كيف استطاع نظام فاسد محتضر أن يقهر شعبا ثائرا؟!
بعد مرور أكثر من عام على تعرض مقر فدرالية جبهة القوى الاشتراكية بغرداية إلى هجوم ومحاولة اقتحام غادر من طرف عصابات "البلطجية"، لم يستطع المناضلون الميدانيون السابقون للحزب نسيان الخيانة والطعنة الغادرة التي تعرضوا لها من الخلف وتركت أثرا عميقا في الذاكرة الجماعية للمناضلين خاصة أنها جاءت ممن واجبه…
بعد مرور أكثر من عام على تعرض مقر فدرالية جبهة القوى الاشتراكية بغرداية إلى هجوم ومحاولة اقتحام غادر من طرف عصابات "البلطجية"، لم يستطع المناضلون الميدانيون السابقون للحزب نسيان الخيانة والطعنة الغادرة التي تعرضوا لها من الخلف وتركت أثرا عميقا في الذاكرة الجماعية للمناضلين خاصة أنها جاءت ممن واجبه هو الوقوف معهم وقت الشدة، و لم يستوعبوا كيف تحول حزب جبهة القوى الاشتراكية مع الوقت، من قلعة للمعارضة الشرسة ضد ظلم السلطة الحاكمة لكل الجزائريين ـ فكان الأمل الوحيد للمناضلين و الوسيلة المثلى للنضال من أجل التغيير إلى الديمقراطية الحقيقية واحترام الحقوق والحريات ـ إلى حزب مسالم ومهادن وغير ممانع، لكل تجاوزات السلطة، لا يقلق أحدا، مقلم الأظافر، لا يسمع لا يرى لا يتكلم، غائب عن الساحة السياسية و في نفس الوقت انقلب داخليا إلى غول يلتهم أبناؤه (مناضليه) في كل أنحاء الجزائر و مؤخرا في غرداية، وفي وقت قياسي صار المناضلون، العدو رقم واحد لحزب "كريم طابو" ـ الافافاس ـ الذين يجب تحطيمهم بكل الوسائل الممكنة، وتلطيخ سمعتهم بالدعايات الكاذبة والتحالف ضدهم مع كل أعداء الحزب، السلطة وأذنابها في غرداية!! وهم من كانوا وبالأمس القريب من رموز النضال، يضرب بهم المثل في النزاهة و التضحية والثبات والعمل الميداني المتواصل، و شرفوا اسم الحزب العتيد محليا ووطنيا وحتى دوليا، رغم الحرب الشرسة التي تشنها عليهم السلطة منذ عدة سنوات وتعرضهم للمضايقات البوليسية والمحاكمات المفبركة والدخول للسجن والحرمان من حقوقهم السياسية وحتى الاقتصادية بسبب انتمائهم الحزبي، ورفضهم التنازل عنه.
ومحاولة لفهم ما جرى في غرداية ولرفع اللبس ولكي يعرف الجميع الحقيقة، خاصة ما تبقي من مناضلين حقيقيين في الحزب، وليتحمل كل واحد مسؤوليته، نقدم هذا السرد للأحداث التي تبدو منفصلة في بداية وقوعها ولكن تطوراتها عاما بعد ذلك أثبت ارتباطها الوثيق بعضها ببعض:
ـ بتاريخ 1 جوان 2010 راسل نشطاء حقوقيين في غرداية ـ كنت واحد منهم ـ رئيس الجمهورية للمطالبة باحترام حق الأقلية المزابية في الوجود دستوريا، وكان المتتبعون للقضية ينتظرون ردة فعل السلطة ونوعيتها ضد الممضين على الوثيقة، نظرا لحساسية الموضوع و خاصة إمكانية استغلال السلطة لنقص الثقافة القانونية ومعرفة الحقوق المدنية والسياسية، والأحكام المسبقة المغلوطة التي توجه لمجرد التفوه بكلمة "الأقلية" (الفتنة، الانفصال، الاستقلال الذاتي ، التدخل الخارجي ... إلخ) فكان الرد سريعا، قاسيا وخبيثا شهرين بعد ذلك، وهو ما سمي " قضية أحداث المسجد العتيق" المفتعلة والمخطط لها بكل خسة.
