توتر علاقة الجزائر مع ثوار ليبيا: هل هو الخوف من القاعدة أم من العدوى؟
في وقت تتسابق دول وحكومات العالم لاسترضاء الثوار المنتصرين في ليبيا وعلى رأسهم المجلس الانتقالي الليبي، طمعا في نصيب من كعكة مشاريع إعادة البناء والنفط، بقي الموقف الجزائري المتحفظ من المجلس يثير الكثير من تساؤلات الملاحظين السياسيّين المحليين منهم والدوليين، عن دوافع الموقف وتأثيره على العلاقات…
في وقت تتسابق دول وحكومات العالم لاسترضاء الثوار المنتصرين في ليبيا وعلى رأسهم المجلس الانتقالي الليبي، طمعا في نصيب من كعكة مشاريع إعادة البناء والنفط، بقي الموقف الجزائري المتحفظ من المجلس يثير الكثير من تساؤلات الملاحظين السياسيّين المحليين منهم والدوليين، عن دوافع الموقف وتأثيره على العلاقات المستقبلية بين البلديين الجاريين.
ولم تعرف العلاقات الجزائرية الليبية منذ الفترة العثمانية كدر طافح مثل ما هو عليه الحال هذه المرة، حتى حين كانت نوبات الجنون تصيب العقيد القدافي فيدعوا تارة لإنشاء دولة التوارق، ويتقرب تارة أخرى قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ أيام خلافها مع النظام في بداية تسعينات القرن الماضي، لم تُسد القنوات الدبلوماسية، وكانت الأزمات الطارئة تنتهي بتغير مزاج العقيد المتقلب.
لكن الموقف الجزائري الرسمي بدا غامضا' وضبابيا بعد اندلاع الثورة الشعبية الليبية في 17 فبراير الماضي، فأعلنت الجزائر أنها تلتزم موقف المحايد كما حصل مع مصر وتونس، لكن الشنآن والاتهامات المتبادلة مع أقطاب المجلس الانتقالي في بنغازي ما فتأت تتصاعد، وبلغت ذروتها بعد سيطرة الثوار على طرابس وإزاحة نظام القذافي وأبنائه عمليا عن الحكم، فما هي الأسباب الحقيقية لهذا التوتر، وما تأثيره على العلاقات الثنائية والعلاقات المغاربية عموما؟
يرى بعض العارفين بالعلاقات الخاصة التي تجمع العقيد معمر القدافي بأركان النظام في الجزائر، أن العقيد كان لهم كنزا لا يمكن تعويضه، فقد كان كرمه المالي بدون حساب، فقصة منحه الجزائر مئات الملايير من الدولارات أيام أزمتها الأمنية والاقتصادية أوائل تسعينات القرن الماضي معروفة، بعد أن أغلقت الدول المانحة والصناديق الدولية في وجهها عمليات الإقراض.
كما يتحدث الكثير من العارفين عن التمويلات الضخمة للعقيد وأبنائه، للمشاريع الخاصة لبعض النافذين في النظام الجزائري وأبنائهم، وقصص إنفاق سيف الإسلام أثاء رحلات الصيد في الجنوب الجزائري التي نافست قصص أمراء الخليج. لكن تلك الأموال لم تكن من جيب القذافي حتى تُحفظ له كمكرمة، بل هي أموال الشعب الليبي التي تفنن العقيد في تبديدها.
مراقبون آخرون يرون أن الدور الفرنسي في دعم المجلس الانتقالي والنفوذ الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية لساركوزي على الثوار هو السبب الأسّاسي لهذا التوجس، فالحساسيات التاريخية بين الجزائر وفرنسا بقيت دائما تلقي بضلالها على العلاقات المشتركة، وعلى المواقف من الأحداث الإقليمية والدولية التي تحشر باريس أنفها فيها، وقد بقيت التحركات الفرنسية في المنطقة تثير التوجسات لدى السلطات المتعاقبة في الجزائر، منذ إستقلال الجزائر عام 1962. لكن هذا المبرر يبدوا متهافت إذ أن معظم رموز النظام يحتفظون بعلاقات خاصة مع فرنسا وساستها، وبعضهم يحمل إقامة دائمة بها، بل ومنهم يتبجح بدراسة أولاده بمدارسها وجامعاتها، فأين ذلك التحرز لكل ما هو فرنسي؟ اللهم إلّا إذا كان الخطاب موجها لاستغفال الداخل.
