خبراء: الانفلات الامني سببه شعور عام بتلاشي او ضعف السلطة
بعد هدوء، أو بالأحرى فترة هدنة، عاد العنف ليهدد حقيقة المسار الطبيعي للثورة التونسية. فعمّت الإضطرابات في مناطق عديدة من تونس، في جبنيانة ودوز وصفاقس والمتلوي وهرقلة وسيدي بوزيد وغيرها، حيث استعملت بنادق الصيد وتم حرق مؤسسات وقطع طرق وتعطيل سير العمل ببعض المؤسسات... مؤشرات خطيرة أعادت إلى…
بعد هدوء، أو بالأحرى فترة هدنة، عاد العنف ليهدد حقيقة المسار الطبيعي للثورة التونسية. فعمّت الإضطرابات في مناطق عديدة من تونس، في جبنيانة ودوز وصفاقس والمتلوي وهرقلة وسيدي بوزيد وغيرها، حيث استعملت بنادق الصيد وتم حرق مؤسسات وقطع طرق وتعطيل سير العمل ببعض المؤسسات... مؤشرات خطيرة أعادت إلى التونسيين الريبة والهواجس من عدم القدرة على الوصول إلى موعد انتخابات المجلس التأسيسي، ودارت أسئلة عديدة لم يجدوا لها أجوبة شافية: من يقف وراء أعمال العنف هذه ؟ وما هي أسبابها ؟ وما الهدف منها ؟ وما مدى قدرتها على التأثير السلبي على موعد 23 تشرين اول (أكتوبر)؟ وكيف يمكن للحكومة المؤقتة أن تتصرف لإيقاف نزيف العنف في البلاد ؟
الناطق الرسمي لوزارة الداخلية هشام المؤدب كشف في حوار تلفزيوني عن بعض الإحصائيات التي أكدت أنّ شهر آب (أغسطس) الماضي شهد حصول 1076 حالة من الحركات الإحتجاجية في مختلف مناطق البلاد بينما بلغ في شهر تموز (يوليو) الماضي 1176 حالة. أما الإعتصامات فبلغت 156 حالة اعتصام في شهر تموز (يوليو) بينما لم يتجاوز 104 حالة في شهر آب، وتم تسجيل 184 حالة قطع الطريق في شهر تموز بينما بلغت في شهر آب 152 حالة . وتم تعطيل العمل في المؤسسات في 95 حالة في آب أما عن عمليات قطع الماء فقد بلغت 17 حالة في تموز ومثلها تقريبا (13 حالة) في شهر آب الماضي .
العنف الذي عاد بقوة وما رافقه من اضطرابات وخوف من المستقبل وضعه الباحث الإجتماعي والدكتور منير السعيداني في إطاره قائلا لـ " إيلاف" : "ّللإنفلات الأمني عدة وجوه منها هروب المساجين من السجون بطريقة أو بأخرى ولسبب او لآخر، وبفعل فاعل أو بتظافر جملة من الأحداث. وهناك التحركات التي تقوم بها مجموعات مختلفة من ذوي المصالح المشتركة على غرار الوضعيات الإجتماعية بالاضافة الى شعور عام بتلاشي السلطة أو ضعفها في حالات عديدة وهو ما يشجع على القيام بتحركات تبدو خارجة عن القانون بالمنظور العادي ( اعتصام، قطع طريق .. ) ."
