الأخطاء الطبية.. كابوس مؤلم ينغص حياة المغاربة
ما زال المجتمع المغربي يتذكر عدد من الحكايات المؤلمة لضحايا الخطأ الطبي، من بينهم وفاء عسلي (22 سنة)، حاصلة على دبلوم في التجارة والتدبير، التي ماتت في مصحة دخلتها من أجل إجراء عملية تجميل لتخرج جثة هامدة، نتيجة جرعة تخدير زائدة. كما تضم اللائحة حالة زهير رضوان (9 سنوات)، الذي دخل المستشفى لإجراء…
ما زال المجتمع المغربي يتذكر عدد من الحكايات المؤلمة لضحايا الخطأ الطبي، من بينهم وفاء عسلي (22 سنة)، حاصلة على دبلوم في التجارة والتدبير، التي ماتت في مصحة دخلتها من أجل إجراء عملية تجميل لتخرج جثة هامدة، نتيجة جرعة تخدير زائدة. كما تضم اللائحة حالة زهير رضوان (9 سنوات)، الذي دخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لإزالة اللوزتين، فخرج منها مشلولا مصابا باختلالات في الدماغ، ثم رشيدة التي دخلت مصحة لاستئصال المرارة فخرجت جثة هامدة...
فقدان الثقة في الطبيب
خان عدد من الأطباء الثقة التي وضعها فيهم مرضاهم، وحولوا حياتهم إلى جحيم، هذا إن لم يخرجوهم جثثا هامدة على نقالات، بعد أن دخلوا المصحة لإجراء عملية بسيطة. وخلق تزايد حالات الخطأ الطبي حالة من الفزع، والارتباك لدى المواطنين، الذين باتوا يصبرون على تحمل الألم والمضاعفات، خوفا من أن تنضاف أسمائهم إلى لائحة الضحايا.
فالألم ما زال يعتصر قلب عدد من العائلات بالمملكة، بعد أن دخل أحد ذويهم على قدميه إلى المستشفى قبل أن يخرج منه على نقالة إلى مستودع الأموات.
ومن بين هذه الحالات قصة سمير (ت) شاب في مقتبل العمر دخل إلى المستشفى لإجراء عملية، إثر معاناته من مشكل في القولون، قبل أن تتدهور حالته الصحية في ما بعد ويفارق الحياة بطريقة مؤثرة.
تقول والدة الضحية، والدموع تسيل من عينيها، "لا أعرف ماذا حدث.. أخبرني الطبيب أن العملية كانت ناجحة، وأن ابني سيكون على ما يرام ويعود إلى حياة الطبيعية بعد بضعة أسابيع فقط، لأفاجأ بتدهور حالته الصحية ومفارقته الحياة بعد حوالي أسبوعين من مغادرته المستشفى".
خلال استعادتها لشريط هذه الذكرى المؤلمة، اضطرت الحاجة فاطمة أن تتناول إحدى الأدوية الخاصة بالضغط الدموي والقلب، بعد أن انتابتها حالة بكاء شديدة، ما جعلنا نوقف اللقاء للحظات.
وبعدها بفترة، عادت الأم لتكمل لنا الحكاية التي بدأت بدخول ابنها لمصحة ظل بها لمدة 10 أيام، حيث كان يقدم له علاج عبارة عن مضادات حيوية، ليغادره بعد تحسن حالته.
وأضاف الحاجة فاطمة، لـ "إيلاف"، "بعد شهرين عاودت ابني الآلام فترددت على أكثر من أخصائي في الجهاز الهضمي، وقالوا لي بأنه لا يعاني من أي مشكل، علما أن بطنه كانت تنتفخ بشكل كبير"، مبرزة أنها "نقلته إلى عدة مصحات، إحداها أجرت له العديد من التحليلات والفحوصات المادية المكلفة جدا".
وأبرزت أنه "أخضع لعدد من الفحوصات، التي أثقلت كاهلي، علما أنني امرأة أرملة وليس لدي مدخول، فقررت إخراجه من هذه المصحة"، مشيرة إلى أن "حالته ظلت على ما هي عليه، ما جعلني أنقله إلى مصحة جديدة، حيث أخبروني بأن حالته مستعجلة ويجب إجراء عملية جراحية له على الفور".
