مهرجان الجزائر الدولي للمسرح مساحة لتراجم الشعر العربي والأمازيغي
أسدل مهرجان الجزائر الدولي الثالث للمسرح، الليلة الماضية، ستائره بخليط صوري التفّ على شهوة السلطة وتيه الفكر، وانفلت، ليُشاغب أسئلة التثوير العربي في دورة انفردت باختلافها المرشح للتعزّز أكثر في العام المقبل، مع تعاطي المسرح المائي، وجعل التظاهرة ممتدة الفصول. انبهرت جماهير مدينة بجاية (260 كلم…
أسدل مهرجان الجزائر الدولي الثالث للمسرح، الليلة الماضية، ستائره بخليط صوري التفّ على شهوة السلطة وتيه الفكر، وانفلت، ليُشاغب أسئلة التثوير العربي في دورة انفردت باختلافها المرشح للتعزّز أكثر في العام المقبل، مع تعاطي المسرح المائي، وجعل التظاهرة ممتدة الفصول.
انبهرت جماهير مدينة بجاية (260 كلم شرق الجزائر) بالعرض المصري "أحدب نوتردام"، الذي أجاد مخرجه "محمد علام" من خلاله مسرحة رائعة لـ"كاتدرائية نوتردام" للأديب الفرنسي الشهير "فيكتور هيغو"، وإسقاطها على صراعات السلطة بشهوانيتها مع تماوجات المجتمع، في إحالة على ما شهدته مصر في الشتاء الماضي وثورة شبابها، التي أطاحت بحكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.
اتكأت المسرحية (90 دقيقة) على شخصية الأحدب كمحرّك رئيس لخط الفعل المتصل، من خلال ارتضائه تحدي القس كلود فرولو، عبر قيادته فصيل المنبوذين، وتشبعه بعشق الغجرية أزميرالدا، وتضحيته لأجل إبعادها عن نزوات القس، وموتهما بحبائل جلاديهما.
وبدا جليا أنّ ثورات الربيع العربي أثرّت بشكل أو بآخر على مضامين الاستعراضات الشائقة على مدار عشرة أيام، حيث عمد ممارسون إلى التأكيد على وجود صراع مفتوح على الأزمنة والأمكنة من أجل الظفر بقيمة الحرية، ودرء الجمود والفجائية والأطياف العابرة، وعليه احتدمت مرافعات لمصلحة حضورية رهانات الحرية والتمرّد، وإثبات الذات الجمعية على حساب سطوة الرقابة والوصاية، بشقيهما السياسي والديني، بعدما اكتشف الأبناء خديعة الأبناء/ القادة، فركبوا قطار التثوير.
كما اهتم المسرحيون بمناقشة أضداد الجمال والقبح، الخير والشر، الضعف والقوة، وشرّحوا مؤدى الثورات ودينامية الحروب الإلكترونية، فضلاً عن جدليات الفلسفة التنويرية، وأحلام الشعوب الفقيرة، وتخبطات مفكّريها أمام رياح الظلم والطغيان، وهو ما تجلى من خلال استعادة سيرة المتصوف الشهير الحسين بن منصور المعروف بالحلاّج، ومواجهاته لجدار سميك من الرقباء الدينيين والسياسيين، ناهيك عن ركام من المآسي، منذ ولادته وصولاً إلى ثورته ضد الاستبداد والظلم في العصر العباسي، وما أفرزته فتنة القرامطة من خواء وعواصف، اشتدت إثر قرار الخليفة العباسي المقتدر بالله عام 309هجري (922م) صلب الحلاج عقابًا له على إيغاله في الفلسفة بزعم تعارضها مع العقيدة الإسلامية
السنية.
كما مثّل العرض التونسي "بيان أرلوكان" بورتريها للحرية والعدالة الاجتماعية، إذ انطلق كاتب النص والمخرج حافظ جديدي من منظومة لويجي بيرندلو العبثية، ليمارس سخريته من نماذج صادمة، وجعل أبطاله تطالب بالتغيير والحصول على حرية أكبر من تلك التي اكتفى الأسلاف برسمها، عبر تجديد يستجيب لمتغيرات المجتمعات العربية.
