وهي ليست دروسا منهما, فهما لم يكن لديهما ما يقدمانه غير الجهل والقهر والإجرام وجنون الحكم.
ولكنها دروس مستقاة من نهاية كل منهما, فقد كانت نهاية الأب, كما أراها, آية من آيات الله, للعبرة والعظة واستنباط الحكمة, اذ ظن هذا الحاكم, الذي كان سادرا في غيه وغفلته عن حقائق الوجود وحقائق الحياة, ان القتل احتكار له وحده, وان الملاك المكلف من خالق الكون بقبض الأرواح, أصبح واحدا من بطانته المؤتمرين بأمره الخاضعين لسلطانه, يأمره فيطيعه, ويمضي ممتثلا لما يصدره اليه من تعليمات, لإنهاء حياة من يشاء من خلق الله, وأنه قد غدا في مأمن من هذا المصير, لا تسري عليه السنن التي تسري علي البشر الفانين, ناسيا انه لا أحد غير خالق الكون قادر علي احتكار القتل, وتسخير عزرائيل لخدمته وتنفيذ أوامره, وأنه هو ايضا له يوم وساعة ودقيقة معلومة في اللوح المحفوظ, لن يتأخر ولن يتقدم عنها ثانية واحدة, ينتهي فيها أجله, نعم, فقد غرته السلطة, التي اساء استغلالها ووصل في استعمالها الي درك أسفل من المباذل والموبقات والسفه والإجسام, وظن أنه ينافس خالق الكون في سلطانه, تدعمه ثروة, وهبها الله لشعب ليبيا, فصادرها لنفسه واساء انفاقها, بسبب غروره وجهله وسوء منبته, ونسي الطاغية بشريته, وتطاول علي خالقه, حتي ذهب في عقله المريض, إلي انه في مقام واحد معه, أليس هو أيضا يهب ويمنع ويبعد ويدني ويسعد ويشقي ويمنح الثراء أو الفقر, الموت أو الحياة, فما الفرق إذن بينه وبين مالك الأرض والسماوات, هكذا كان حال هذا الجاهل المأفون, وقد أمهله الله بضع سنين, إلا انه يمهل ولا يهمل, فجاء القصاص آية لمن يريد العظة والعبرة, وأذاقه علي ايدي الثوار, ملعقة مما كان يذيقه الطاغية لضحاياه من الليبيين, من قتل ومهانة واذلال.أما ابنه, الموجود في قبضة ثوار الزنتان, فدع احدا يقول لنا بأية شرعية جاء, غير شرعية البطش والإجرام والقهر والظلم, واستهتار الأب الطاغية بشعبه, ومعاملته لهذا الشعب باعتباره قطيعا من الأغنام يورثه لابنه, واعتبار الوطن مزرعة شخصية له, يمتلكها بمن عليها من شجر وبشر وانعام, ظلماء, وصدق الابن انه الوريث الشرعي لابيه, وليس فقط في الحكم والسياسة والمنصب الأول في البلاد, ولكنه الوريث لابيه في ليبيا كلها, الأرض والماء والهواء والسماء والنجوم والشموس والأقمار, وكما نسي الأب انه جاء ملازما فقيرا, من بيت معدم, واب يعيش علي الإحسان, وتحايل علي الشعب الليبي حتي صار يتبوأ المركز الأعلي في البلاد, ثم استكبر وطغي وأراد ان يحكم كما يحكم أباطرة القرون الوسطي وملوك الحكم بالحق الالهي, فقد نسي الابن, أباه الملازم المعدم, ونسي جده الشحاذ التعس, ونسي خيمة البؤس والعوز التي جاء منها أهله, وقاد حربا ضد الشعب بأكمله لأنه خرج في مظاهرة سلمية يطالب بتغيير النظام, باعتبار انه وريث ابيه الاله, وفتح الابن كما فتح الأب, بوابات الجحيم, وخرج الاثنان علي شاشات التلفاز يتوعدان ابناء وبنات ليبيا بالويل والدمار, وباشرا تنفيذ ذلك فعلا, واستعانا بكل مافيات العالم, ومرتزقة الحروب, وتجار الموت, ويذكر الليبيون عندما استطاع الأب والابن تدبير ترسانة من أعتي الأسلحة وأكثرها فتكا ورعبا, واستعانا بمجرمي العالم من تجار الحروب, لوضع خطة, نقلا بها جيشا يبلغ طوله مائة وستين كيلو مترا, ليداهم عاصمة الثورة بنغازي والمدن التي ثارت معها في الشرق الليبي, وكانت حالة من حالات التجلي للضمير البشري, عندما انشق الأفق عن طائرات الشرعية الدولية, تحيل تلك الترسانة العسكرية التي تريد إبادة نصف الشعب الليبي الي كومة من الجمر والرماد, وكان الوريث البائس مازال في ذلك الوقت يمني نفسه بإبادة الشعب الليبي والجلوس فوق عرش من الجماجم والهياكل العظمية, مرددا ذلك التعبير الذي اشتهر به وهو يهدد أهل بنغازي, قائلا لهم لقد تأخر الوقت, بمعني أن الإبادة قادمة ولن ينقذكم أحد منها, وهاهو ابن ابيه وقد وقع في قبضة الثوار الذين هددهم بالإبادة, وقتل مع ابيه خمسين ألفا منهم, ويعاملونه بمنتهي الإنسانية, مكتفين بتقديمه للمحاكمة التي ستقول في حقه كلمة العدالة والقضاء.لست بحاجة وقد انتهت الملحمة الليبية التي خاضها المناضلون الي هذا النصر, لأن أعيد سردا لمجازر وأعمال النهب والسحق والتدمير وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها هذا الطاغية في حق شعبه, يكفي أن أقول ان الرقم النهائي الذي أسفرت عنه حرب التحرير ضد الطاغية في حق شعبه.
نريد ان ننظر الي الأمام في أمل وتفاؤل وتصميم علي البناء, وتعويض مافات, ولكننا لانستطيع الا ان نلتفت أحيانا الي الوراء في غضب وحزن وأسي لما حدث, لنأخذ العبرة, عاقدين العزم بألا نسمح اطلاقا بظهور طاغية جديد.
أحمد ابراهيم الفقيه
التعليقات (0)