\'خارج عن القانون\' لرشيد بوشارب: الانتصار النوستالجي لقضية التحرر الجزائرية بعد نصف قرن من النسيان
لقد غلب على الأفلام العربية التي تناولت أحداثا تاريخية مختلفة، سواء عن الحقبة الكولونيالية أو حقبة ما بعد الاستقلال والتحولات الاجتماعية والسياسية التي لحقتها. غلب الطابع الميلودرامي في جانب منها، والطابع التسجيلي'في جوانب أخرى متعددة، أما فيلم 'خارج عن القانون'''الفرنسي الجزائري الإنتاج) لصاحبه…
لقد غلب على الأفلام العربية التي تناولت أحداثا تاريخية مختلفة، سواء عن الحقبة الكولونيالية أو حقبة ما بعد الاستقلال والتحولات الاجتماعية والسياسية التي لحقتها.
غلب الطابع الميلودرامي في جانب منها، والطابع التسجيلي'في جوانب أخرى متعددة، أما فيلم 'خارج عن القانون'''الفرنسي الجزائري الإنتاج) لصاحبه المخرج الجزائري الفرنسي رشيد بو شارب، فقد عالج قضية الاستعمار الفرنسي للجزائر برؤية سينماتوغرافية مختلفة عن السائد المتداول في أخريات الأفلام ذات المسح التوثيقي المتقاطع، وبميزانية ضخمة نظرا للميزانيات المقارنة، والمنتجة لهذا
'النوع من الأشرطة التسجيلية الخيالية.
يروي هذا الفيلم، قيد الدراسة، قصة ثلاثة إخوة جزائريين انتقلوا لفرنسا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على اثر مجزرة صطيف التي أودت بعشرات الآلاف من أرواح المدنيين الجزائريين، ليقود اثنان منهم معركة التحرير على أراضي العدو، عن طريق تنظيم صفوف العمال الجزائريين المهاجرين في جبهة التحرير الوطني والقيام بضربات نوعية لجهاز الأمن الفرنسي.
الوجهة كانت أحياء الصفيح بمدينة ننتار الفرنسية حيث استقر الإخوة الثلاثة بادئ الأمر بعد سفر سعيد (جمال دبوز) وأمه في البداية، والتحاق مسعود (رشدي'زام) بعد عودته من الفيتنام حيث كان يحارب في صفوف الجيش الفرنسي مما أدى به للأسر وتعرضه لإصابة شوهت عينه، ثم اكتمال لم شمل العائلة بخروج عبد القادر(سامي بوعجيلة) من السجن الفرنسي بعدما قضى فيه سنوات طوال وتلقى فيه تكوينا سياسيا من احد قادة جبهة التحرير الوطني داخله.
وبالرغم من وجود قاسم مشترك بين الإخوة الثلاثة والمتمثل في تعلقهم بوطنهم الأم الجزائر وحلمهم بتحرره من الاستعمار، إلا أن كل واحد منهم كانت له فلسفته الخاصة في الحياة، فعبد القادر شخصية مليئة بالأفكار الثورية والالتزام الأعمى بتحرير الأرض والوطن بمختلف الأساليب العنفية الممكنة، حتى لو أدى الأمر إلى التضحية بأخيه سعيد في سبيل القضية الوطنية. سعيد الذي اختار طريقا آخر، طريق اتباع أقصر الطرق من أجل الوصول إلى تحقيق الثروة والرفعة الاجتماعية، ولو على حساب العرف الاجتماعي والأخلاقي، أما مسعود فقد كان الأكثر براءة وشفافية من أخويه،
'خاض حروب غيره تحت وهم قضية التحرر الكبرى، وخضع لإرادة عبد القادر في التورط في حرب جبهة التحرير ضد العسكر والمخابرات الفرنسية على أراضيها، بالتزام عاطفي أكثر منه سياسي او ثوري، ولعل تداعيه أمام أمه في مشهد مؤثر، واعترافاته لها بخطاياه'خصوصا تلك المتعلقة بعمليات القتل التي قام بها ضد الكثيرين، وبكاءه طلبا للصفح تحمل الكثير من هذا المعنى.
