الطاغية في رداء المبدع!
ثورة ثقافية تواكب ثورات الربيع العربي باتت أكثر من ضرورة ملحّة، كي لا تقع الثورات بعد انتصارها في التخبّط، ولا يتحول طيف الحرية إلى سراب. ولكي تنغلق الأبواب والشبابيك أمام التسلل الخفي لقوى الطغيان في عودتها للإمساك بزمام الأمور، والتسلق على شجرة الثورة. فالطاغية الحاكم ليس مجرد تشكيلات عسكرية…
ثورة ثقافية تواكب ثورات الربيع العربي باتت أكثر من ضرورة ملحّة، كي لا تقع الثورات بعد انتصارها في التخبّط، ولا يتحول طيف الحرية إلى سراب. ولكي تنغلق الأبواب والشبابيك أمام التسلل الخفي لقوى الطغيان في عودتها للإمساك بزمام الأمور، والتسلق على شجرة الثورة.
فالطاغية الحاكم ليس مجرد تشكيلات عسكرية وأجهزة أمنية، بل له امتداداته الاقتصادية والإعلامية والثقافية، هو كالأخطبوط الذي يمدد خلاياه في كل مفاصل الحياة.
وفي موضوعنا الثقافي، طغى مبدعون في ظلال الطاغية الحاكم، وجعلوا من الثقافة باتجاهاتها أن تتجه نحو اتجاه واحد يبسمل ويحمدل للحاكم الواحد الأحد.
وفي ظلال الطاغية الحاكم تكرّس جيش من الكتبة على أنهم مبدعون تتزيّن سماء المشهد الثقافي بنجوميتهم، لا ثقافة تتحرك خارج ظلاله القائمة بالمؤسسات، حتى صدقنا أن الثقافة التي تنتجها هذه المؤسسات هي الثقافة التي تتقدم بنا كأمة متحضرة وستعبر بنا إلى مصاف الثقافات العالمية الخالدة.
لقد تأخرنا في اكتشاف أن الثقافة التي أنتجناها في العقود الأخيرة ما هي إلا ثقافة خشبية، وكنا نحسبها على عصر النهضة. هذه التي ارتبطت بالحكم الوطني الذي اتسم بالاستبداد السلطوي، ودمغ كل مناهج الحياة على شاكلته وحسب إرادته المدعومة بالتخويف ورأس المال.
الأنظمة الشمولية العربية أنتجت عجزا شاملا في الحياة العربية، والتحدي اقتصر فقط على إطالة أمد السلطة في الحكم، وعلى هذا التحدي نظمت قصائد وكتبت روايات، أنتجت أفلام ومسرحيات، صدحت أغان في طول وعرض البلاد. وأقيمت مهرجانات على أعمدة عالية من الفساد وزعت خلالها جوائز لمبدعين، معها ما عادت للمفاهيم أية قيمة أو معان سامية أو حتى تعريفات واضحة سوى ما يريده أهل النظام. والمعايير أصابها تلف البصيرة القائمة على الوجدان. البصيرة الرائجة هي إرضاء الحاكم كي تعود بالقيمة لجيوش منتفخة من متثاقفين امتهنوا الأدب والفكر والفن كالدعارة.
ما الفرق عندما يستبيح النظام بديهيات حقوق وحياة الإنسان المتمثلة في الكرامة والحرية؟
ثقافة أي شيء بلا قيمة، إلا أن تكون ثقافة إنسانية تلك التي طغت في ظلال الحاكم العربي الطاغي. أرادت الحاشية منها أن تضع التاريخ تحت أقدام الحاكم وسلالته، وذلك على حساب الوطن ككائن وجودي يتغلغل في كينونة وهوية الانسان.
***
شهدنا منذ مطلع العام 2011 سقوط أنظمة عربية شمولية بفعل الحراك الشعبي السلمي. وننتظر سقوط أخريات؛ ولكن لم نلحظ سقوط الحواشي الثقافية التي زرعها الطغاة في قلب المجتمع، ونراها ما زالت تمارس دورها كما لو أن شيئا لم يتغير في هياكل السلطة، مما يعطي انطباعا بأن الحراك الشعبي يظل فعلا ناقصا لم يصل إلى ذروة الانتصار.
كنس طغاة السلطة يجب أن يماثله استئصال كامل لثقافة عملت على تأليه الحاكم وتمجيد سلالته، ونشرت أدرانا خبيثة سببت تشوهات في جسم المجتمع العربي الذي نراه ما زال يترنح بفعل الأورام.
إن انتصارا جماهيريا حاسما على قوى الطغيان لا يمكن أن يكون إلا بالقضاء على هذه الأدران التي نراها، برغم إسقاط الطغاة، ما زالت ماثلة في المشهد الثقافي تفعل فعلها، وقد ارتدت أردية من التضليل.
ثورة ثقافية روادها من المبدعين والمفكرين تواكب الثورات الشعبية قد آن أوانها دون تأخير، تهز هياكل صنعتها الديكتاتورية والسلطات العشائرية، تخترق السائد والمألوف، عابرة للقارات على أجنحة من الدهشة!
الجزائر تايمز / سعيد الشيخ
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)