سلطة الشعوب بديلا لسلطة الجيوش
حملت ثورات التحرر من الاستعمار في البلاد العربية النخب العسكرية إلى سدة الحكم، وكان ذلك يحدث بصورة شبه تلقائية وبترحيب واسع من الأهالي. كان الجيش هو الوريث الشرعي للسلطة في البلاد العربية بعد مغادرة المستعمر، وكان ذلك يبدو أمرا عاديا لا حرج فيه بالنسبة للكثيرين، ولم يكن مهما أن يكون نقل السلطة بقوة…
حملت ثورات التحرر من الاستعمار في البلاد العربية النخب العسكرية إلى سدة الحكم، وكان ذلك يحدث بصورة شبه تلقائية وبترحيب واسع من الأهالي. كان الجيش هو الوريث الشرعي للسلطة في البلاد العربية بعد مغادرة المستعمر، وكان ذلك يبدو أمرا عاديا لا حرج فيه بالنسبة للكثيرين، ولم يكن مهما أن يكون نقل السلطة بقوة البيان رقم واحد أو بانتخابات مزورة، لأن الأهم في تلك المرحلة هو أن البلد حصل على استقلاله ولا بدّ لجيش التحرير أن يتولى دفة الحكم في هذا البلد أو ذاك جزاء تضحياته وبسالته في مكافحة المستعمر، ومن هنالك ولد ما صار يعرف بمصطلح الشرعية الثورية التي غطت على الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية، الجيش هو الذي يقرر مصير البلاد والعباد ويرسم السياسة التنموية وفق ما يمليه عليه هواه.
شاهدنا ذلك في كثير من البلاد العربية، في مصر والعراق وسورية والجزائر وليبيا وغيرها. كان التداول الوحيد للسلطة يتم بين الضباط عن طريق الانقلابات الدموية أو وفاة الحاكم العسكري، تحول الجيش إلى رمز مقدس لا يمكن لأي شخص أو تنظيم مخاصمته أو انتقاده، فهو حامي حمى الوطن والشعب والتاريخ والحاضر والمستقبل، وكل من كانت تسول له نفسه تجاوز الخط الأحمر كان يلقى بسرعة خاطفة مصيره اغتيالا أو سجنا أو نفيا. ويكفي الآن أن نعود قليلا إلى الوراء لنجد أن جلّ حكام بلاد الشرعية الثورية يحملون لقب عقيد أو مشير أو جنرال ورثوا عروشهم بالقوة وقرروا أن يخلدوا في الحكم ويورثوا أبناءهم من بعدهم لأنهم يرون أنهم أصحاب هذا الحق ولا أحد بإمكانه أن ينازعهم فيه، لا الشعب ولا الدستور ولا ما يسمى بقوى المعارضة.
مرت الأعوام وترسخت معها لدى الحاكم فكرة أحقيته بالملك وبنى له في نفس الوقت حقيقة واهية مفادها أنه موجود هناك لأن الشعب راض به وبكل ما يأتي منه، وكلنا يتذكر تلك الكلمات الخالدة التي قالها العقيد معمر القذافي أولا عندما سُئل عن المسيرات الشعبية التي بدأت في ليبيا إيذانا بانطلاق الانتفاضة الشعبية، حينها رد باستهتار أن تلك المسيرات ستخرج تأييدا له وأنه هو نفسه سيخرج مع الناس إلى الشارع للهتاف بحياته، وثانيا عندما سألته مراسلة قناة سي أن أن عن إمكانية خروجه من بلده لينجو من قبضة الثوار فرد عليها بعد قهقهة أطلقها بصعوبة (فيه واحد يهرب من بلادو؟) وأضاف بلغة الواثق أن شعبه يحبه والناس مستعدون للموت فداء له. نحن البسطاء من الناس قد يتبادر إلى أذهاننا أن القذافي وغيره من حكام الشرعية التاريخية والثورية يضحكون ويكذبون علينا بكلامهم هذا، إلا أن بعض المختصين في تحليل نفسيات هذا الصنف من المستبدين يؤكدون أن كثيرا منهم صاروا بمرور الوقت يؤمنون بما يقولون ولا يفكرون لحظة أنهم يكذبون على أنفسهم وعلى الناس، ولعل هذا الذي يفسر استماتة القذافي وصالح والأسد ومبارك وزين العابدين في صد كل محاولة للتغيير السلمي لنمط الحكم في بلدانهم، وكان أول رد فعل لهم هو إصدار أوامر بتسليط زبانية المخابرات والبوليس السياسي وأمن الدولة لقمع الناس ولا يهم كم روحا تزهق ولا تأثر الاقتصاد وحياة الناس بذلك، وخفي عليهم أن عجلة التاريخ تدور وأن الباطل سيهزم مهما طال به الأمد وأن وقت ذلك قد حان.