لقد قدم مخرج الفيلم للأحداث التي ستلي رحيل هذه العائلة الجزائرية إلى فرنسا ببعض الوقائع المأساوية، سواء تلك التي تعرض في المشهد الأول من الفيلم حيث تمت عملية نزع ملكيتهم لأرضهم من قبل معمر فرنسي دون وجه حق، وهم حسبما قاله لهم رب العائلة 'توارثوها عن أجدادهم'، أو من خلال مقدمة أخرى في مشهد مختلف حيث تجري فيه مجزرة صطيف التي راح ضحيتها عشرات الجزائريين الأبرياء، الذين راحوا ضحية تظاهرهم من أجل تحرير أرضهم وحقهم في تقرير مصيرهم.
وربما كانت تلك المقدمات موظفة بشكل خاص في البناء الفني لسيناريو الفيلم حتى توجد مبررا للتنظيم الذي استحدثه عبد القادر صحبة أخيه في فرنسا، والموالي لجبهة التحرير الجزائرية، ولعمليات القتل والاغتيالات التي قاموا بها ضد البوليس الفرنسي نصرة لقضيتهم، وانتصارا لوطنيتهم التي لم توهن في نفوسهم وإن غادروا بلدهم الأم وعاشوا في حضارة غير الحضارة.
لقد انتقد كثيرا فيلم 'خارجون عن القانون' خصوصا فيما يتعلق بهذا المحور وذلك على أساس أنه أظهر المقاومة الجزائرية للاحتلال الفرنسي كحركة إجرامية غير مبررة تعتمد على أسلوب حرب العصابات في قنص الأعداء والانتقام منهم لنيل التحرير وتطبيق القصاص ولو بخلفية ثقافية أكثر منها دينية.
وقد اعتبر أنصار هذا التوجه أن القتل والاغتيالات بتلك الطريقة يشوه قضية التحرر الجزائرية أكثر مما يخدمها، خصوصا أن عمليات القتل التي أقدم عليها أنصار جبهة التحرير الوطنية الجزائرية لم تقتصر فقط على استهداف الأمن والمخابرات الفرنسية، بل وطالت كذلك عناصر من الحركة الوطنية الجزائرية (حزب جزائري يتبع سياسة التفاوض من أجل تحرير الجزائر)، حيث تمت عملية تصفية ممثلهم في فرنسا عندما عارض أسلوبهم في النضال، هذا إضافة لإقدامهم على القتل حتى بأسباب يمكن حلها بطرق أخرى غير القتل مثل ما حدث مع'احد أتباعهم الذي اختلس بعض نقود التبرعات'الموجهة لدعم الجبهة من اجل شراء ثلاجة.
كما أن الأسلوبية النمطية لأفلام العصابات في تصوير الصراعات الدائرة بينهم وبين الأمن والمخابرات الفرنسية، هي من بين المآخذ التي طالت 'خارجون عن القانون' حيث نرى في مشاهد عدة الإخوة أبطال الفيلم وأنصارهم يخوضون معارك بالرشاشات والمسدسات من خلف سياراتهم، وبألبسة وقبعات تحيل بكثافة الى أسلوب عمل فيلم العراب للمخرج 'الأمريكي فرانسيس فورد كوبولا، FRANCIS FORD COPPOLA ، خاصة عندما يقوم بو شارب مخرج الفيلم بتحريك الكاميرا والتقاط صور في إطارات وزوايا قريبة وبعيدة، وإضاءات مختلفة بين الأكثر إنارة والأقلها، وإن اشتركت في الخفوت وعكس ظروف
'المطاردات الشيقة، والمثيرة في بعض الأحيان.
