عشية أول نوفمبر:أما آن لمداشر الشمال القسنطيني أن تنال إستقلالها؟
لا شك وأن الزائر في فصل الصيف لقرى مرتفعات جيجل والميلية وغرب سكيكدة ,أو مايسمى في حرب التحرير بالشمال القسنطيني,يلاحظ أن أغلب السيارات تحمل الرقم 16 وهو رقم العاصمة وعندما يقترب أكثر من المواطنين يسمع لهجة عاصمية عوض عن لهجة سكيكدية أو جيجلية متوقع سماعها في هاته المنطقة من الوطن ! وحتى عادات…
لا شك وأن الزائر في فصل الصيف لقرى مرتفعات جيجل والميلية وغرب سكيكدة ,أو مايسمى في حرب التحرير بالشمال القسنطيني,يلاحظ أن أغلب السيارات تحمل الرقم 16 وهو رقم العاصمة وعندما يقترب أكثر من المواطنين يسمع لهجة عاصمية عوض عن لهجة سكيكدية أو جيجلية متوقع سماعها في هاته المنطقة من الوطن ! وحتى عادات الطبخ إمتزجت بمأكولات عاصمية,وقد يتخيل الزائر أنه في ضواحي بومرداس أو العاصمة لكنه في مرتفعات كتامة الجميلة.
وعد الشهيد زيروت يوسف وسنوات الجمر السبب أن سكان هاته المناطق التي تشرف على أنقى وأجمل الشواطيء الجزائرية وعلى طول 150كلم ممتدة من حدود ولاية بجاية إلى منطقة حجر مفروش والقل في سكيكدة,بداية من سلمى إراقن مرورا بمرتفعات العوانة وتكسانة وبني فوغال إلى برج الطهر وبني عافر وأولاد عسكر وصولا إلى بني فتح وبني عيشة وبني خطاب الشرقية والغربية وحتى بني صبيح وعين قشرة وأولاد عطية ومشاط, عانوا من الهجرة الجماعية والمتواصلة لسكان هاته المناطق إلى العاصمة للعمل والدراسة وحتى الإستقرار.ما تبقي من السكان في هاته المناطق لازالوا لم يعيشوا إستقلالا كاملا مجسدا في حقهم في مسكن لائق وشغل دائم وماء وغاز وعيادة وحياة كريمة, الرجال والشباب من سكان هاته المداشر أمضوا أكثر من نصف قرن في الهجرة إلى فرنسا وإلى العاصمة أو إلى قسنطينة وغيرها لمواصلة الدراسة أو لكسب العيش., ولا زالوا يحلمون بالحرية الكاملة بعد نصف قرن من إحتفالهم ورقصهم وهتفاتهم التلقائية سنة 1962 ”ببن بلة و أوخيو عباس” هاته القرى الجبلية والغابية كانت تمثل أغلب مناطق الولاية الثانية لحرب التحرير المباركة,طبيعتها الجبلية الوعرة المشهورة بالغابات والوديان والجبال جعلتها مقرا ملائما لجنود جيش التحرير ولمراكز ومستشفيات عديدة للثورة,فمن هاته المداشر مر العديد من قادة الثورة وشهدائنا الأبرار ومجاهدينا الأشاوس,في هاته المناطق عاش زيروت يوسف وبن طوبال وعلي كافي والبركة وصوت العرب وكثيرون غيرهم وإلى هاته المناطق تعود جدور عباس فرحات والعربي الميلي ومحمد الصديق بن يحيى… سكان الشمال القسنطيني الشهيد زيروت يوسف وعدهم ,والمجاهدون بعده لم يوفوا بالعهد .
