدة مبعث اعتزاز لجميع المغاربة، وموضع تقدير دولي "للنموذج المغربي المتميز".
تعاقد اجتماعي واقتصادي تضامني
وشدد الملك على ما وصفها بـ"المرحلة الآن"، وهي مرحلة التفعيل روحاً ومنطوقاً، للدستور الجديد الذي قال العاهل المغربي إنه ملتزم به وسيسهر على حسن تطبيقه، موضحاً أن هذه الوثيقة الدستورية الجديدة هي أساس متين لتعاقد سياسي جديد، على المضي قدماً، في ترسيخ دولة القانون وحقوق الإنسان، والحكامة الجيدة والتنمية، وذلك بإرساء مؤسسات ناجعة وذات مصداقية، مشيراً إلى أنه مهما كانت فعالية هذه المؤسسات فإنها ستظل صورية ما لم تنعكس نتائج عملها على الوطن، صيانة لسيادته وأمنه ووحدته، وتنميته وتقدمه، والانعكاس على المواطنين من خلال ضمان الحرية والمساواة، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.
ودعا إلى إقامة "تعاقد اجتماعي واقتصادي تضامني" يجعل كل مواطن ومواطنة يلمس الأثر الإيجابي للحقوق المنصوص عليها في الدستور الجديد على معيشه اليومي, وعلى تقدم وطنه، ليدعو إلى إطلاق جيل جديد من الإصلاحات العميقة لتيسير أسباب ولوج كل مواطن لجوهر هذه الحقوق، من تعليم نافع، وعمل منتج، وتغطية صحية، وسكن لائق، وبيئة سليمة، وكذا من تنمية بشرية، بالتوازي مع مواصلة رفع التحدي الأكبر، للتصدي للبطالة والفقر، والهشاشة والأمية.
وتحدث لأول مرة عن ما سمّاه "التعاقد الاقتصادي الجديد"، الذي يقتضي الاهتمام بمنظومة الإنتاج الاقتصادي، وإذكاء روح المبادرة الحرة، عبر تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما ينسجم وروح الدستور الجديد، الذي يكرس دولة القانون في مجال الأعمال، ومجموعة من الحقوق والهيئات الاقتصادية الضامنة لحرية المبادرة الخاصة، ولشروط المنافسة الشريفة، وآليات تخليق الحياة العامة، ولضوابط زجر الاحتكار والامتيازات غير المشروعة، واقتصاد الريع، والفساد والرشوة.
التأهيل العميق والفعلي للمشهد السياسي
من جهة أخرى، أوضح العاهل المغربي أن استكمال بناء الصرح المؤسساتي والتنموي للدستور الجديد في البلاد يظل رهيناً بالعمل الجاد للوصول إلى التأهيل العميق والفعلي للمشهد السياسي، واستثمار مناخ الثقة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل.
ودعا الأحزاب السياسية لمضاعفة جهودها لتحقيق مصالحة المواطنين، خاصة الشباب، مع العمل السياسي بمفهومه الوطني النبيل، سواء في نطاق الأحزاب، التي أناط بها الدستور مهمة المساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، أو بالانخراط في المؤسسات الحكومية، الممارسة للسلطة التنفيذية، أو في المؤسسة البرلمانية، ذات السلطات التشريعية والرقابية الواسعة، أو في هيئات وآليات الديمقراطية المحلية، أو التشاركية، أو المواطنة.
وتوقف عند الدعوة إلى التنافس الجاد في بلورة مشاريع مجتمعية متميزة من قبل النخب السياسية وتجسيدها في برامج تنموية خلاقة وواقعية، وربطها الملك محمد السادس بضرورة اختيار النخب المؤهلة لحسن تدبير الشأن العام، وطنياً وجهوياً ومحلياً، موجهاً الدعوة للمواطنين والمواطنات للنهوض بالأمانة الجسيمة لحسن اختيار من يمثلهم، ولينتقل إلى توجيه رسالة إلى المنتخبين بأن الوثيقة الدستورية الجديدة ثبتت قاعدة تلازم المسؤولية بالمحاسبة.
الدفاع عن السيادة الجغرافية
وفي ملف "الوحدة الترابية للمغرب"، كما تسميه الصحافة المحلية، أكد الملك محمد السادس أن الرباط ماضية في الدفاع عن سيادته ووحدته الترابية، التي لا مجال فيها للمساومة، مشيراً إلى أن هذا الملف سيظل أسبقية الأسبقيات، في السياسة الداخلية والخارجية للمملكة، قبل أن يربط بالدستور الجديد الذي يشكل رافعة قوية لعمل الدبلوماسية الوطنية، في خدمة المصالح العليا والقضايا العادلة للمغرب، وتعزيز إشعاعه الجهوي والدولي.
واعتبر العاهل المغربي في خطابه أن الدستور الجديد بما يحمله من مشروع للجهوية الموسعة ومنظومة الحكم الذاتي لمنطقة المحافظات الصحراوية في الصحراء الغربية، كحل سياسي ونهائي للنزاع الذي لن يتأتى وفق الملك محمد السادس إلا من خلال تفاوض جاد مبني على روح التوافق والواقعية، وفي إطار الأمم المتحدة وبالتعاون مع أمينها العام ومبعوثه الشخصي، ليخلص إلى أن العمل في المرحلة المقبلة على توطيد روابط انتماء المغرب الإقليمي، وتنمية علاقاته الدولية، مهما كانت الإكراهات الناجمة عن السياقات الدولية المضطربة، والأوضاع الإقليمية الصعبة.
وفي العلاقات المغربية الجزائرية، أعاد الملك محمد السادس التذكير بأن الرباط ملتزمة بإعطاء دينامية جديدة لعلاقاته مع الجزائر، دينامية منفتحة على تسوية كل المشاكل العالقة بينهما، وفاء لأواصر الأخوة ولتطلعات الأجيال الصاعدة، من أجل تطبيع كامل للعلاقات الثنائية بما فيها فتح الحدود البرية، بعيداً عن كل جمود أو انغلاق مناف لأواصر حسن الجوار وللاندماج المغاربي وانتظارات المجتمع الدولي والفضاء الجهوي.
ولم يكن الواقع في المنطقة العربية غائباً عن خطاب العاهل المغربي، فالرباط يتابع بانشغال ما يجري في بعض البلدان العربية من تحولات، داعياً إلى التعاطي مع قضايا وتحديات المنطقة العربية بروح جريئة واستشرافية من خلال ما نعته الملك محمد السادس بـ"الحوار التوافقي البناء"، بعيداً عن كل أشكال التعامل التقليدي، الذي برهن عن محدوديته وعدم جدواه، وذلك لتطويق المخاطر المهددة لسلامة الدول ووحدتها الترابية.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)