ديكتاتورية ملتحية: أي ديمقراطية سيجلبها الإسلاميون للعالم العربي؟
لئن سلمنا نظريا أنه من المبكر عند البعض أو من الإجحاف عند البعض الآخر الحكم على مصير الثورات العربية قبل استقرار أوضاعها، فإن الوقائع الدامغة والحقائق الثابتة تؤكد أنها تشهد محاولات إجهاض مسارها الثوري وكتم أنفاس توجهها الديموقراطي. ذلك أن مؤشرات عديدة تجعل الكثيرين يميلون إلى ترجيح أن ما يحصل…
لئن سلمنا نظريا أنه من المبكر عند البعض أو من الإجحاف عند البعض الآخر الحكم على مصير الثورات العربية قبل استقرار أوضاعها، فإن الوقائع الدامغة والحقائق الثابتة تؤكد أنها تشهد محاولات إجهاض مسارها الثوري وكتم أنفاس توجهها الديموقراطي. ذلك أن مؤشرات عديدة تجعل الكثيرين يميلون إلى ترجيح أن ما يحصل الآن في تونس وليبيا خاصة وربما في المغرب أيضا بالإضافة إلى المؤشرات القوية في مصر هو التأسيس لديمقراطية شكلية بلون إسلامي لا يحفل بها بقدر ما يحتفي بمؤسسة الشورى الأثيرة لديه ولاشك أن الفرق الكبير بينهما معلوم. غير أن تلك الديموقراطية المطوعة لتكون في جوهرها شورى ربما تتجاوز بعض الشيء إيجابيا ديمقراطية الديكور المفتعل والكاذب التي أثث بها الحكام الدكتاتوريون؛ بن علي ومبارك والقذافي، كل على طريقته، حكمهم الاستبدادي الطويل والبغيض، ولكن يخشى أن يكون ذلك مرحليا فقط بفضل زخم الثورة وبلمسات طفيفة وسطحية لا تغير مداميك النظام الدكتاتوري شيئا كثيرا. فالديمقراطية الشكلية القائمة فقط على الغلبة العددية من خلال آليات التصويت الجامدة والسطحية الخالية من كل نفس ثوري وديموقراطي وتعددي حقيقي، لن تختلف كثيرا عن ديمقراطية الديكور وربما ستنتهي بنا إلى نفس المآل؛ لأن هذه الحركات وإن أضفت الطابع الديموقراطي الظاهري – كمداولات المجلس التأسيسي في تونس مثلا التي بدت في أغلب الأحيان بلا طعم ولا روح في انضباطيتها المبالغة إلى درجة العسكرة لمواقف الحزب - فإن أنصارها المتأدلجين إلى النخاع والمهيجين سياسيا والمجيشين عقائديا خاصة يسيّجون المجتمعات بسياج من الكليشيهات "الأخلاقوية" القائمة على التبكيت والتخجيل والإشعار بالخطيئة من الناحية العقائدية للمختلفين عنهم في اللباس والمظهر والتصرف؛ مثلما حصل في مؤسسات تربوية وجامعية تجاه المعلمات والمعلمين والمدرسات والمدرسين. كما توجد مؤشرات قوية لاختراق قوانين وأعراف استقرت وانطبعت في النفوس وصارت مكاسب وطنية ومظاهر للتمدن والتحديث؛ كحرية التعبيرالفكري والفني وكالرسم والنحت والأعمال السينمائية، كما في أحداث في معرض منحوتات في شارع بورقيبة وحرق قاعة مسرح وثقافة متعددة الأغراض في نابل وليس بعيدا حادثة أفريكا آرت وفيلم بيرسيبوليس، كذلك التلويح بالفصل بين الجنسين في المدارس ومن ثم الجامعات، والتلويح بمراجعة الكتب الدراسية بما سيقلص الجانبي المدني والتحديثي في محتوياتها، المقلّص مبدئيا منذ عهد الدكتاتوريين، ومحاولة إلغاء مادة التربية الفنية في المدارس. وفيما يخص الأسرة، ظهرت همسات للعمل على إحداث اختراق ما في مؤسسة الزواج والأحوال الشخصية ببطلان التبني وتعويضه بالكفالة، ورفض ظاهرة النساء العازبات، وتمرير خفي لفكرة إمكانية تعدد الزواجات عرفيا، وربما المسيار لاحقا أيضا، أو تقمص وظيفة شرطة الآداب سابقا - التي كانت