ـ يعتبر المسجد العتيق، المسجد الوحيد في منطقة مزاب كلها و من القلائل في كامل التراب الجزائري الذي رفض تمرير الخطابات السياسية و الانتخابية من منابره مهما كان مصدره، مثل التهليل للمصالحة الوطنية و مباركة العهدة الثالثة، وعلى رأسه الإمام الشاب "الشيخ صالح إبراهيم"، مما أثار إعجاب واستحسان المعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين، وقد قامت السلطة بمحاولات عديدة لعزله وإقصائه ولكن بقيت دون جدوى، وقد استغلت السلطة وبطريقة خبيثة، التعاطف الذي يحظى به الإمام الشرعي وإمكانية مساندته إذا تعرض للعزل، فلعبت وبدهاء أوراقها كاملة لإحداث التصادم المحتوم، و الذي ستستغله وقت الحاجة، وهكذا استعملت السلطة سماسرة مزابيين من خارج المسجد، معروفين باتصالاتهم مع الجهات الأمنية وعلاقتهم مع أوساط المنحرفين والمدمنين (البلطجية) و بتواطؤ مع بعض الأئمة داخل المسجد، وقد شكل هذا التحالف للانقلاب ضد الإمام الشاب "الشيخ صالح إبراهيم"و تم طرده من طرف البلطجية بالقوة من المسجد يوم الأربعاء 18 أوت 2010 مما أدى إلى وقوع مناوشات بين المتعاطفين معه و"البلطجية"، وبعد ذلك صار المسجد العتيق تحت سيطرة السلطة ومنبرا من منابرها مثل بقية المساجد الأخرى.
ـ وفي ليلة الخميس 19 أوت 2010، عندما توجهت رفقة بعض الأصدقاء إلى المسجد العتيق للصلاة، فوجئنا في إحدى الطرقات المؤدية إلى المسجد بمجموعة من هؤلاء المنحرفين، يعترضون طريقنا، وقد اعتدوا بالضرب على كل من حاول المرور، وقد تعرضت شخصيا لمحاولة اغتيال غادرة، و بالرغم من تقديم شكاوى ضد المعتدين مع الشهادات الطبية التي تصل إلى (20) يوم من العجز المؤقت وشهادة الشهود إلا أنهم لم يتابعوا قضائيا إلى يومنا هذا ؟!
ـ نصف ساعة بعد ذلك وفي حادثة غير مسبوقة بالمنطقة، وفي حوالي منتصف الليل تجمع العشرات من المنحرفين متعودي الإجرام والمدمنين، الذين استعملوا لفرض الانقلاب في المسجد والكثير منهم معروف بعمله كمؤشر ومخبر لدى جهاز الأمن في غرداية، وكانوا مسلحين بالعصي والأسلحة البيضاء والحجارة، حاولوا اقتحام مقر الحزب بالقوة وهم في حالة هستريا وروائح الخمر والدليون تملأ الأجواء وهم يصرخون ويهددونين كمال الدين فخا بحرق المقر، وقد تعرض المناضلون إلى جروح متفاوتة الخطورة بسبب تعرضهم للضرب بالسلاح الأبيض و للقذف بالحجارة و هم يدافعون عن المقر، و لولا شجاعتهم واستبسالهم في منع البلطجية من اقتحامه لوقعت مجزرة بأتم معنى الكلمة نظرا لتواجد العديد من المناضلين المسنين داخل المقر، وبالرغم من كل هذه الجرائم فقد كيفت النيابة هذا الاعتداء عاما بعد الحادثة إلى مخالفة بسيطة !!
ـ والذي يؤكد المؤامرة والتخطيط المسبق للأحداث، هو عدم مجيء الشرطة إلى مكان الحادث إلا بعد أكثر من نصف ساعة، و بسيارة واحدة !! و قد تم ركنها بعيدا عن مقر الحزب وتقدموا ببطء تاركين المجال والوقت الكافي للمعتدين للفرار من مكان الجريمة؟ وهكذا من أكثر من 100 معتدي لم يتم القبض على أي واحد منهم في حالة تلبس؟ بالرغم من أن مقر الحزب يقع على بعد مئة متر من حاجز ثابت للشرطة، وبالرغم من الاتصالات العديدة منذ الدقائق الأولى للاعتداء! في تكرار لممارسات السلطة ـ بالحجم المصغرـ وقت الأحداث المأساوية في التسعينات من القرن الماضي، مجازر "بن طلحة"، "الرايس"، "الرمكة"، "بوتركفين"...الخ
أخطر في الأمر هو تطور الأحداث الذي يؤكد وجود مؤامرة كبرى، و يدفع لطرح العديد من الأسئلة عن التخطيط المسبق بين أطراف ما في السلطة والأمين الأول لحزب جبهة القوى الاشتراكية، وكذلك عن الدور الذي لعبه "طابو كريم" في هذه الجريمة، وهذا ما تبينه الوقائع التالية:
ـ رفض رجال الضبطية القضائية استلام شكوى ضد الاعتداء السافر على مقر الحزب بالرغم من إصرار مسؤول الفدرالية وتنقله مرتين إلى مقر الشرطة، معللين ذلك بوجود مراسلة من الأمين الوطني للحزب "كريم طابو"؟ ! مفادها أن فدرالية غرداية منحلة وغير شرعية؟! أي أن المعتدين على المقر كانوا على يقين من عدم القبض عليهم وحتى من عدم متابعتهم قضائيا مهما فعلوا !!
