الفنانة شافية بوذراع \'أم الجزائريين\': جيلنا تعب كثيرا وفيلمي الأخير تعرض لهجوم من العنصريين الغربي
التقتها: فاطمة عطفة: لكل جيل أحلامه وطموحاته ومشاغله وإيقاعه الخاص في الحياة. وفي ذاكرة جيلنا وجيل أساتذتنا كانت الجزائر، بثورتها ونضال شعبها العظيم، وما تزال تحتل مكانة مشرقة وسامية في القلب والوجدان. وحين نلتقي صديقا أو فنانا جزائريا نشعر بأن شبابنا يتجدد وتعود تلك المرحلة العربية الزاهية…
التقتها: فاطمة عطفة: لكل جيل أحلامه وطموحاته ومشاغله وإيقاعه الخاص في الحياة. وفي ذاكرة جيلنا وجيل أساتذتنا كانت الجزائر، بثورتها ونضال شعبها العظيم، وما تزال تحتل مكانة مشرقة وسامية في القلب والوجدان.
وحين نلتقي صديقا أو فنانا جزائريا نشعر بأن شبابنا يتجدد وتعود تلك المرحلة العربية الزاهية بالأحلام وعلامات العمل والنهوض والبناء. ويوم التقيت بهذه الفنانة الرائدة لأول مرة في مدينة وهران شعرت أني أعرفها من زمن بعيد، ولم أملك إلا الإعجاب والمحبة والتقدير لهذه القامة الممشوقة الشامخة وكأنها تتحدى أعباء السنين لتمنح جيلنا والأجيال الشابة التي جاءت بعدنا نسغ (وردة) الأمل وحب الحياة والتعاون لنبني أوطاننا بأحلى صورة وكما يجب أن تكون. إنها الفنانة الكبيرة شافية بوذراع التي ما زالت تحمل في قلبها الكبير شعلة مضيئة من ذكرى رفيق دربها الشهيد صالح بوذراع الذي أمضى سنوات طويلة في سجون المحتل الفرنسي. وإذا كانت قد قامت بأدوار مختلفة في حياتها الفنية، فإن أداء دور الأم الجزائرية يظل الأجمل لأنها الأم والرمز الوطني والإنساني الغالي. وأجيال الشباب الصاعدة تتعلم الكثير من جيل الآباء والأمهات والجدات، وهم يتابعون طموحاتهم وأعمالهم لاستكمال ما بدأه جيل الرواد.
وقبل أن أترك الحديث للفنانة الكبيرة شافية، أود أن أشير إلى أن حوارنا كان بالعامية بكل ما فيها من بساطة العبارة وحرارتها وعفويتها، وأرجو أن لا أكون قد ابتعدت عن لغة القلب والمشاعر الدافئة تلك لأن من يلتقي نجمتنا 'أم الجزائريين' لا يمكن أن ينساها أبدا.
ـ لن نتحدث عن البدايات وصعوباتها، وخاصة أن الثورة الجزائرية كانت تخوض معارك التحرير، لكن كيف ترين العمل في هذا الفن الصعب، أقصد العمل في السينما، بعد هذه التجربة الطويلة؟
* خلينا نبدأ من اللغة. في البداية لم يكن وقتها اللغة واللهجة العربية الدارجة اليوم، كانت اللغة الفصحى، نحن العرب للأسف طبعنا بأسماء غيرنا. أحيانا أقول لنفسي: يمكن لأني أنا امرأة كبيرة بالسن، لذلك تختلف نظرتي عن كثير مما أرى في هذه الأيام.. أنا لا أستطيع أن أرى نفسي وحدي في هذا المجال، الفن السينمائي عمل وتعاون جماعي، وأنا أعمل مع غيري في إنتاج فني كبير ومشترك. ونحن عندنا أسماء لا بأس فيها مثل زهرة، فلة، وهيبة، سعاد، رابح، أحمد.. وغيرهم. مثلا: لما كان أحد منا يلتقي بمسافر ويقول له وهيبة.. يرد ويقول لك: الله يوهبنا، إن شاء الله ويفتح طريقنا. نحن علينا أن ننظر إلى ما عندنا ونشتغل عليه ولا ننظر فقط ماذا عند الأوربيين، لا يكفينا أن نقلدهم نصير وقتها مثل كأننا نقف على رجل واحدة. السلم لا يطلع عليه برجل واحدة، ولا يمكن