وذكرت الحاجة فاطمة أن الطبيب أخبرها بأن العملية بسيطة، وسيعود بعدها إلى ممارسة نشاطه الطبيعي، إلا أنها فوجئت بعد مغادرته المستشفى بوفاته.
وأضافت "أخبرني عدد من الأطباء أن ابني توفي نتيجة خطأ طبي، لكنني امرأة أعاني من عدد من الأمراض، ولست قادرة على تحمل عناء التنقل بين المحاكم، لهذا فوضت أمري إلى الله... ولن أسامح أبدا من تسببوا في هذه المعاناة الكبيرة التي مر منها ابني.. رحمة الله عليه".
معاناة من نوع آخر!
عشرات الحالات لم تجد ملفاتهم طريقها إلى القضاء، غير أن من سلك ذويه هذا الاتجاه واجهوا معاناة من شكل آخر... وتلك حكاية أخرى.
فغالبية الضحايا، سواء الذين مازالوا أحياء ويعانون من عاهات مستديمة، أو من فارقوا الحياة، ضاعت حقوقهم لكون أن الطبيب لا يخضع للمساءلة الجنائية والمدنية، إلا إذا تم إثبات ارتكابه للخطأ الطبي.. لكن من يقع عليه عبء الإثبات؟
هذا السؤال أجابني عليه محمد حمضي، رئيس الجمعية المغربية لضحايا الأخطاء الطبية، الذي أكد أن "هناك فراغ قاتل في الناحية التشريعية فيما يخص هذا الموضوع"، مشيرا إلى أن "قانون 94/10 المنظم للممارسة الطبية في المغرب ليس كافيا، ولا يتضمن أي مادة تنص على حقوق المرضى".
وأوضح محمد حمضي، في تصريح لـ "إيلاف"، أنه "يجري الاعتماد في المتابعة على قانون الالتزامات والعقود في إطار المسؤولية التقصيرية"، مبرزا أن "الظاهرة تأتي من جشع الأطباء، وإهمالهم وتقصيرهم، وفي بعض الحالات بسبب عدم الكفاءة".
وذكر رئيس الجمعية المغربية لضحايا الأخطاء الطبية أن "الجمعية تحال عليها عدد من الملفات، التي تقوم بدراستها بواسطة لجنة، تتكون من أخصائيين، قبل أن نقوم بتوجيه العائلات قانونيا"، مضيفا أن "هناك فراغ في التشريع، وليست هناك مقتضيات قانونية خاصة تثبت حقوق الضحايا".
وقال محمد حمضي إن "الجمعية هدفها الإنصات إلى حكايات عائلات الضحايا، وتقديم الدعم النفسي المعنوي، الإرشاد القانوني لهم"، مشيرا إلى أنه "سيجري خلق مراكز استماع في المستقبل".
ويعرف القانون الجنائي المغربي الخطأ الطبي على أنه نتاج عدم المهارة، أو التهور، أو عدم الانتباه، أو الإهمال، أو تجاهل قواعد العمل المتبعة المؤدي للإضرار بصحة المريض أو فقدانه الحياة، أو إصابته بجروح أو أمراض.
من جهته، قال محمد طارق السباعي، المحامي في هيئة الرباط، إن "الأخطاء الطبية يعاقب عليها القانون في إطار المسؤولية التقصيرية، لكن المشكل الذي يعترض الضحايا هو طول المساطر التي تعرقل المتابعة". وذكر محمد طارق السباعي، في تصريح لـ "إيلاف"، أن "النيابة العامة عندما تتوصل بالشكاية من عائلة الضحية تحيلها على الهيئة الوطنية للأطباء، التي تتماطل في الإجابة عن الاستفسارات الموجهة لها".
وشدد المحامي، الذي عهد إليه زوج متابعة ملف زوجته التي توفيت نتيجة خطأ طبي، على ضرورة أن تعين النيابة العام خبراء، من خارج الهيئة الوطنية للأطباء، حتى تكون هناك شفافية، ولا يضيع حق الضحايا. يشار إلى أن وزارة الصحة قررت إغلاق 13 مصحة خاصة، على اعتبار أن هذه المؤسسات لا تفي بكل المعايير القانونية المفروضة على المصحات الخاصة.
أيمن بن التهامي ايلاف
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)