واصل السعيداني تشريح الوضعية المدروسة اجتماعيا مبينا :"ضرورة فصل هذه التحركات عن بعضها حتى يمكننا فهمها لأننا في وضع أمني وسياسي تختلف فيه الظواهر ويختلف فيه الطيب من الخبيث .. وما يمكن قوله هو أنّ أحد أعلى هرم السلطة في تونس اعترف أخيرا بالإنفلات الأمني وهو ما كان ينكره إلى حدّ ما، ووضع بالتالي الإصبع على أشياء قد كانت خافية للبعض ومعلومة للبعض الآخر، وهي حالة من الإنفلات الأمني داخل اجهزة الأمن. والأمر لا يقتصر فقط على وجود بعض المسؤولين الذين يبعدون مسؤولين آخرين، بل إنّ هذا الجهاز يجد صعوبات قصوى لإعادة هيكلته والتموقع داخل المجتمع في علاقة بالمجتمع المدني والسياسي والمواطنين كذلك. وبالتالي، الإنتقال من جهاز مخوّل له اسماً ووظيفةً القمع المباشر للمعارضة بأي شكل وفي أي مجال ،وهو الوضع الذي كنا عليه قبل 14 كانون الثاني، إلى جهاز مختلف ولا أقول انه مناقض. هي مسألة صعبة ومعقدة لأن الإرادة السياسية حاليا غير متوفرة والحكومة المؤقتة ليس لها ارادة سياسية حقيقية لتحقيق هذا التحول الذي إن تحقق فسيكشف ما لا يراد كشفه ."
من جانبه تناول موضوع العنف والإنفلات في المجتمع التونسي الأستاذ عبد اللطيف الحداد عضو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي مؤكدا لـ" إيلاف " أنّ الإضطرابات التي حدثت في بعض مناطق البلاد مردها الهشاشة التي تميز البنى الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية بعد 14 كانون الثاني وفي مستوى أعمق تعود أسبابها إلى تفكك العقد الأخلاقي والمعنوي الذي كان يجمع بين مختلف الأطراف، والتصدع الذي أصابه بعد الثورة وأصبح الجميع بالتالي في حلّ من كل التزام إزاء كائن من كان ولهذا وجدت المجموعات ذات المطالب المشروعة أو غيرها المجال لتفرض أجنداتها وتركب موجة " البلطجة " والإعتصامات التي تريد في الوقت والمكان الذي تريد دون توفر الرادع أو المنظم والمؤطر .
الإضطرابات التي حصلت في عدة مناطق أثارت بعض الأحزاب والمؤسسات التي نبهت لخطورة الموقف ودعت إلى وقفة حازمة من أجل مستقبل تونس فالإتحاد العام التونسي للشغل أصدر بيانا اطلعت عليه " إيلاف" وجاء فيه أنّ المكتب التنفيذي للإتحاد يتابع بانشغال شديد ما تشهده البلاد من مظاهر انفلات خطيرة على المستويات الاجتماعية والسياسية وخاصة الأمنية وما ميّز العلاقات من توتّر أصبح يهدّد الاستقرار الضامن الأساسي لخوض انتخابات نزيهة وشفافة في الوقت المحدّد لها خطوة هامة في نجاح الطور الانتقالي نحو مجتمع الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .
و يؤكّد إتحاد العام التونسي للشغل على "حقّ كلّ فئات المجتمع في تحسين أوضاعها المادية والمعنوية وفي التمتّع بمقومات العيش الكريم بما في ذلك قوات الأمن بأنواعها ." وهو بالتالي " يدعو إلى ضرورة اعتماد الحوار في فضّ الإشكالات العالقة مهما تعقّدت ويحذر من الممارسات الفوضوية التي تهدّد أمن المواطنين وتشرّع التصادم بين فئات المجتمع وتمسّ من هيبة الدولة."
نظرا لخطورة الوضع فإنّ الإتحاد " يدعو الجميع إلى ملازمة الهدوء وينبّه إلى حساسية المرحلة والتي تدعو الجميع إلى تكثيف الجهود من أجل توافق يقضي على الفوضى وعلى كلّ مظاهر التمرّد والعصيان والتحركات العشوائية غير المؤطرة.. ويهيب بالجميع تحكيم العقل وتغليب المصلحة الوطنية ومصلحة البلاد .. ويسير تدريجيا نحو انتخابات 23 تشرين الول (أكتوبر) 2011. "
الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة أصدر بيانا نشر على موقعه الإلكتروني حذر فيه من "الفوضى والإستبداد" و أكّد على "إدانتنا أعمال القتل والحرق والنهب والعنف والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة أيّا كان المتسبب فيها".
