هل ينجز الإصلاح السياسي الهادئ في الجزائر ربيعا ديمقراطيا؟

لم تفلح رياح الربيع العربي التي هوت عروش أعتى قادة العالم العربي هيمنة وبسطا للنفوذ في استنهاض همم الجزائريين، لانجاز التغيير المطلوب والمؤجل منذ عقدين على أقل تقدير. لكن صدى معارك الانتقال إلى الديمقراطية وضخامة الثمن الذي دفعه الليبيون على وجه الدقة والتحديد، وصل إلى قصر المرادية، الذي أجاب عنه…

فبراير 13, 2012 - 20:05
تم التحديث: 15 سنوات منذ
0 1.2ك
هل ينجز الإصلاح السياسي الهادئ في الجزائر ربيعا ديمقراطيا؟

لم تفلح رياح الربيع العربي التي هوت عروش أعتى قادة العالم العربي هيمنة وبسطا للنفوذ في استنهاض همم الجزائريين، لانجاز التغيير المطلوب والمؤجل منذ عقدين على أقل تقدير. لكن صدى معارك الانتقال إلى الديمقراطية وضخامة الثمن الذي دفعه الليبيون على وجه الدقة والتحديد، وصل إلى قصر المرادية، الذي أجاب عنه بطريقته الرصينة المعهودة قبل أن يدعو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة شعبه إلى الاستعداد للانتخابات التشريعية المرتقبة في أيار (مايو) المقبل، متعهدا بأن تكون محطة فارقة في انجاز ما يحلم به غالبية الشعب الجزائري.
منذ عدة أشهر دشنت السلطات الجزائرية وبأمر من الرئيس شخصيا، وبخطى متثاقلة مسلسل ربيع جــزائري مثخن بأعباء التاريخ الحديث والمعاصر، من خلال القيام بتعــــديلات مهمة مست مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والإعلامية، سمحت بموجبها بميلاد مجموعة من الأحزاب السياسية الجديدة، التي ستنافس شقيقاتها التقليدية التي حكمت البلاد والعباد منذ إلغاء المســار الانتخابي في تسعينات القرن الماضي، من أجل انجاح الانتخابات التشريعية المقبلة.
حتى الآن بلغت قائمة الأحزاب المعترف بها 17 حزبا جديدا، قسم كبير من هذه الأحزاب يحسب على العائلة السياسية الإسلامية أو المتفرعة عنها، وهي قائمة رافقها كم هائل من التعهدات الرسمية من مختلف الجهات المعنية بقيادة الجزائر، على أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة، التي تجمع الآراء على أنها ستكون قبل 17 من أيار (مايو) المقبل، باعتباره التاريخ الذي تنتهي بموجبه الدورة البرلمانية الحالية. وقد وصلت الجزائر بالفعل وفود أوروبية لمراقبة العملية الانتخابية، والعمل على انجاح مسار الانتقال نحو الديمقراطية في الجزائر على نحو هادئ، ودون دماء تذكر.
حتى الآن تبدو الخطوات الجزائرية نحو الإصلاح بطيئة، ولا توائم نسق التحولات السريعة التي تعصف بالمنطقة العربية منذ هروب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في 14 كانون ثاني (يناير) من العام الماضي، وذلك بالرغم من ضخامة عدد الاحتجاجات الاجتماعية وتواتر ظواهر المنتحرين على الطريقة البوعزيزية التونسية، أي الموت حرقا.
يرجع العارفون بالشأن الجزائري عدم هبة الشعب الجزائري إلى الثورة للمطالبة بالتغيير وإسقاط النظام، إلى التاريخ الدموي الذي طبع الجزائر في العقد الأخير من العقد الماضي، حين ألغت المؤسسة العسكرية المسار الانتخابي الذي كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد فازت فيه بالأغلبية، وخاضت حربا دموية لاستئصالها أمنيا ثم سياسيا ثم شرعيا من خلال رعاية ودعم أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية يكون قواعد الجبهة دون قياداتها جزءا من قواعدهم، لعدم الرغبة في إحياء معارك تاريخية لم تندمل جراحها بعد، وخشية من إراقة دماء جديدة تضاف إلى ربع المليون الذي أكلته العشرية الحمراء من الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين.
لقد طبع الغموض موقف النظام الجزائري من جميع الثورات الشعبية العربية، بل إن كثيرا من رموز الثورات الشعبية في دول الربيع العربي اشتكوا من الموقف الجزائري الرسمي، لكن مع كل ذلك لم يصدر من الجزائر أي موقف رسمي يمكن اعتباره بأنه مناوئ للثورات العربية بالرغم من الاتهامات التي ساقها بعض رموز الثورة الليبية للقيادات السياسية في الجزائر، وانعكس هذا الغموض أيضا على موقف النظام الجزائري من مطالب التغيير الداخلي التي لم يطــــالب بها المعارضون وحدهم، بل إن أحد أعمدة التحالف الرئاسي، وأعني هنا حركة مجتمع السلم 'حمس' التي يتزعمها أبو جـــرة سلطاني خرجت عن التحالف ودعت إلى استنبات إصــلاحات سياسية حقيقية تقي البلاد عواصف الربيع وتحفظ دماء الجزائريين.