ـ رفض السكرتير الأول للحزب الإجابة والرد على العشرات من نداءات الاستغاثة من طرف المناضلين المحاصرين داخل المقر من طرف البلطجية ، تاركا إياهم يواجهون مصيرهم المجهول.
ـ تناقض الأمين الأول للحزب بين أقواله وأفعاله فعندما تحدثت شخصيا معه، حوالي شهر قبل الحادثة عن الخلفيات السياسية للنزاع الذي افتعلته السلطة للإطاحة بالإمام الشرعي الشاب "الشيخ صالح إبراهيم" صرح بالحرف الواحد "إن حزب الافافاس حزب لائكي ولا يهمه المساجد وما يجري فيها"، ولكن اكتشفنا فيما بعد أنه التقى في مكتبه وخارجه عدة مرات مع السماسرة الذين استعملتهم السلطة لتنفيذ الانقلاب وطرد الأمام الشرعي للمسجد العتيق بواسطة البلطجية !؟ ولم يكتف بذلك بل أرسل وفدا إلى غرداية التقى بالأئمة الذين نفذوا الانقلاب شهرا بعد ذلك، في لقاء مطول داخل حرم المسجد العتيق!؟
ـ إن "كريم طابو" قد صرح في عدة مناسبات بأن حزب(ه) (الديمقراطي التقدمي) هو ضد حقوق الأقليات و لا يعترف بوجود الأقليات إطلاقا!؟ وهذا في تناقض صارخ مع القانون الأساسي للحزب الذي ينص صراحة بضرورة الاحترام والسهر على تنفيذ جميع المعاهدات الدولية في مجال احترام حقوق الإنسان و منها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الجزائر بمقتضى المرسوم الرئاسي 89/67، الذي ينص في المادة 27 منه على:"لا يجوز في الدول التي فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة، من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالمشاركة مع الأعضاء الآخرين في جماعته."
ـ لم يحرك كريم طابو ساكنا، ولم يندد ولم يرسل وفدا لزيارة المناضلين الذين تعرضوا للضرب والجرح و حتى لخطر الموت وهم يدافعون وبكل بسالة عن مقر الحزب؟ بل وعلى العكس من ذلك تماما فقد قدم نفس المسؤول اعتذارا مكتوبا للائمة الانقلابيين الذين باركوا هجوم "البلطجية" على مقر الحزب؟!
ـ للتذكير فهذه ليست المرة الأولى التي يتجاهل فيها كريم طابو مناضلي الحزب في حالة خطر، فما حدث في غرداية هي إعادة لسيناريو المعاملة اللامسؤولة والمثيرة للاستغراب والتساؤل التي تعرض لها مناضلي الحزب فرع بريان وهذا بتجاهلهم تماما وحتى مجرد رسالة مواساة لعائلة الفقيد، الأستاذ "كروشي عمر" السكرتير الأول للفرع بعد الاغتيال الغادر و البشع الذي كان ضحيته، أو حين تعرض مقر الحزب للاعتداء والتخريب، ولم يرسل حتى محامين للوقوف مع المناضلين الموقوفين لأسباب واهية بمناسبة أحداث بريان الأليمة المفتعلة!! مما تسبب في انسحاب جميع مناضلي فرع بريان من الحزب.
