ارحل ... أسداً قبل أن ترحل
يقف المرء حائراً . وأخص بالمرء كل وطني غيور على أمته ، ومقدراتها ، وتاريخها وحاضرها ومستقبلها. الألم يعتصر القلوب ، والحسرة تأكل الأفئدة : مما يرى ويشاهد ويرصد لحالة دولنا العربية ، وشعوبنا المنكوبة بمجموعة من الرؤساء : الذين إما أن جيء بهم أو فرضتهم ظروف معينة ، أو امتطوا صهوة الوطنية…
يقف المرء حائراً . وأخص بالمرء كل وطني غيور على أمته ، ومقدراتها ، وتاريخها وحاضرها ومستقبلها.
الألم يعتصر القلوب ، والحسرة تأكل الأفئدة : مما يرى ويشاهد ويرصد لحالة دولنا العربية ، وشعوبنا المنكوبة بمجموعة من الرؤساء : الذين إما أن جيء بهم أو فرضتهم ظروف معينة ، أو امتطوا صهوة الوطنية ، وتدثروا بالثورية ، وتزملوا بالمنطلقات التي كفلت لهم الالتفاف حولهم لأنهم مثلوا طموح الشعوب التي حلمت بالانعتاق من الطغيان والظلم والفساد والاستعمار بأشكاله ، بل أكثر من ذالك ، حيث تحقيق الطموحات المتمثلة بعودة الحقوق المنهوبة ، وٍإعادة المقدسات التي مثلت أغلى ما تتمنى شعوبنا من محو لآثار العدوان وإعلاء كلمة الحق ، والتوشح بوشاح شعار تحرير فلسطين ، وعودتها لأصحابها الشرعيين .
أمام الشعارات والمبادئ والأهداف كافة ، والتي تغطى بها حكام الأمة . لم يكن أمام الجماهير إلا أن تلتصق بهم ، وترفعهم على الأعناق وتهتف لهم بأنهم المخلصون والذين على أيديهم سيتحقق كل ما هو جميل سواء كان ذلك على الصعيد الوطني ، أو على الصعيد القومي .
لقد أعطت شعوبنا العربية حكامها مالم تعطه شعوب أخرى لحكامها ، وتلقى الحكام من الدعم والانقياد لهم ، ما جعلهم في مصاف الأنبياء إن لم يكن في مكانتهم ، وكثيراً ما سمعنا المقارنة بينهم وبين الأنبياء والرسل ، وحتى فاقوا الصحابة في عدلهم ونزاهتهم وإيمانهم .
لقد دفعهم ذلك إلى التصديق أنهم كذلك ، وأنهم باقون غير منازع ، وأن كل عمل سيكون مستحبّاً من قبل شعوبهم .
لقد أعمى ذلك أبصارهم وبصائرهم ، ورموا وراء ظهورهم التعهدات والمبادئ والمنطلقات والوعود ، وأيقنوا من قدرتهم على تخدير شعوبهم. غابت الحريات وأصبحت التعددية السياسية من المحرمات ، وحرية التعبير خروج على الحكام الذين لم يبق لهم إلا الإعلان أنهم يتصرفون بوحي من السماء ، ولكن إلى متى ستبقى الحالة على هذا النحو؟
أفاقت الشعوب على حقها في الحياة الكريمة ، واستيقظت على أن العلاقة بحكامها ،علاقة أحادية الجانب ، أي أن حكامها يحتقرونها ولا يولونها الحد الأدنى من الاحترام .
عبرت الشعوب بطرق مختلفة ، ولكنها كلها كانت تنطلق من الحرص على الوطن ووحدته ، وعلى الحفاظ على المقدرات ، ولم تكن مطالبها مرهقة للأنظمة الحاكمة ....بل كانت أيسر ما يمكن .
فهذه الشعوب الطيبة الحريصة ، أرادت أن ترى نفسها بين شعوب المعمورة ، وقد كفل لها حق ممارسة حقوقها في التعبير والمشاركة في رسم السياسات التي تحقق لها وجوداً على خارطة بلادها . قوبلت هذه المطالب بردود قاسية : تمثلت في أشكال القمع كافة ، إضافة إلى أنهم أصبحوا جرذانا وشمحطية ، وشبيحة وبلطجية . بعد أن كانوا شعوباً عظيمة لأنها صفقت لهؤلاء الحكام ، واستمد منها الحكام عوامل البقاء أربعين وثلاثين عاماً .
