الجلاد في نظر زميلنا الفلسطيني

بأسلوب جارح لا يمت للكتابة الصحافية المحترمة بصلة , كعادته دائما المألوفة لدى قرائه والمنفرد بها عن زملائه في الساحة الإعلامية العربية , كتب مؤخرا الصحافي الفلسطيني اللاجئ بالديار البريطانية , مقالا تحت عنوان « محاكمة مبارك أم تشييع مرحلة» وهو يمجد الزعيم العراقي الراحل , مبديا شماتته في الرئيس…

أغسطس 11, 2011 - 21:58
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 1.8ك

بأسلوب جارح لا يمت للكتابة الصحافية المحترمة بصلة , كعادته دائما المألوفة لدى قرائه والمنفرد بها  عن زملائه في الساحة الإعلامية العربية , كتب مؤخرا  الصحافي الفلسطيني اللاجئ بالديار البريطانية  , مقالا تحت عنوان « محاكمة مبارك أم تشييع مرحلة» وهو يمجد  الزعيم العراقي  الراحل , مبديا شماتته في الرئيس المصري المخلوع  , مقارنا  بين محاكمتي الرجلين , بأن « صدام  كان يقف في قفص الاتهام متأبطا قرانه مدافعا شرسا عن عقيدته , محاطا بصقور حكمه ...بينما يرقد مبارك ذليلا على سريره منبوذا ... ذهب الراحل صدام إلى المقصلة مرفوع الرأس  , ثابتا كالجبل , صلبا كالرمح  , مرددا نشيد العروبـــة , مذكرا بقضاياها وعلى رأســها فلسطيـــــن ... » إلى غيرها من تعابير المدح حد التبجيل  في حق محبوبه وزعيمه الراحل . علما أن  الحالة غير  الإنسانية التي  وجد عليها  هذا الأخير (صدام) أثناء العثور عليه  مختبئا في  جحر  , أسوأ مما هو عليه الآن مبارك ,  وجرائم الإبادة  النكراء ضد الإنسانية  التي ارتكبها في حق شعبه العراقي أفضع  مما اقترفه  حفيد فرعون في حق مواطنيه  المصريين  .

 لكن  بالنسبة لزميلنا  الكاتب الصحافي  ,  جرائم  صدام  ليست هي الأهم  , لذا فضل غض البصر  ورفع القلم عنها  , بما أن مرتكبها  صديق القضية  وليس هو العدو اللذوذ  المقصود  , وإنما هو السيد حسني , فوجه  بندقيته صوبه  , لأنه هو الهدف ولا هدف غيره  , حيث  وصف  نهايته  بعبارات حادة لا تخلو من الحقد والاستهجان , بأنها « مهينة مذلة يستحقها الرئيس  المخلوع ...بل يستحق ما هو أسوأ منها لأنه  أذل عقيدة وسفك دماء شعبه وسرق المال العام .. » والحقيقة أن تشفيه في مبارك  , جاء ليس لكون  هدا الأخير  سفك وسرق  , لا .. وإنما  لشيء واحد ,هو  أنه (مبارك)  لم يكن  يؤدي عن غنائمه الزكاة أو الجزية  إن صح التعبير للفلسطينيين  وأقلامهم  المأجورة . أي  أنه لم يكن يقتسم  معهم مال عام المصريين , لأنه كان طرفا وسطيا محايدا  بين جيرانه الفلسطينيين والإسرائيليين , منفتحا على الجميع , لا يدعم , لا يؤذ  ولا يعادي أحدا  من كلا الطرفين (لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين ) وهذا ما أغضب  صاحبنا (كاتب المقال)  وجعله يشتمه ويرميه بكل هذا الوابل من الاتهامات التي وصلت حد اتهامه بإذلال العقيدة  !  . عكس صدام الذي وصفه  بالمدافع الشرس  عنها , لدفاعه عن فلسطين  وتمويله لفصائلها.. لأن  هذا الصحافي لكثرة تعلقه  وحلمه بوطنه اختلط عليه الأمر  , فأصبح يربط ويرهن الدفاع عن العقيدة بالدفاع عن فلسطين !!  فلو كان مبارك  قد خصص نصيبا من أموال المصريين  للفلسطينيين  وبعض أقلامهم ..  لرأينا بأم أعيننا الآن  زميلنا  يدافع عنه بكل شراسة ويصفه بضحية مؤامرة  إسرائيلية أو  أمريكية صليبية , حسب ما يراه مناسبا , أو يلتزم الصمت وذلك أضعف الإيمان إن استعصى عليه الأمر , ولما قال في حقه ما قال . لأن معنى الجلاد في نظره  ينحصر في عدم معاداة إسرائيل  فقط . وبعبارة أخرى  أوضح , أي أن كل متعايش منفتح على إسرائيل فهو جلاد  ديكتاتوري في مفهومه . والعكس بالعكس بالنسبة للضحية .                                                    