تستخدم في عهد الدكتاتوريين كرديف للبوليس السياسي- عن طريق جماعة النهي عن المنكر كبوليس للعقائد وللسياسة معا، كما حصل مثلا في مهاجمة هذه الجماعة لمديرة إذاعة الزيتونة، وكغض النظر على اقتحام السلفيين للفضاءات الجامعية وعملهم على تغيير القوانين والأعراف الجامعية التي لا تسمح المتنقبات بحضور الدروس والامتحانات بالنقاب. ومن جهة أخرى، يمكن القول إن ما تقاسيه المجتمعات العربية من حماس مشط وغير مهذب للمتزمتين من أجل فرض الشريعة كما يرونها في الفضاءات العامة "تعانيه" هذه الحركات الإسلامية نفسها بسبب تغلغل عناصر راديكالية كثيرة ومؤثرة تقريبا في داخلها، وسيعاني منه "الديموقراطيون" في صلبها خاصة مما يدل على ضعف تأثيرهم فيها وقوة أثر منافسة التحرير والسلفية لهذه الأحزاب من خارجها. فهل يمكن لأحزاب سياسية هي في الوقت نفسه حركات دينية وجمعيات دعوية بأقلية ضعيفة جدا من التقدميين –إن وجدوا -أن تقود عملية تغيير ديموقراطي؟ بل كيف يكون الانتقال ديموقراطيا بقيادة أحزاب تخلط بين الشورى والديموقراطية؟ وبين الحكم المدني والحكم الديني؟ وبين ظاهرة الملل والنحل والفرقة الناجية والفرق الضالة إن لم تكن الكافرة مقابل التعددية الحقيقية؟ صحيح أنها حركات وأحزاب تضم ثلة من المناضلين القلة الذين يسعى بعضهم الأقل بتعثر كبير إلى تلمس طريق إلى التحديث وإلى اقتباس أفكار تتلاءم بين الشرع والعصر، ولكنها في المقابل تضم كثيرا من المتحمسين الذين تحركهم عقيدتهم أكثر مما يحركهم فكر سياسي محدد لم ينضج بعد. المشكلة العويصة أن هذه الحركات يغلب عليها النكوص حتى على مكتسبات نهضة أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتميل إلى الأخذ من التجربة الإسلامية السياسية غير الديمقراطية الطويلة نسبيا في البلاد العربية والإسلامية منذ ظهور الوهابية السياسية ودخول جماعة الإخوان المسلمين معترك الحراك السياسي في خمسينات القرن الماضي والثورة الإيرانية وتجربة الجبهة الإسلامية للانقاذ في الجزائر ونظام الحكم الإسلامي المنشق على نفسه في السودان، رغم الكتابات التي توحي بالتمدين والتحديث التي يدبجها بعض قادتها فإنها -عند التأمل - لا تتناسب طرديا وفي العمق مع الحداثة وشروطها لأنها تستجيب للشكليات وتتغاضى على الجوهر. وقريبا ستطفو على سطح فعاليات هذه الأحزاب ونشاطاتها فئة الانتهازيين والمنافقين والذين يتقنون فنون التملق إلى درجة احتلال المواقع بل تسلق المناصب؛ ذلك أن أحزابهم بميكانيزماتها لا تختلف في شيء واضح عن التجمع البائد في تونس والحزب الوطني في مصر ومرتزقة معمر المؤدلجين. فهم يكدسون الأنصار لمجرد التعبير عن الانتماء للإسلام السياسي في شكله البسيط جدا ويكفي أن يربط الفرد بين الدين والدولة ويعتبر أن الدولة تخضع للدين حتى ينتمي إليهم. وأما المتعاطفون فهم يجلبونهم جلبا عشوائيا تحت ضغط الرغبة في سحب الأنصار من اليمين الإسلامي المتطرف كالتحرير والسلفية من جهة ومن بقية الحركات الوطنية كالقوميين وحتى الليبراليين من جهة أخرى. ولكن دون مطالبتهم بأدنى التزام فكري معين؛ لأن النهضة والإخوان، والعدالة، وما شابهها في ليبيا وبقية البلاد العربية ذات الأغلبية السنية، لا تملك نظرية فكرية وسياسية معلومة كالنظرية البعثية أو الناصرية أو