الشعوب العربية والشباب منهم خاصة رأوا أن العالم من حولهم يتغير وأن بقاءهم تحت رحمة الديكتاتوريين لم يعد يطاق، فقرروا أن يطيحوا بالأصنام ولو كلفهم ذلك حياتهم، فهم أصلا لم يكونوا يرون أنفسهم أحياء، بل جثثا ترى وتسمع وتنتظر الموت، لم يترك الحكام في نفوس الشباب ذرة أمل ولا رغبة في الحياة ومحوا من قواميسهم كل ما يحيي النفس وينشر التفاؤل في المرء. شباب يكره بلاده بشكل غريب وكل أمله أن تتاح له فرصة تخرجه من أرضه وترمي به في أحضان الغربة بكل مخاطرها ومجاهيلها. صنع الشباب ثورتهم في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والباقي آت لا محالة، وسجلوا صفحة جديدة من التاريخ العربي المعاصر عنوانها الشرعية الشعبية.
الشرعية الثورية وشرعية الانقلابات انتهت وبطل مفعولها وكلها زائل لا محالة، فهي فقط مسألة وقت ولن يطول هذه المرة بالتأكيد. الجيوش بمفهومها التقليدي لم يعد لها هي الأخرى مكان في حاضر الأمة ومستقبلها، وليست هذه أمنية ولا تخريف بل هو الواقع الذي وصل إليه مسار العالم أجمع والعرب لا يمكن أن يعيشوا مدة أطول بمعزل عنه. الشعوب العربية انتفضت وهي الآن تشق طريقها لتثبيت أسس حكمها بما يخدم مصلحة البلد والمجموعة الوطنية، بعد أن كان حكم الشرعية الثورية مسخرا لخدمة مصالح فئوية لا تتعدى زمر الأنظمة الحاكمة والانتهازيين المتعلقين بتلابيبها.
كانت النخب العربية الحاكمة قادرة على قيادة عجلة التغيير في المنطقة لو أنها تخلصت من أنانيتها وألجمت شهيتها ووضعت جيوشها على سكة العصرنة والحداثة، بعد أن تبين أن هذه الجيوش بالصيغة التي هي عليها الآن لا يمكنها أبدا أن تتولى مهمة حماية الوطن التي أسندتها إليها الدساتير على اختلافها، ذلك أن التحديات والمخاطر التي صارت محدقة بالبلدان الآن ليست ما كنا نراه من التدخلات والغزوات العسكرية السافرة، بل تطورت واتخذت أشكالا أخرى بأسلحة حديثة اقتصادية وتكنولوجية وإعلامية أخرى. فقدت الجيوش العربية جوهرها وتجاوزتها الأحداث، هي لا تزال تؤدي مهمة الدفاع والحماية دائما لكن ليس للوطن، بل لزمر الحكم والفساد فتحولت من نصيرة للشعوب إلى عدو لها. وليس أغرب من أن يرى المرء كيف صار الانخراط في أسلاك الجيش والأمن المختلفة حلما لدى كثير من الناس، ليس بهدف خدمة الوطن والدفاع عنه طبعا، بل لأن العمل في هذا القطاع صار السبيل الوحيد تقريبا لكي يضمن المرء مستقبله المادي ويعيش حياة الرفاهية، ويذكر أحد الأصدقاء في هذا الصدد كيف أن الانخراط في جيوش عربية كثيرة صار متاحا للذين يدفعون أموالا طائلة، أي أن الخدمة العسكرية باتت استثمارا مضمونا لا مكان فيه للمخاطرة أبدا. الحروب التقليدية انتهت والجيوش التقليدية أيضا مصيرها الزوال، ونحن نرى كيف أن كثيرا من البلدان العربية إن لم يكن كلها صارت مرتعا للقوى الخارجية التي يمكن أن نطلق عليها اسم الاستعمار الجديد. الحكام العرب لم يعودوا قادرين، بكل جيوشهم وترسانات الأسلحة التي يقتنونها، على حماية ثروات بلدانهم ولم يعودوا يتحكمون في القرارات السياسية والمصيرية لبلدانهم وهم بطبيعة الحال لا يجهلون ذلك، بل لا يهمهم أن يسلموا البلد على طبق من ذهب إلى القوى الخارجية، وأن يرهنوا مصير ومستقبل بلدانهم وشعوبهم مقابل ضمان واحد أن يخلدوا هم وذرياتهم في الحكم وأن يضمنوا استمرار مصالحهم الشخصية الضيقة. عجلة التغيير تحركت والمنتظر فقط من الشعوب أن ترفع التحدي وتنجح في مهمتها التاريخية الجديدة حتى تحفظ لها الذاكرة ذلك.
الجزائر تايمز/ خضير بوقايلة القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)