لم يتأخر الفاعل السياسي الجزائري كثيرا وأقر تعديلات في قوانين الإعلام والانتخابات والأحزاب واعترف بمجموعة من الأحزاب كان اللافت فيها أن أغلبها محسوب على التيار الإسلامي، إذ تشكل أكثر من نصف التعداد، مما يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت هذه الظاهرة مقصودة في ذاتها أم جاءت بشكل عفوي؟ وهل هي نعمة أم نقمة على الإسلاميين في الانتخابات التشريعية المقبلة؟ وهل هذا يدخل في سياق التحول الديمقراطي وانسجاما مع الربيع العربي ومحاولة لتكرار النموذج المغربي، أم أنه نموذج مختلف وله أهداف مغايرة؟
مشكلة الإصلاح السياسي في الجزائر معقدة إلى نحو يصعب معه التنبؤ بمآلات أي حركة إصلاحية حقيقية، إذا أخذنا بعين الاعتبار فداحة الثمن الذي دفعه الجزائريون جراء إلغاء المسار الانتخابي في تسعينات القرن الماضي، وهي تجربة تظل ماثلة أمام الجزائريين كلما راودتهم فكرة الخروج إلى الشارع لرفع ذات الشعار الذي صاغه التونسيون يوم أن قرروا إزاحة الظلم وإنهاء الاستبداد وخلع الرئيس، أي 'الشعب يريد إسقاط النظام'.
لا أحد من السياسيين الجزائريين، باستثناء قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الممنوعين من العمل السياسي بحكم القانون وبعض النشطاء من المحسوبين على حركة رشاد المعارضة أو المقربين منها، يرفعون شعار التغيير الجذري للنظام ويقللون من أهمية أي إصلاح سياسي يجري في ظل النظام الحالي، لكنه مع ذلك يبدو الشعار الأقرب إلى الواقع منه إلى الحلم، فقطار التغيير الذي انطلقت عجلاته من تونس ليقفز إلى مصر ومنه إلى ليبيا قبل أن يحط رحاله السياسي في اليمن، ثم يتجه إلى سورية، لا يبدو أنه في وارد استثناء أي دولة تنتمي لذات المنظومة السياسية القديمة، وحتى وإن كان الثمن بالعملة الحمراء التي ترهق كاهل الأجيال الحديثة التي تفتح أعينها على فجر جديد يخول الحاكم فيه لنفسه استخدام كل ما اختزنته مؤسسات دولة الاستقلال من أسلحة قديمة للفتك بكل مطالب بالحرية وبالتداول السلمي على السلطة.
لقد استطاعت الجزائر خلال العقدين الماضيين، أن تؤمن أبواب المرادية من وصول قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ إليها، واستطاعت أن تستثمر إيجابيا في ثروات الجزائر الهائلة من النفط والغاز، لتكون قوة إقليمية بامتياز، لكن رياح التغيير السلمي وسنة الكون في التدافع لم تعد تقبل بالركود السياسي والركون إلى الرأي الواحد والحزب الواحد والزعيم الواحد، هذا فضلا عن أن فزاعة الإسلاميين التي كان الغرب وقواه الحية تخشاها قد أمست من كوابيس الماضي التي لا تقدم ولا تؤخر في أمر فرض التداول السلمي على السلطة في العالم العربي بسلاح الدم بعد أن فشلت كل الأسلحة السياسية المشروعة في نحته.
وما يطمح له الجزائريون وأصدقاؤهم من العرب، خصوصا إذا كانوا من التونسييين الذين يألمون متى تألمت الجزائر وينتعشون متى ما انتعش اقتصاد الجزائر وأمنها وازدهر، أن يستطيع قادة الجزائر والفاعلون السياسيون فيها أن يحفظوا دماءهم ويختزلوا المسافات باتجاه عملية انتخابية حقيقية يتنافس فيها السياسيون الجزائريون دون إقصاء أو استبعاد، لإفراز برلمان منتخب وحكومة شرعية تقابل الأيادي المغاربية الممدودة للجزائر بيد مماثلة وتضع حدا لحالة الجفاء التي طال أمدها مع المغرب الأقصى، وتقود الجزائر قطار مغرب الحرية والعدالة والتداول السلمي على السلطة، الذي يفعل فعله في مسار التاريخ العربي والإسلامي ولا يكون مجرد مردد لتجارب الآخرين.
أما اجراء الانتخابات والتعامل مع أنصار الجبهة الإسلامية وكوادرها باعتبارهم أيتام لا قيادات سياسية لهم، بحكم القانون، فلن يؤدي إلى تغيير الواقع الجزائري، بل وسيكون مدخلا لإجهاض الحراك الربيعي في تونس وليبيا. وأيا كانت مواقف السلطات الدجزائرية من التغيير، فالحرية لا يكتسبها الناس بالتمني، ولكن تؤخذ إرادة الحياة غلابا.

 

 

 

 

الجزائر تايمز عادل الحامدي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User