هكذا ينظر  صاحبنا  إلى الأشياء وهكذا يفسر الأمور ..لأنه لو كان رأيه غير  ذلك , لعدل بين الدكتاتوريين  , ولما  ميز بينهما  بالتزام الصمت وصرف النظر عن فضائع الطاغية العراقي , والتركيز فقط على  مساوئ حفيد الفراعنة  , لمجرد عدم مشاطرته لنزعاته القطرية  العنصرية . فهنا انزلق الزميل  ووقع في الخطأ (بيت القصيد) لأنه  بفكره هذا , أبان عن تعصب كبير مذك للطائفية والقبلية (التعصب القبلي) في زمن أصبح فيه العالم قرية صغير, ينفتح ويتعايش فيها الجميع بتسامح كبير بصرف النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية... وغدت فيه المصطلحات المسماة « القومية » و     « أناشيد العروبة  » , مفاهيم بائدة متجاوزة أكل عليها الدهر وشرب , ولم تعد صالحة للاستهلاك .         

صحيح أن الإنسان تحاصره دائما وتتحداه بلا هوادة مشكلة الولاء , فكل منا وبلا استثناء ينتمي إلى لون من الجماعات القومية أو العرقية أو الدينية , ومن المحال على أحد مهما يبلغ حجم احتجاجاته أو إنكاره أن يقول بأنه قد ارتفع فوق الروابط الحيوية (العضوية) التي تربط الفرد بالأسرة والمجتمع , و بطبيعة الحال بالقومية كذلك .  لكن يجب أن تكون هذه الأخيرة خاضعة لضوابط تراعي خصوصيات المجتمعات وتحترم حق الناس  في الاختلاف وإبداء الآراء المعاكسة .. لأن حرية الإنسان  تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين ..فمن حق  الكاتب أن يستميت في الدفاع عن فلسطين  ,وأن تكون هي شغله الشاغل كونه فلسطيني تواق إلى وطن . لكن ليس من حقه إطلاقا , أن يجبر غير الفلسطينيين  على الانشغال بها كما هو شأنه , والتحول قسرا إلى فلسطينيين مدافعين في كل ناد  يصيحون ويخطبون  .                    

إن حل فلسطين بيد الفلسطينيين أنفسهم . فمن يريد الدفاع عنها ,عليه أن يحثهم على نزع ثياب الكبرياء إقرارا بموازين  القوى , والنزول إلى أرض الواقع والركون إلى الحلول الوسطية , والاعتراف بأبناء العم , بعيدا عن كل تشدد وتعصب وعن كل إقصاء, تشبثا بقيم التسامح والاعتدال , واستغلالا للفرص...قبل فوات الأوان . لأن من يريد ربح الكل , دائما يخسر الكل .  إن الأرض أرض الله , والدين دينه  والوطن للجميع , وكلنا لأدام وادم من تراب .                                                            

إن من يحب فلسطين عليه أن يكون صريحا مع الفلسطينيين : أن يقول لهم الحقيقة , انطلاقا من الواقع لا من الوهم . أما أن يظل يلوم ويشتم الناس , لا لشيء سوى أنهم أحرار في مواقفهم , فهذا أمر مدان  غير مقبول إطلاقا..(الكل يبحث عن مصلحة وطنه , ومن أجله قد يتحالف حتى مع الشيطان إن اقتضى الأمر).                                                                                                                

تمالك نفسك  واستعذ بالله , وابتعد عن الغضب عندما لا تستطيع  أن ترى الناس  كما تريدهم أن يكونوا  مثلك وفي صفك , بما أنك بدورك تجد صعوبة أن تغير نفسك كما تريد أن تكون .                

وأخيرا على كل حال , « لا تظهر الشماتة لأخيك , فيرحمه الله ويبتليك» حديث نبوي شريف . مجرد تذكير  لا غير. إن  الذكرى تنفع المؤمنين , إن كنت منهم طبعا .      (بكل ود  دون أي حقد )

                                                         

 

 

الجزائر تايمز / محمد شملال  

كاتب صحافي مغربي  

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User