بالرغم من عدم نجاح السلطة في خطتها بواسطة هذه الحادثة المفتعلة، في القضاء نهائيا على كل نشاط معارض أو مطالبة بالحقوق في غرداية، كما حصل في مدينة بريان، إلا إن جهودها لم تذهب هباء، حيث كانت الفرصة السانحة للسلطة وكالعادة لإلصاق العشرات والعشرات من التهم ضد المعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين بغرداية، وربما ستدخل موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية حيث وصل عددها إلى مائة وثمانية عشر، نعم (118) قضية، مبرمجة على امتداد سنة كاملة ليعيش المناضلون جحيما يوميا في أروقة المحاكم !! وكالعادة أيضا كان جهاز الأمن مع مرتزقته من البلطجية وذوي المصالح وجهاز العدالة خاصة مصالح النيابة في تأهب وترقب لتنفيذ هذه المهمة القذرة.
إن انحراف الحزب تحت قيادة كريم طابو عن مبادئه وتوجهاته صارت معروفة و مستهلكة ليس في غرداية وحدها ـ حيث رد مناضلي غرداية بالاستقالة الجماعية من الحزب في حينها ـ ولكن في غالب الولايات التي كان يتواجد فيه الحزب، فكم من إطار أقصي أو همش لأتفه الأسباب، وكم من فدرالية جمد نشاطها، وأخص بالذكر فدرالية "بومرداس" التي كانت من أنشط الفدراليات وقد جمد "كريم طابو" جميع نشاطاتها منذ أكثر من أربع سنوات إلى يومنا هذا !!.
إن جملة من الأسئلة تطرح نفسها و تنتظر الجواب الصادق مع النفس من الجميع، خاصة المناضلين النزهاء، الذين ما زالوا يناضلون تحت لواء الحزب وهم مؤمنون بمبادئ وأفكار حزب جبهة القوى الاشتراكية المعروفة:
ـ من المستفيد من مثل هذه الجرائم؟
ـ هل يعود هذا إلى تقاطع ظرفي لمصالح حزب الافافاس تحت قيادة كريم طابو مع مصالح السلطة ؟
ـ أم هل هناك أسباب أخرى؟ مثل ملفات ما، هددت قيادات حزبية بها ؟ أم مقابل ما؟ امتيازات للمسؤولين الحزبيين؟ أو ببساطة كوطات للحزب في الانتخابات المقبلة سنة 2012 ؟؟ أو كل هذه الأسباب مجتمعة في نفس الوقت؟
ـ هل هي مرحلة جديدة في تاريخ الحزب ومؤشر على دخوله بيت الطاعة، ويتجلى ذلك في الغياب التام للحزب عن الساحة السياسية الوطنية، خاصة مع التطورات الهائلة على المستوى الإقليمي والدولي (الربيع العربي) فضحى "كريم طابو" السكرتير الأول للحزب، بمناضلي فدرالية غرداية ـ الغير قابلين للترويض ولا للتطبيع ـ بكل برودة، بطعنة قاسية غير منتظرة من الخلف وفي حركة خيانة لا مثيل لها وقد اختارت السلطة الوقت الحرج لتأمره بتنفيذها!!
ـ هل ما نفذه كريم طابو في غرداية، يدخل في إطار مخطط ما، لتفريغ آخر حزب معارض من مناضليه وتحطيم هياكله التنظيمية (فروع وفدراليات) من الداخل؟
إن الخيانة لمن أسلحة الدمار الشامل التي يستحيل السكوت عنها، لأنه ليس هناك أي مبرر للخيانة ، ومن يخن مرة سيخون مرات، وهي تفجر وتشتت الجماعات و تسبب الإحباط والكآبة، وعلى المدى الطويل تخلق جوا من الشك و عدم الثقة بين الجميع، يستحيل معه أي عمل جماعي.
إن النظام الجزائري هو نظام فاسد متهالك، نهب خيرات البلد ورهن مستقبل أجياله وهو يحتضر منذ سنوات والسر الوحيد في بقائه في سدة الحكم إلى يومنا هذا ـ بالرغم من الحراك و الزلزال الذي هز جميع الأنظمة الدكتاتورية والشمولية في المنطقة ـ هو وجود أفراد من النخبة والطبقة المثقفة وقيادات الأحزاب السياسية والنقابات والصحافة، الذين يدفعهم و طمعهم وجشعهم و طموحهم الزائد عن اللزوم، إلى قبول كل شيء والتنكر لكل المبادئ و خيانة حتى أقرب الناس إليهم وهذا ما استغلته السلطة و عملت به بقوة ونجحت فيه أيما نجاح.
فهل قدر الشعب الجزائري الثائر دوما، أن يبقى يرزأ تحت حكم المستعمرين و الطغاة، بسبب الخيانات المتكررة منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا.
الجزائر تايمز / إمضاء د. فخار كمال الدين
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)