ولكن، فلنتمهل قليلا قبل الانجراف في النقد النمطي، وقبل تطبيق حكمة الخطأ والصواب، فلا يمكن لنا دائما أن نستعمل المنهج المقارن والإسقاطات المثالوية على كل المقاومات التي جرت وتجري في العالم منذ فجر البشرية، فنحن بصدد الحديث عن تناول سينمائي لمقاومة محتل جرت على أرضه، ونقل فني لوقائع تاريخية تم التوثيق لها، ومن غير الملائم لمخرج فيلم 'بلديون'indig'nes''الذي تحرى فيه الدقة التاريخية، وإن بأسلوب التناول الخيالي fiction ، أن يحرف أو يشوه كما قيل قصة ثورة بلاده على فرنسا الكولونيالية، أو أيضا يجمل ما هو بشع في أصل ذاته، فاقتفاء الصرامة
'الفنية في معالجة هذه' القضية، ولو شكليا وسرديا، كفيل بفرض سينماتوغرافيا معينة يجد المخرج نفسه متورطا فيها دون مقاومة.
صحيح أنه كانت هنالك مقاومات مدنية للاحتلال عصر الثورة الجزائرية، ولعل أشهرها المقاومة اللاعنفية التي ابتدعها غاندي، وصحيح أيضا أن غالبية المقاومات المسلحة تمت على أراضي البلدان الخاضعة للاحتلال، غير أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال اللوم على الصورة التي أظهر بها المخرج مناضلي جبهة التحرير الشعبية في فرنسا، وإن كان المخرج أغرق في التأثر بالصورة السينمائية لفيلم العراب والديكورات والأماكن وأوقات التصوير.. إلخ،' غير أن عمليات القتل والاغتيالات التي قام بها مناضلو الجبهة حدثت بالفعل ويمكن اعتبارها حقيقة تاريخية، ويمكن تفهمها
'جيدا حتى وإن حصلت خارج بلدهم، خصوصا وأن الجزائريين تعرضوا للاضطهاد والإبادة من قبل المستعمر الفرنسي، وفقدوا العزيز والغالي من أهلهم وإخوتهم وأصدقائهم في حرب احتلال فرضت عليهم لإلحقائهم بإمبراطورية المستعمرات الفرنسية.
هذا وبالبرغم من مشروعية نضالهم وقتالهم بتلك الطريقة للعدو الفرنسي الذي سلب أرضهم وشردهم فإنه كان بإمكان المخرج أن يوازن بين تصوير المقاومة المسلحة والمعركة وعمليات القتل المتبادل مع الفرنسيين والمخابرات بالمظاهرات والمسيرات التي كانت تشن من قبل الجزائريين المهاجرين بين الحين والآخر للتعريف بقضيتهم للرأي العام العالمي، وللمطالبة باستقلال بلادهم، وكيف كانت تواجه بالرصاص والقتل العشوائي، ولكن: هل للفنان من عقل صارم يوجهه؟ وهل يمكن الحديث عن توازن تام في العمل الفني؟ وهل يحتمل الفيلم السينمائي عدة زوايا في ذات المساحة'السينماتوغرافية؟ ربما هي أسئلة متأخرة عن أوانها، فقد سبق وخضنا فيها فيما سبق، غير أنها تبقى مطروحة لأنها الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تطرح في هذا السياق لما تثيره مباحثها من إشكالات وجدالات، وإن حملت في طياتها بذرة معانيها وما يمكن أن تحيلنا عنه'خاصة إذا كان لنا اقتناع مسبق بان حرية الفنان تسمو فوق النقد والتوازنات الفنية الصحية!!! لتصبح ترفا معرفيا ربما يصلح لتطوير السينما 'كنظرية' فنية لكن لا شأن له بمسيرة الفنان التجريبية، المتمردة دائما عن المشترك والمتفق عليه وعلى ما يجب أن يكون...