أن يطلع عليه بالرجلين معا، يجب أن يطلع برجل بعد رجل حتى يصلوا للقمة، كما أن التعاون والتبادل بين الفنانين يؤدي إلى جودة أكثر في العمل السينمائي وخاصة أنه يعمل بتبادل التجارب والخبرات ومعرفة اللهجات بين دول المغرب أو مع دول المشرق. أنا أشجع الأعمال السينمائية المشتركة كما حصل في فيلم 'النخيل الجريح' وهو عمل مشترك بين الجزائر وتونس وغيرها، والتعاون في الأعمال السينمائية تخفف من التكاليف المالية الباهظة جدا في هذا العصر، كما أن التعاون يسمح لنا أن نكون متوحدين في الفكر والعمل، وهذا يزيد من أهمية اللقاءات المشتركة والمهرجانات المنظمة بين البلدان العربية والعالم، إضافة إلى أن العمل المشترك يسمح للممثلين بالتعارف واكتساب خبرات جديدة. أكيد في التعاون تكون الجوانب الإيجابية كثيرة جدا ومهمة'.
ـ ماذا يختلف ويضيف الفن السينمائي عن غيره من الفنون في تقديم ثقافة الصورة والإسهام في التقدم والرقي الاجتماعي للشعوب، كيف تنظر الفنانة القديرة شافية بو ذراع إلى هذا الفن المتميز؟
* الفن السينمائي من أهم وأرقى الفنون، يكفي أنه يتيح لنا في مثل هذا اللقاء أن نتعرف على كثير من الوجوه العربية العزيزة ونتحادث معهم ونطلع على أعمالهم وأفكاركم وتزداد العلاقات بيننا... التعاون بين الناس شيء مهم وأساسي، ويمكن أن يكون بين الفنانين أكثر أهمية. في إنتاج الفيلم كلنا كنا نعمل كأخوة وأصدقاء وأسرة فنية واحدة، سواء وقت تصوير العمل أو عندما نلتقي كفنانين ومخرجين ومساعدين، كل هذه الأمور لها تأثير إيجابي وتعمل على نشر وترسيخ التحابب بين الزملاء في المهنة، هذه العلاقات الإنسانية جميلة ولصالح التقدم، بالإضافة إلى أن الفن السينمائي ذاكرة وطنية تحفظ ولو بشكل رمزي وقائع تاريخية ونضالية هامة من حياة الشعب، والأفكار والقصص التي تقدم بطريقة فنية جذابة وممتعة هي لخدمة المجتمعات بكل تأكيد، كما أن السينما تبين وتقدم القضايا الوطنية المصحوبة بالصورة. ويمكن أن أضيف أن مهرجانات الأفلام تتيح للفنانين أن يلتقوا: المصري والسوري والجزائري والفلسطيني...
ـ تم تكريمك في عدة مناسبات، ماذا يعني التكريم لك وخاصة أن الشعب منحك أعظم تكريم حين ينادونك 'بأم الجزائريين'؟
* بدون مبالغة التكريم الأحب لي لما يجيئني إنسان ويعبر عن مشاعره النبيلة والصادقة ويقول من بعيد: 'بودي نبوسك ونتصور معاك'، ويمكن يكون أحلى تكريم لما أخت تجي لعندي ومن أعماقها تحضنني وتقول لي 'بحب تقعدين معايا تشربي قهوة'. وبعض ناس كانت تجلب لي فاكهة وتقول 'خذيها'، يعني تريد أن تعبر عن حبها لي بما تقدر، وهي تعرف أني ما ني محتاجة، بس نحن ما نرفضها، وما نجرحها وما نكسفها، هذه الأشياء الرمزية التي تأتي من محبة الجزائريين والناس هي بالنسبة لي أكبر تكريم.. كذلك التكريم لا أعتبره لي وحدي بل غيري كثير تكرموا، وأنا أعتبر أن التكريم لكل من شارك في العمل من مصورين ومخرجين وكاتب النص والممثلين وكل الفنيين في الصوت والإضاءة.. إلى آخر ما هنالك من جهد وتعاون في هذا الفن. لما أتكرم أشعر أن التكريم لنا كلنا نحن من نشارك في الفيلم. وهذا ليس تواضعا بل هكذا هي الإنسانية'.