ودعا الغنوشي الجميع إلى " ضبط النفس وعدم الانجرار نحو العنف ووضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار " وأشاد بكافة أبناء الحركة والشعب لحماية المواطنين والممتلكات والمرافق العامة والخاصة والتنسيق في ذلك مع الجيش الوطني وقوات الأمن. "
من ناحيته أكد مختار صميدة رئيس قائمة لحزب الديمقراطيين الإشتراكيين لإنتخابات المجلس التأسيسي أنّ هناك أيادي خفية تحرك بعض الأطراف من الشباب الذين ملّوا من الوعود والأحاديث الهامشية والذين هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدات الإجتماعية، هذه الأيادي الخفية وجدت أرضية خصبة لتمرير أو لمحاولة فرض بعض أفكارها بالقوة .
مختار صميدة أضاف متحدثا عن تأثيرات هذه الإضطرابات على موعد 23 تشرين الأول (أكتوبر) القادم فبين أن هذه الأحداث تهدد بصفة جدية عملية الإنتخابات ولكن الوزير الأول في الحكومة المؤقتة في خطابه الأخير كان حاسما في تطبيق قانون الطوارئ الذي يبقى ساري المفعول إلى نهاية نوفمبر القادم وإلى جانب ذلك لا بد من التأكيد على وعي المواطن للوصول إلى برّ الأمان .
ويتحدث الأستاذ الجامعي د . محمد ضيف الله عن ثورة مضادة مشيرا إلى أنه "بقدر ما كانت الثورة التونسية نتيجة تصدع البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بقدر سعيها إلى إقامة توازن جديد يقطع مع المنظومة القديمة. وفي هذا السياق فإن القوى المتضررة من الثورة قد تتحول إلى أعداء للثورة إن اقتصر دورها على ردود الأفعال البسيطة، أو إلى ثورة مضادة إن نظمت صفوفها وخططت للانقضاض على الثورة والالتفاف على أهدافها. "
و يشرح د. محمد ضيف الله مواقف تلك القوى الخفية وراء موجة العنف: " نلاحظ طيلة الأشهر الماضية التحولات التي طرأت على مواقف تلك القوى، حيث وصلت إلى تكوين أحزاب والتنسيق بينها وتقديم مبادرات للتأثير على عملية الانتقال الديمقراطي. وأعتقد أن الموجة الأخيرة من الانفلات الأمني التي عرفتها مناطق مختلفة من البلاد من الشمال إلى الجنوب ومن الدواخل إلى السواحل، والتي انطلقت تقريبا في نفس الفترة إن لم يكن في نفس اليوم، لا يمكن أن تعتبر بأي حال عشوائية أو عفوية. ولنتذكر هنا أن وزارة الداخلية نفسها أوحت في شهر شباط الماضي بأن من كان يقف وراء أحداث مماثلة نشبت آنذاك، إنما هم أزلام التجمع الدستوري الديمقراطي، بما جعلها تقدم على اتخاذ إجراءات لحله. "
ويضيف الأستاذ الجامعي د. ضيف الله " اليوم أعتقد أن الانفلات الأمني يندرج ضمن خطة لابتزاز الأطراف السياسيين حتى يقبلوا بالحد من سلطات المجلس التأسيسي، الذي يعتبر بحق أهم إنجازات الثورة. ولا أعتقد أن الحكومة ترى ضيرا في ذلك وهي التي تعتبر في جزء كبير منها امتدادا للنظام القديم، وقد تتذرع في سبيل ذلك بمواقف بعض الأحزاب المتناغمة مع التجمعيين. إلا أن الضغط عليها من الأطراف ذات المصلحة في الثورة قد يجبرها على عدم الخضوع لذلك الابتزاز. وحينئذ سوف يوفي استحقاق 23 تشرين الأول (أكتوبر) بكل وعوده بإعادة السلطة للشعب وصياغة معالم نظام جديد يقطع مع الاستبداد والفساد. "
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)