بدوره، حرص كل من الفنان العراقي "عزيز خيون" وزوجته د/عواطف نعيم، على استحضار شخصية حمورابي إلى زمن 2011، وجعلاها تراقص فجائع الوطن العربي في مونودرام "أنا في الظلمة أبحث"، ومن خلال وتريات وطقوس فرجوية زاوجت بين التمثيل والرقص والغناء، طرح المسرحيان العراقيان أسئلة بالجملة عن الثورة والحرية، باستنطاق منمنمات التاريخ وتعاليمه.
وأشارت د. عواطف نعيم إلى أنّ المونودرام استعان بقبسات من الميثولوجيا العراقية القديمة، التي صاغت أولى الشرائع في العالم، لافتة إلى أنّها عملت على مقاربة تمزقات العرب وانسلاخاتهم، وتقديم بدائل من ثيمات الذاكرة بمراياها السومرية والآشورية والبابلية.
لم تغب محاكمات المستدمرين عن مهرجان الجزائر، وكان الأمر هذه المرة مختلفًا وعلى يد الفرنسيين نفسهم، الذين قاموا بفضح وحشية الكولونيالية، عبر مسرحتهم لرواية "ابن الفقير"، التي كتبها الأديب الجزائري الراحل "مولود فرعون".
حرّك المخرج الفرنسي "دومينيك لورسيل" الثنائي "مارك لوراس" و"صامويل شوران" باتجاه عرّى الوجه الوحشي للاستعمار ولاعقلانية عرّابيه وحالات الفزع والخوف والهذيان والسقوط والعبثية التي انغمر فيها، وتغلغل المخرج الفرنسي في أعماق مجتمع تعرّض لصنوف من التدجين، ومع ذلك ظلّ مستمسكًا بوعي مخضّب بشجن صامت تحت ويلات الاستعمار.
مساحة لتراجم الشعر العربي والأمازيغي
منح مهرجان بجاية لرواده الفرصة للتنزّه وسط رياض الشعر بأيقونتيه العربية والأمازيغية، وتسنى ذلك من خلال عرض الكاتب الجزائري "أحمد سليم آيت وعلي" لتراجمه لأشعار الراحل محمود درويش نحو الأمازيغية، وكذا الشاعر الجزائري "لونيس آيت منقلات" نحو العربية.
تمكن الضيوف العرب من استكشاف الشعر الأمازيغي بلسان أحد أبرز ممثليه، وهو آيت منقلات، الذي لطالما أبدع بكلماته الدافئات وروحه الرومانسية المغرّدة، على منوال قصيدتي "قل لهم" و"الصراع"، فيما استمتع الأمازيغ بمعاني درويش وقصائده الخالدات، وهو ما ثمنّه متخصصون، رأوا في خرجة آيت وعلي تأشيرة نحو أبدية وشمولية المعنى.
كان لا بدّ للموعد أيضًا من بعض البهارات، التي أتت من خلال توليفة المسرح الياباني العريق "النو"، وهو فن تراثي يعود تاريخ ظهوره إلى ستة قرون، ويتخذ من الأساطير القديمة في بلاد الشمس الساطعة، خلفية له في تقديم قصص إنسانية تعتمد على الشعر والرقص.
شاركت وجوه جزائرية شابة في عرض النو، مستغلة ما اكتسبته من معارف برسم تربص قصير شهدته العاصمة التاريخية للحماديين، وانطوى على لوحات محمّلة بالحكمة والصبر والتجليات المؤثرة.
إلى ذلك، أعلنت "الطاوس سعادة" المديرة المركزية في وزارة الثقافة الجزائرية، عن ترسيم مدينة بجاية كقبلة دائمة للمهرجان، وبرّرت سعادة القرار بنجاح المدينة في استضافة الدورة الثالثة، والمواكبة القياسية لفعاليات المحفل الذي أضحى يحظى بجمهور متفهم ومتحمس.
وتبعًا للتجاوب الواسع، الذي عرفته الورشات الست التكوينية، يعتزم المنظمون إنشاء مستوى ثان للذين تابعوا تكوينًا أوليًا، وذلك بهدف المساعدة على إبراز واكتشاف المواهب، وكذا ترسيخ الثقافة المسرحية، علمًا أنّ الورشات المذكورة كانت على النحو التالي: قواعد الإخراج المسرحي تحت إدارة الدكتو رة ع
و اطف نعيم، الكتابة الدرامية تحت إدارة الأستاذ صالح كرامة، ورشة النقد المسرحي، التي أشرف على تأطيرها كل من الدكتور عبد الرحمان بن زيدان والأستاذ كمال بن ديمراد
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)