أما السبب المعلن الأكثر بروزا هو ظهور قيادات الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية على رأس الوحدات العسكرية الثوار خاصة بعد الظهور الإعلامي اللافت الذي حضي به القائد السابق للجماعة عبد الحكيم الخويلدي بلحاج المعروف حركيا باسم أبو عبد الله الصادق بعد دخوله لطرابلس، وقصة بلحاج وقيادات المقاتلة الأخريين مع الجزائر تعود لأواسط تسعينات القرن الماضي إذ بادرت الجماعة الليبية المقاتلة الذي كان عبد الحكيم بلحاج من أبرز قادتها لإرسال مجموعات من المتطوعين إلى داخل التراب الجزائري للقتال في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) بعد استقدامهم من أفغانستان، دعما للجهاد وتحضيرا لهم لفتح جبهة ليبيا في ما بعد حسب ما كان مخطط له، لكن سيطرة التيار التكفيري على قيادة الجماعة المسلحة الجزائرية بداية من سنة 1995، جعل المقاتلون الليبيون من أوائل ضحايا الجماعة في نهجها الجديد فأعدم أكثرهم بينهم قيادات كبيرة ومقاتلين معروفون في الجماعة مثل أبو عجيلة الرايس وعبد الله عمر وغيرهم، ولم يخرج من الجزائر سالما إلا عدد قليل منهم بعد أهوال عاشوها وقد أسهب المسئول الإعلامي للجماعة نعمان بن عثمان أبو تمامة في تفصيل أحداث القصة في كتاباته المتعددة في السنين الأخيرة . واتخاذ الحكومة الجزائرية لهذا الحادث سببا لريبتها من الثوار مردود من عدة نواحي:
أولها أن قيادة الجماعة اعترفت في ما بعد بخطئها، وسحبت ما بقي من مقاتليها، بل وقامت بحملة كبيرة في أوربا وباكستان وأفغانستان للتحذير من الجماعة المسلحة الجزائرية وتبيين نهجها الإجرامي، وكان لها دورا كبيرا في توقف الجماعات الجهادية الأممية في دعم الجماعة الإسلامية المسلحة بل وحتى في انشقاق عديد المجموعات عنها في الداخل.
ـ ثانيها أن عبد الحكيم بلحاج قاد الجماعة بداية من 1995 أي في الفترة الأخيرة تواجد المقاتلون الليبيون بالجزائر، وأشرف بنفسه على سحب المتطوعين، وعلى الحملة الإعلامية ضد الجماعة المسلحة في الجزائر.
ـ ثالثها أن الجماعة قد عدلت عن نهج العنف وجنحت لخيار المغالبة السياسية والحلول السلمية، وقامت بمراجعات فكرية عميقة لنهجها الفكري، حملها كتابها (دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس) المنشور في 2010 والذي بموجبه أطلق سراح قيادات القاعدة وعلى رأسهم بلحاج وسامي الساعدي وغيرهم من السجون الليبية في نفس العام، بوساطة وإشراف من مؤسسة القدافي الخيرية وعلى رأسها نجله سيف الإسلام.
كما أن فتح باب الحرية والتعددية الحقيقية والعدالة الاجتماعية في ليبيا كفيل بتجفيف منابع العنف والإرهاب، وفتح باب التدافع الفكري السلمي. وبالتالي إن الخوف على مناطق الثروة النفطية بالجنوب الشرقي الجزائري مع الحدود الليبية فيه الكثير من المبالغة بل والتهويل المريب.
نصل في الأخير إلى أنّ الخوف من انتقال عدوى الثورات الشعبية المسلحة منها والسلمية إلى الجزائر، هو الهاجس الحقيقي المخفي لدى الكثير من مسئولي النظام الجزائري، وهو خوف حقيقي وقائم، إذ لن تكون هناك بلاد عربية بعيدة عن الثورات إلّا إذا حصنت نفسها بتكريس العدالة والحرية والتنمية الحقيقية لشعبها، والتداول السلمي على السلطة.
فعلى القائمين على شؤون الحكم في الجزائر إن راموا السلامة والذكر الحسن لأوطانهم وأشخاصهم أن يكفوا عن تعليق مشاكلهم ومخاوفهم على مشاجب الغير، وأن يرتدعوا عن خلق أزمات محلية كانت أو إقليمية للتعمية والإلهاء عن الأوضاع الداخلية، كما عليهم أن يرتدعوا قبل ذلك عن وعودهم العرقوبية لشعبهم بالإصلاحات والتغيير التدريجي، وشرائهم السلم الاجتماعي بمسكنات ظرفية، ويسلموا بدون إبطاء دفة التسيير لمن يختارهم الشعب، وإلا سيجرفهم السيل سيل الشعوب....
الجزائر تايمز / عبد الغني بلقيروس
كاتب وباحث جزائري
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)