السيرة الذاتية لصناع الثورة الليبية
هذا المقال يحاول أن يختبر فرضية تحرير الشعوب عن طريق قوة النيتو ومدى نجاعة هذا الأسلوب في تحقيق التحرر المنشود من الديكتاتوريات,فهناك جدل وهناك ثمة رأيان متعارضان حول النوايا الحقيقية لهكذا تدخل,الرأي الأول يعارض هذا التدخل ويشكك في النوايا الحقيقية للحلف ويبني أصحاب هذا الرأي شكوكهم ومعارضتهم لما…
هذا المقال يحاول أن يختبر فرضية تحرير الشعوب عن طريق قوة النيتو ومدى نجاعة هذا الأسلوب في تحقيق التحرر المنشود من الديكتاتوريات,فهناك جدل وهناك ثمة رأيان متعارضان حول النوايا الحقيقية لهكذا تدخل,الرأي الأول يعارض هذا التدخل ويشكك في النوايا الحقيقية للحلف ويبني أصحاب هذا الرأي شكوكهم ومعارضتهم لما لهذا الحلف وبلدانه من سجل أسود في البوسنة وفي العراق وأفغانستان,وأما الرأي الثاني فيرى في هذا التدخل الحل الوحيد للقضاء على الديكتاتوريات ولحماية الشعوب من بطشها.

السؤال الذي يجب على أصحاب الرأي الأول الإجابة عليه هو ماهي الإختيارات الأخرى المتوفرة لذى الشعوب للتحرر من جلاديها كما في حالة ليبيا أو سوريا مثلا؟ وأما أصحاب الرأي الثاني فيواجهون معضلة تبرير التهديم الذي يسببه النيتو للبنيات التحتية للبلد وربما قتل مدنيين كذلك كما حدث في العراق وأفغانستان وكذلك الفوضى التي تحدث عقب إزاحة ديكتاتور كمعمر القذافي وكيف يتم إعادة الأمن والنظام.
والمقال يتعرض للحالة الليبية ويحاول أن يسلط الضوء على نقاط الضعف في التحضير للثورة الليبية بداية من السرعة في التنفيذ إلى تسليط الضوء على التناقضات التي تحملها السيرة الذاتية لكل الأطراف الصانعة للثورة-إنه أمر شاذ حقا أن نطلق صفة صانع للثورة على أداة إمبريالية كالنيتو- وفي الأخير يتعرض المقال إلى الفوضى التي تعيشها ليبيا الآن,فوضى التسلح,فوضى الصراع على الحكم وفوضى الإنتقام و محاولة دخول بني الوليد وسرت بأي ثمن ولو على جثث من تبقى فيها من المدنيين أو الكتائب.
إن أغرب تعليق سمعته في الثورة الليبية كان من قائد للثوار خارج بني وليد وهو يتكلم عن قناصة القذافي في المدينة مخاطبا أياهم ,وناصحا أو مترجيا لهم, بالإخوة القناصة….
لقد أشرت في مقالات سابقة إلى الصراع المتوقع حدوثه في ليبيا بعد سقوط القذافي وذلك لعوامل عدة ومنها الفراغ الذي سينجم عن سقوط العقيد الذي جعل من نفسه وعلى مدى 40 سنة الكل في الكل في ليبيا,لامؤسسات ولا نخب,فقط كتاب آخضر وخردة من السلاح الروسي كلفت ليبيا الملايير, والعامل الأخر المسبب للصراع هو ثروة ليبيا النفطية الكبيرة ومن سيضع يده عليها,وأخيرا أهم عامل وهو التباين والإختلاف الكبير بين أطراف المعارضة في رؤيتهم لما تكون عليه ليبيا الجديدة.
لقد عددت الأطراف المرشحة للمشاركة في الصراع وهي الدول الغربية ومشامشية ليبيا من رجال القذافي و كذلك المعارضة الليبيرالية والإسلاميين والقبائل.
سأعود هنا بشيء من التفصيل متمنيا أن ينتبه المخلصون في ليبيا إلى الخطر الكبير الذي يتهدد بلدهم الآن وهو الحرب الأهلية والوصاية الدولية.
فمن الملاحظ أن جماعة المجلس الإنتقالي الليبي هم جماعة متباينة جُمعوا على عجل من كل الأطياف والإتجاهات بقيادة وزير العدل السابق المستشار مصطفى عبد الجليل ,وهي جماعة لا تلتقي في كثير من الأفكار وإنما جمعتها أطراف خارجية لتستعملها كواجهة لكسب نوع من الشرعية لضرب القذافي أي لتستعملها كإطار شرعي لتنفيذ خطة ذنيئة ظاهرها إطاحة القذافي وتحرير الشعب الليبي وباطنها وجوهرها وضع اليد على النفط الليبي والتراب الليبي,فجاءت فرنسا وأمريكا بمحمود جبريل وبالشمام وبالعلاقي والترهوني ,وكلهم عاشوا في الغرب لمدد طويلة ويتسمون بالليبيرالية وأعطيت لهم ألقاب المدافعين عن حقوق الإنسان,أغلبهم هرب من بطش القذافي ولجانه الشعبية في وقت من الأوقات وعمل مع القذافي في وقت آخر,وهؤلاء هم المسيطرون على الواجهة السياسية الليبية الجديدة.أما قطر ودول الخليج فقد ساعدوا مصطفى عبد الجليل والشيخ الصلابي وعبدالحكيم بلحاج وجماعة البيضاء وبنغازي ودرنة أو ما يسمى بالتيار الإسلامي, فأمدتهم قطر بما قيمته 2 مليار دولار من السلاح والمساعدات حسب تصريح الصلابي.