وللمرء أن يتساءل : هل كانت الشعوب مخدرة ؟ أم كانت بلهاء ؟ أم كانت وطنية أكثر من اللازم ؟ أم كانت غبية ؟ الجواب عند الحكام : أن هذه الشعوب كانت كل ذلك ، وهذا كفيل بأن يبقيهم عبيداً للحكام .
غاب عن بال الحكام أن حركة الشعوب لا حدود لها ، وأنها إذا قررت الخلاص والإنعتاق فستكون ثورتها بحجم تأييدها . أي أنها ستنتفض منطلقة من أنها خذلت ، وأن ردة فِعلها كبيرة ، ولا توقفها قوة أو قتل ، أو اعتقال ، أو حتى المقابر الجماعية .
ما حدث على الساحات العربية أصبح حقيقة مقروءة ومعاشة ، ونتائجه كافية لأخذ الدروس والعبر من قبل الذين يعرفون أنهم سيلحقون بمن سبقهم من حكام .
قد يختلف الوضع في سوريا عن بقية الأوضاع في الدول التي تمردت شعوبها ، وتفجرت ثورة عارمة لم تقو القوة على قهرها أو إسكاتها .
إن الاختلاف فهمه السيد الرئيس بشار الأسد والمحيطون به ، أنه يشكل له ضمانة ، وأنه يعطيه الحق بممارسة كل ما أقدم ويقوم عليه ، لأن المساس به وبما يملكه ثمنه دمار العالم كله ، وعلى العالم أن يقف في صفه في مواجهة شعبه ... هذا ما تسلح به ، وركب رأسه ، وزاد من بطشه لشعبه أفراداً ومجموعات .
لئن تحرك الأشقاء العرب على مستوى الجامعة العربية ، وأعلنوا عن مبادرة تلو مبادرة ، انطلاقاً من الحرص على سوريا ... أرضاً وشعباً وتاريخاً .
إلا أن السيد بشار الأسد فهم ذلك ، مؤامرة على شخصه وعلى عائلته ، وعلى طائفته التي تشكل أقلية أمام الأغلبية الشعبية على الأرض السورية .
لقد تمادى بشار الأسد وهو يصر على التمسك بالسلوك ذاته الذي أنهى حياة حكام نهجوا نهجه نفسه .
يقف أبناء الأمة العربية الغيارى والحريصون على سوريا ووحدة ترابها ، ومقدرات شعبها ، محزونين من هذا التعنت ، ويحذرون من المصير السيئ ، ويناشدون السيد الرئيس بشار الأسد ، بأن يتذكر مواقف والده في التآمر على زميله رئيس الجمهورية العراقية ، وأن يتذكر ما حدث بالأمس القريب فرحيله الآخر قائد الثورة الليبية .
أبناء الأمة يناشدون بشار الأسد بأن يغادر العناد ، وأن يذعن للرؤية العربية الشاملة ، وأن يعتذر لشعبه ، وإن كان فات الأوان ، وأن رهاناته كلها سقطت .
الدماء في كل قرية ، ومدينة ، وشارع ، وبيت .
هل يعتقد بشار الأسد : أن الشعب سيعتذر له ويعفو عن دماء أبنائه ؟
لقد قال الشعب السوري كلمته وهي قراره النهائي الذي أجبر عليه ... وهي ... ارحل .
العروض كثيرة على السيد بشار الأسد بأن يرحل وأن يكفل له العيش الكريم ، وأن يترك ثوار سوريا وأحرارها ، أن يقرروا بأنفسهم ، وبطريقة ديمقراطية يكفل الدستور تحقيقها من خلال الإقرار بالتعددية السياسية ، والانتخابات الحرة النزيهة ، ويجنبوا بلادهم ما يخبأ لهم من إجراءات نتيجة التعنت الأسدي والتي ستكون مدمرة .
يلوح في الأفق أفضل من ارحل أسداً قبل أن ترحل كما رحل سابقوك وبكيفية ومصير محزنين .
الجزائر تايمز/إبراهيم ابوالنجا
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)