ـ بالجزائر يسمونك 'أم الجزائريين'، كيف تنظرين لهذه الأجيال الشابة في الجزائر وفي الوطن العربي؟ هل توجد صعوبات أمام هذا الجيل وهل توجد أمامه صعوبات ليحقق طموحه ويصل خاصة في الفن السينمائي؟
* 'احنا ما عشنا هذه العيشة هذي بتاعه، نحن جبنا الحاجات بسلل من الفضة، إحنا الجيل بتعنا كنا نتعب، طبعا هذا ليس غلط من الشباب اليوم لكن تطور الحياة يفرض ذلك، أنا كنت مثلا كنت أغسل ثيابي بيدي، اليوم يغسل في الآلة، كنت لما أسمع المذياع يعني حاجة كبيرة، وكذلك لما أقف أمام الكاميرا. لكن علينا أن نحتضن الشباب ونتفهم مطالبهم، وكما يقول المثل: ابنك لما يكون صغير ربيه، لما يكبر خاويه وشوفي شو في قلبه وفي فكره ولما يقلب الصفحة نقلبها معه، وإلا ما فيك تخاويه وتكوني صريحة وواضحة معه. هذه الأجيال من الشباب عندها متاعب كبيرة وتحتاج لمن يتفهمها ويتعامل معها حتى تستطيع أن تقدم لبلادها من خبرتها'.
ـ أنت الفنانة، من كانت مطربتك المفضلة التي كنت تسمعين لها في شبابك؟ واليوم لمن تحبين أن تسمعي؟
* كنت أحب عبد المطلب، صباح فخري، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، بعدها مين نحب نسمع غناء عبد الحليم حافظ، لي هو من شعر نزار قباني، قصة حياتي كتبتها، أنا قبل أن أكون تبدأ قصة حياتي كنت أقول شعر: 'كان لي بالأمس قلب فقضى / وأراح الناس منه واستراح/ ذاك عهد من شبابي قد مضى/ بين تشبيب وشكوى ونواح/ إنما العمر كنجم في الفضا/ يمحى بأنوار الصباح'.
ـ من الأفلام التي شاركت بها بدور الأم كان 'خارجون عن القانون' لماذا كان مثارا للجدل في مهرجان كان، مع أنه نال الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق؟
* الفيلم التاريخي 'خارجون عن القانون' من إخراج رشيد بوشارب تعرض لحملة ظالمة من الصحافة التابعة لبعض أحزاب اليمين الفرنسي. العالم الغربي لا ينطلق من مبادئ ولكن من مصالح، ويبدو أنهم لا ينسون أنهم كانوا مستعمرين لبلادنا، والقوى اليمينية التي لا تخلو من تطرف وعنصرية تنطلق في مواقفها حتى تجاه الفن من تلك المصالح الضيقة. لذلك كانت حملة التشويه والإساءة والتشكيك ضد وقائع الفيلم ومخرجه خلال مشاركته في مهرجان 'كان السينمائي'. لكن ذلك كان في الوقت ذاته دليلاً قاطعاً على نجاحه. معروف، من ناحية تاريخية، أن جريمة المستعمر في أحداث 'مجزرة سطيف' في جبال الأطلس بشرق الجزائر كانت فظيعة، وتلك الأحداث وقعت في مايو 1945 وهي فترة وحشية ودامية من تاريخ الاستعمار في الجزائر، وفيها اعتقلت القوات الفرنسية العديد من الوطنيين ومنهم صالح بوذراع الذي بقي مسجونا ما يزيد عن عشرين سنة. بوشارب ما صور إلا جزء من الفظائع التي وقعت في تلك الأحداث. موضوع الفيلم وأحداثه تعبير فني صادق عن جزء من تاريخ الجزائر. أما في مهرجان دمشق الدولي فالمسألة مختلفة، لقد حصل الفيلم على الجائزة الذهبية، وذلك التمثال الذهبي أغلى جائزة وأكبر تكريم.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)