أعتقد أن كل أطراف الصراع في ليبيا كانت لهم حساباتهم وأجاندتهم الخاصة,مصالح ومصالح ثم مصالح,فقط الشباب والشعب الليبي المسكين كانت نواياهم حسنة وهي تقليد الجيران التوانسة والمصريين في ثورتهم للإطاحة بالنظام المستبد والجاثم على صدورهم منذ قرابة نصف قرن من الزمن.
لقد كان واضحا وضوح الشمس أن الثورة الليبية أريد لها أن تكون ثورة مستعجلة دون التفكير في العواقب,فشحنت الجزيرة وأخواتها العرب بحملة من الخطب العاطفية عنوانها حمى الربيع العربي ووقودها الشباب وعرابها هنري ليفي وعطرها وعودا بالديمقراطية والحرية.
إن السيرة الذاتية للأطراف المشاركة فيما يسمى بالثورة الليبية يمكن إيجازها فيما يلي:
* الطرف العربي والطرف الدولي,الجامعة العربية ودول الخليج هم من أفتوا,حبا أو كرها, لمجلس الأمن الدولي بجواز ضرب القذافي حماية للمدنيين,السيرة الذاتية للدول الخليجية تقول أن هاته الدول لها خبرة في التواطؤ مع الدول الغربية لتحرير الكويت ولتحطيم العراق,السيرة الذاتية لقطر تقول أن نائب رئيس وزرائها قال في حرب الخليج أن بلاده صغيرة وتحتاج إلى حماية أمريكا وأنها مستعدة للتحالف مع الشيطان لضرب صدام والعراق,السيرة الذاتية لدول الخليج تقول أنهم على علاقة بإسرائيل وأنهم أرسلوا كذلك جيشا ليسحق الشعب البحريني بحجة العمالة لإيران. أما الجامعة العربية,مركز الشيخوخة والتقاعد المريح لشيوخ وزارة الخارجية المصرية, فحدث ولاحرج ,فهي تفتي دائما على حسب أهواء الممولين الرئيسيين لها وهم الخليجيين, خاصة إذا كانت الفتوى هاته المرة إنتقاما ضد القذافي الذي طالما أهان الخليجيين والجامعةعلى السواء,زيادة على ذلك فإن الجامعة العربية تصاب دائما بالزكام عندما يعطس مجلس الأمن في مانهاتن,والنتيجة الحتمية أن من له سيرة ذاتية كهاته لا يتوقع منه تحرير ليبيا بل يتوقع منه الشر و التحالف مع الشيطان لتحطيم ليبيا وليس القذافي فحسب.
* الطرف الدولي الغربي سيرته الذاتية غنية عن التعريف,المصالح والمصالح ولا شيء غير المصالح…..ونعم شيء من الصليبية والعنصرية النتنة كذلك,فهو كما عرفناه دائما يتبع حرفيا خطه الإستعماري والمصاص لخيرات منهم أضعف منه,في أمريكا بشقيها,في الهند والسند وفي فيتنام وفي أفريقيا,وطبعا في العالم العربي منذ تحطم الأسطول الجزائري في نافرين وتبعه سقوط الخلافة العثمانية 90سنة بعد ذلك, الغرب له سيرة ذاتية في تحرير الشعوب كرسها في سايكس بيكو ووعد بلفور ويكرسها اليوم في العراق وأفغانستان وليبيا طبعا.
* السيرة الذاتية للأطراف الداخلية المشاركة في حرب تحرير ليبيا يمكن تلخيصها في كون جماعة المجلس الإنتقالي الذين يشبهون إلى حد بعيد المعارضة العراقية في أيام صدم حسين والتي كانت تتمتع بضيافة لندن وواشنطن لها,فالشمام وزير الإعلام هو محرر سابق لمجلة نيوزويك النسخة العربية وعضو مجموعة كارنجي الأمريكية,بينما العلاقي وزير العدل كان رئيسا لجمعية حقوق الإنسان الليبية ومحمود جبريل الذي جاء من سويسرا للعمل مع سيف الإسلام القذافي بينما الترهوني وزير النفط أمضى أكثر من 35سنة في ضيافة الغرب وأمريكا,هؤلاء ليبيراليون حتى النخاع ولا يرون ليبيا الجديدة إلى كما يتصورون وكما يتصورها ساركوزي وأوباما وكاميرون.