الماركسية أو حتى ولاية الفقيه الشيعية، بل حتى كحزب التحرير الذي يبدو فكره السياسي منسجما مع أصوله العقائدية، والسلفية الذين ينقلون إلى حد ما التجربة الوهابية بشكليها الجهادية و"العلمية" كما هي. إن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم وسطيين إسلاميين ما لم يتبنوا علمانية الإسلام السياسي التركي – المنقوص نسبيا ولكن الذي خطا خطوة واسعة في الاتجاه المدني - سيظلون يجمعون الشيء ونقيضه ويؤلفون بين أفكار مختلفة من مصادر قد تكون متباعدة دون إيجاد لحمة بينها. وهذا ما يفسر ارتباكات عديدة يحتاجون بعدها للتوضيح والتأويل وشرح الظروف، حتى قيل عنهم إن كل تصريح لأحد قادتهم يحتاج إلى ما يقرب من علم "أسباب النزول"، وحتى سمي الناطق الرسمي سمير ديلو لحركة النهضة في تونس بأنه "المكذب الرسمي" أو بصيغة ألطف الشارح والمؤول الرسمي، ولا شك أن له مثيلا في بقية الحركات الأخرى في بلدان الثورات والتغيير. إن كل هذه الجوانب تعد تحدّيات حقيقية في وجه الحلم الديموقراطي حتى لدى الإسلاميين الذين يمكن وصفهم بالتقدميين جزئيا، بل تثير الشك في إمكانية تجسده في أرض الواقع وربما ستؤكد الأحداث شيئا فشيئا بدايات الانجراف بعيدا عن هذا الحلم إذا لم تستطع القوى التقدمية وضع حد له، ويخشى الكثيرون أن تكون هذه المظاهر ممهدة لعودة الاستبداد بخطاب عاطفي ديني سيجد في هذه العاطفة والعقيدة مبررات الدكتاتورية كما حصل في الانتخابات من توجيه للناخب في المساجد باسم الشهادة لله ولمن ينصرون الله. وبغض النظر عن إشكاليات المسألة الوطنية في فكر النهضة والإخوان في مصر والعدالة في المغرب ومن شاكلهم في المجلس الانتقالي الليبي الذين اكتفوا برحيل الدكتاتور ولم يضعوا الدكتاتورية موضع المساءلة الحقيقية ولاسيما ارتباطاتها في الداخل (طبقة الفاسدين غير الظاهرين) وارتهان البلدان واقتصاداتها للخارج عن طريق المديونية المشطة والاستثمارات الناهبة، وبمعزل أيضا عن مشروعهم الملتبس بين دولة الخلافة الإسلامية إستراتيجيا والتداخلات والارتباطات الإقليمية والعالمية آنيا، والاستحقاقات القُطرية مرحليا، والتي قد يكون لها دور أيضا في تقليص مساحة الحرية وتقييد الديموقراطية حتى تنصاع الشعوب مرة أخرى إلى الحدود المرسومة لثوراتها إقليميا ودوليا، وهذا موضوع متصل ولكنه خاص وله تفاصيله، فإن الفكر السياسي لهذه الحركات فيما يخص تسيير الشأن العام ليس ديمقراطيا وليس تعدديا في جوهره. ولا أدل على ذلك -مثلا- من تصور النهضة الشكلي بل الكلياني في جوهره للنظام البرلماني، فهم أخذوا على ما يبدو أسوأ ما في النظام البرلماني الذي يمنح سلطة شبه مطلقة للوزير الأول أو رئيس الوزراء وهو ما يناسب النهضاويين في فترة ضعف الدولة وضبابية السلطة الذي يسود المرحلة الانتقالية الحالية لأنهم عمليا في القيادة والصادرة، ولكنهم يسعون إلى مسرحته ثلاثيا من وراء حجاب الترويكا، وبالتالي فإن عدوى الازدواجية في الخطاب وفي المواقف تبدو قد انتقلت من الحركات الإسلامية إلى حلفائها وأنها ستكون ميسم حكام المرحلة الحالية الغامضة وغير المكشوفة لا من حيث الماهية ولا الفترة الزمنية ولا الأجندة ولا الأهداف.
الجزائر تايمز / د. العربي بن ثاير
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)