هذا ولم يكن'الجدل الذي أثاره الفيلم يقتصر فقط على شكلانية التصوير الفني لأسلوب الإخوة الجزائريين في معاركهم التي خاضوها ضد عناصر الأمن والمخابرات الفرنسية بل طال أيضا الدراما التي قاما عليها الفيلم، من زاوية عدم انجرافها نحو الإثارة العاطفية، وعدم اتباعه لأسلوب الميلودراما الذي يفتح آفاق التراجيديا المغرقة في عمق الذات الإنسانية، خاصة وأن قضية فيلم الحال تعتبر مادة مغرية لهذا التوجه الفني الكلاسيكي، غير أن مخرج الفيلم رشيد بو شارب ارتأى أن ينتهج أسلوبا آخر عند حياكته للحبكة الدرامية للفيلم وشتى تفاصيلها'وذلك بتقليصه لمنابع'التأثير العاطفي لأبطاله، خصوصا لعبد القادر، والحد من التفاعلات العاطفية والمبالغة التراجيدية بين أبطال الفيلم وجمهور المشاهدين مما يحد من الانبهار الكلاسيكي للميلودراما الذي تحدثه على المتلقي، ويقطع إغراء الوصل الذي تغيب فيه مدركات المشاهد الواعية تدريجيا مع تطور نسق الميلودراما، حتى تصير عمليات استنطاقاته الإدراكية للفيلم شبه غائبة، وبالتالي يصبح خاضعا للإيحاء بمختلف أوجهه دون الكثير من المقاومة.
في الواقع لم تغب الدراما عن فيلم 'خارجون عن القانون' طبعا، غير ان كبحه للانفلاتات الحرة لما يمكن أن تحدثه تراجيديا الأحداث بشكل يخضع نوعا ما، ولو بدرجة'نسبية لصرامة العقل، جعله يقارب نوعا آخر من الانفعالات المأساوية على الجمهور، نوعا يمكن تسميته بالعاطفة الجافة أو الميلودراما الجافة إن صح التعبير، بحيث وإن كانت تخترق أعماق كينونة الجمهور، غير أنها تحافظ على مسافة فنية معهم، كتلك التي نلمسها مثلا في أداء مارلين براندو خصوصا في فيلم العراب، وهو ما يمكن تصنيفه في خانة التأثر بهذه المدرسة الفنية التي لم نر لها انتشارا كافيا في
'الأعمال السينمائية الهوليوودية خصوصا،' والتي ترتكز بشكل كبير على الإثارة والميلودراما.
أخيرا..إن الجدل الكبير الذي أثاره فيلم 'خارج عن القانون' ساعة ظهوره، والنقد الذي وجه له، سواء أكان لصالحه أو ضده، لهو من المؤيدات الجلية لشغله عقول النقاد بمختلف أطيافهم وجنسياتهم سواء أكانوا عربا أو فرنسيين أو أمريكيين، وذلك لعدم تطابقه مع أية رواية نمطية لأحداث تاريخية من الحقبة الكولونيالية، ولعدم انتصاره العاطفي او الذاتي لأي شق من مكونات الصراع، لأنه بكل بساطة أراد أن يقدم عملا فنيا مبدعا، تنقصه شوفينيات الذات المتضخمة، وديماغوجيات العصر الملقاة على إسفلت سماسرة التاريخ والفن.
إًذًا، لم يبحث مخرج الفيلم عن الإثارة بمعناها الكلاسيكي، ولم يخض معركة النفاق الثورجي، ولم يحمل سينماه ما لا تحتمل، وذلك ليكن حرا في عمله بتجرد ممكن من الذات التاريخية والوطنية لحساب الذات الفنية المبدعة، المتخطية لخطوط التقليد، والمزايدة لصالح الفكرة السينمائية الخلاقة الموجهة للمشاهدين بمختلف'أطيافهم ومشاربهم.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)