* بينما على النقيض من هؤلاء يقع معسكر بلحاج والصلابي والسويحلي وعبد الجليل وأغلب المدن الشرقية وحتى الجنوب والغرب البربري الليبي,السيرة الذاتية لهؤلاء تضعهم في خانة الإسلاميين من التطرف إلى الإعتدال إلى الإسلام التقليدي,بلحاج حارب في أفغانستان وعذب في سجون القذافي وهو يترأس مجموعات جهادية قوية من درنة والبيضاء وغيرها والتي أبلت بلاءا حسنا على الأرض وفي الدخول إلى طرابلس وخلقت أمرا واقعاعلى الأرض يصعب تغييره,الصلابي هو من يأتي بالمال القطري وهو زميل للشيخ القرضاوي في إتحاد علماء المسلمين وقد يكون قريبا من الإخوان المسلمين وقد نجح في إفتكاك ملياري دولار لتسليح الثوار غير أنه يعيب عليه توجيه السلاح إلى جماعات بعينيها وليس لجميع الثوار,وهناك عبدالرحمان السويحلي مرشح جماعة مصراتة والزاوية لرئاسة الحكومة الإنتقالية وهو يؤمن بليبيا محافظة وإسلامية.
* أخيرا هناك معسكر شباب الثورة العاديين وكثير منهم من هو أستاذ أو محامي أو طالب تركوا كل شيء وألتحقوا بالجبهة للمشاركة في إسقاط القذافي وهم يحلمون بأن تكون ليبيا ديمقراطية وعصرية,إضافة إلى هؤلاء هناك القبائل التي ساندت الإنتفاضة وزجت بأبنائها في ساحة المعركة,هاته القبائل كلها محافضة وكلها ستلعب دورا في ليبيا الجديدة.
* الواقع الذي فرضته مجريات الأحداث على الأرض:
ما نراه الآن واقعا على الميدان يجعلنا نتوقع الأسوأ في المستقبل القريب بعد سقوط المدن الباقية أو بعد تهديمها على من فيها من كتائب وغير كتائب بطائرات النيتو وبمدافع أموال قطر,الغرب يريد حكومة ليبيرالية ودمية كرزائية,الصلابي وعبد الحكيم بلحاج وقطر والقرضاوي يريدونها دولة إسلامية,وأخيرا أزلام القذافي وبعض القبائل وشباب الثورة الأخرين يريدونها دولة هجينة ديمقراطية تكون خليط من كل هذا وذاك.
الثوار في مصراتة يصرون على أخذ مناصب ويقترحون عبد الرحمان السويحلي كرئيس للحكومة الإنتقالية وهو رجل محافظ ودعا الى ليبيا محافظة وإسلامية ويعترض على ترأس جبريل للحكومة الإنتقالية, جماعة مصراتة يريدون مشاركة قوية مقابل صمودهم..
أحمد ناكر الزنتاني رئيس مجلس ثوار طرابلس ينتقد بلحاج ويزاحمه في طرابلس ب22ألف جندي ويطالب بمشاركة الثوار في الحكومة ويريد فرض الأمر الواقع.
الليبيراليين كالعلاق يقولون الشريعة كمصدر لكن ليس لوحدها ويريدون إستثناء الثوار من الحكومة والدول الغربية تساندهم في ذلك.
جماعة عبد الحكيم بلحاج دخلت طرابلس ولا تريد أن تغادرها خاصة مع وجود منافسيه من جماعة أحمد ناكر الزنتاني,والثوار من مناطق أخرى تدفقوا على طرابلس كذلك حيث إنتشرت الفوضى والسلاح بشكل رهيب.
وإذا تطورت الأمور إلى تشاحن بين إسلاميو الشرق وإسلميو الزنتان والغرب ,وتشاحن بين الإسلاميين والليبيراليين,وتحرك لخلايا القذافي النائمة,فلا أحد يمكنه أن يتباهى ويحتفل بنجاح الثورة لأن قرارا جديدا من مجلس الأمن للتدخل في ليبيا بحجة حفظ الأمن سيكون جاهزا للتطبيق, وقد بدأت بوادر الإنشقاق تظهر في حلف تحرير أو تهديم ليبيا بالظهور فوجهت أمريكا إتهامات إلى بلحاج وتحذيرات إلى قطر والبقية تأتي عاجلا وليس آجلا,فأرقص في جحرك ياقذافي.
وأخيرا لقد إرجعت عملية التحرير هذه عدة مدن ليبية سنوات إلى الخلف ودمرت الملايير من خردة السلاح الروسي, بل وأحدثت مرارة وشرخا لذى بعض القبائل التي تضررت أكثر من العملية,كما أن الفوضى الناتجة عن العملية وأنتشار السلاح سيكون من الصعب التغلب عليها وقد يمتد الضرر إلينا نحن الجيران كذالك,ولهذا يجب التساؤل هل اللجوء إلى القصف الجوي كان هو الحل الأمثل للإطاحة بديكتاتور كالقذافي, بغض النظر عن ما سيحدث على الأرض بعد ذلك؟
الجزائر تايمز / أحسن بوشة
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)