حكى لي أحد أعمامي شهادته لزيارة البطل زيروت يوسف لقرية بوالسبع الجميلة أين خطب في المواطنين قائلا لهم ” أيها الإخوة نحن مقبلون على القيام بعمل كبير وهو الثورة ,وستكون مصاعب وآلام وتضحيات كبيرة ,لكننا سننتصر بحول الله ,ونحن نعلم أنه من أراد عسلا فعليه أن يكون مستعدا للسعات النحل” وماهي إلا أيام حتى مر المجاهد المرحوم بن طوبال ورفاقه لتنصيب الخلايا العسكرية المحلية وبعدها بدأوا في القيام بأعمال جهادية في شمالنا القسنطيني العظيم.مرت سبعة سنوات ونصف من البطولات والملاحم الخالدة على غرار الولايات التاريخية الأخرى,وتنقلت قيادة الولاية الثانية عبر ربوع هاته المداشر من السمندو إلى مشاط إلى بني أفتح ثم أولاد عسكر وسرج الغول,وتناوب على رأسها القادة ديدوش وزيروت وبن طوبال وعلي كافي وأخيرا المرحوم سي صالح بوبنيدر صوت العرب. لقد عاشت مداشر ومدن الشمال القسنطيني سنوات عصيبة وعرفت سياسة المناطق المحرمة والأرض المحروقة على يد لاصاص ولاليجو وبوعصيا وغيرهم من عصابات الموت والدمار الفرنسية,فليس هناك بيت أوكوخ لم يعيش أهله مأساة الحرب,فكل الشعب في الشمال القسنطيني كان مجاهدا,العسكري والمدني,الرجل والمرأة,الصغير والكبير كلهم ساهموا بطريقة أو بأخرى.لقد إحتضنوا الثورة بقوة وبعاطفة كبيرة ولسعوا مرات ومرات,حرقت بيوتهم,عذب شبابهم,روع صغارهم,عاشوا في العراء وفي المحتشدات حتى إنتزعوا حريتهم إنتزاعا و تحصلت الجزائر على شهد الإستقلال. في إنتظار عسل الإستقلال ! ماإن وضعت الحرب أوزارها وغادر قادة الولاية المنطقة إلى العاصمة أو إلى مدنهم وأكمل سكان المداشر إحتفالاتهم ليستيقضوا في اليوم التالي إلى واقعهم المزري,بؤس وفقر وأمية وبيوت محروقة وعزلة تامة, ولأنها مناطق جبلية وغابية فلم يكن هناك مصدر جيد للإرتزاق أو لبناء أي نوع من النشاط الإقتصادي لترقية معيشتهم وتنمية قراهم, فلم يكن هناك من حل أمام الرجال إلا الهجرة إلى المدن وإلى فرنسا كذلك ثم تبعهم الشباب الراغب في مواصلة دراسته أو لمساعدة عائلته. مرت الحكومات والعشريات الواحدة تلو الأخرى والمنطقة معزولة ومهمشة,وبدأت خيبة الأمل تظهر على الوجوه فأين هو العسل الذي وعدهم الشهيد زيروت يوسف به؟
لماذا هذا النسيان من قيادة الولاية الثورية التي أحتضنوها وحموها في وقت الشدة؟ وجاءت عشرية الدمار والحرب الأهلية ووجد سكان قرى الشمال القسنطيني نفوسهم بين سندان الجيش والأمن ومطرقة الأيياس والجيا وعاشوا محنة ثانية,في هاته المرة لم يقاوموا كثيرا بل أحزموا أمتعتهم وهاجروا إلى المدن تاركين بيوتهم مهجورة وأصبحوا يسكنون البيوت القصدرية بعد 40سنة من الإستقلال.
مانصيب المنطقة من برامج التنمية ومن أموال البترول؟ حقيقة الأمر أن أحد عيوب برامج التنمية في ولاية جيجل على قلتهل هو تمركزها على طول الشريط الساحلي من كورنيش جيجل إلى الميلية مرورا بجيجل والطاهير أما القرى والبلديات في أعالي جيجل والميلية والقل فهي لازالت تعيش في شبه عزلة تامة,هاته المناطق كانت مناطق محرمة في عهد الإستعمار وأصبحت مهمشة في عهد الإستقلال وهي تشمل أكثر من 10بلديات جبلية ويسكنها حوالي 100ألف مواطن أو أكثر وهجرها مثل هذا العدد أو أكثر,كل ما تملكه أي بلدية من هاته البلديات هو هياكل بسيطة جدا عادة ماتكون عبارة عن مركز بريد صغير وبلدية وعيادة صغيرة ومدرسة ومتوسطة ودار الشباب , في السنوات الأخيرة بدأت تفتح بعض الثانويات في بعض البلديات.
أغلب الطرقات من العهد الفرنسي أدخلت عليها ترميمات في السنوات الأخيرة وهناك شبه إنعدام للغاز المنزلي وحنفيات الماء في المنازل,كما أن المصحات وعيادات الولادة فلا أثر لها, وأهم من كل هذا فليس هناك أي مشروع إقتصادي لإمتصاص البطالة أو لإحداث أي تنمية ريفية وحتى الكهرباء لم تدخل أغلب المناطق إلا بعد 30سنة من الإستقلال. ولنا أن نتساءل مامصير الشباب في بلديات كهذه وماحظهم في العمل والإستقرار في بلدياتهم؟ الفرص للعمل والإستقرار معدومة وأغلب البلديات لا مدخول لها والنتيجة هجرة دائمة للشباب ووضعية بائسة للمرأة الريفية. لهذا لاغرابة إذا سمعت من يقول أن المنطقة لم تعرف إستقلالا حقيقيا وأن الفرق بين قبل 1962 وبعدها هو خلو السماء من الطائرات العسكرية ! كما أنه ليس غريبا أن نعرف أغلب هاته البلديات هجرت الأفلان وصوتت للفيس سنة 1991.الناس هناك أصيبت بخيبة أمل كبيرة في الحكومة المركزية وفي الولاية وفي الإستقلال برمته, وهم الآن يحاولون النهوض البطيء بمجهوداتهم الفردية البسيطة وبمساعدة بعض العائدين من المدن.
الجزائر تايمز / أحسن بوشة
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)