مخاضات صعبة قبل الولادة الثانية للاتحاد المغاربي
انتهى اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد المغاربي الخمس الأحد في ذكرى تأسيسه الثالثة والعشرين (تأسس في مراكش بتاريخ 17 فبراير/شباط 1989)، والذي عقد يومي 18و19 فبراير، بما يشبه إعلان نوايا تم فيها التركيز على ضرورة عقد مؤتمر قمة مغاربي قبل نهاية العام الحالي في تونس وليس في ليبيا وتفعيل اتفاقية التبادل…
انتهى اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد المغاربي الخمس الأحد في ذكرى تأسيسه الثالثة والعشرين (تأسس في مراكش بتاريخ 17 فبراير/شباط 1989)، والذي عقد يومي 18و19 فبراير، بما يشبه إعلان نوايا تم فيها التركيز على ضرورة عقد مؤتمر قمة مغاربي قبل نهاية العام الحالي في تونس وليس في ليبيا وتفعيل اتفاقية التبادل التجاري الحر بين الدول المغاربية، وتنسيق المواقف السياسية في بعض القضايا السياسية والمؤتمرات الدولية.
ودعا وزير الشؤون الخارجية الجزائري مراد مدلسي٬ في الجلسة الافتتاحية٬ إلى ضرورة تفعيل هياكل ومؤسسات اتحاد المغرب العربي وتكريس مفهوم التكامل والاندماج الاقتصادي وفق مقاربة براغماتية متدرجة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الجهوي المشترك.
وأكد أن الجميع يدرك أن مقاربة الوحدة والاندماج وتنسيق المواقف بين الدول الأعضاء في مختلف المحافل الجهوية والدولية "تفرض نفسها كمنهجية مشتركة للحفاظ على كياناتنا والدفاع عن مصالحنا ومكتسبات شعوبنا٬ خاصة في ظل علاقات التعاون والشراكة المتنامية مع التجمعات والتكتلات الإقليمية والدولية".
وأكد وزير الخارجية المغربي سعد الدين عثماني أن المملكة المغربية تعتبر الاندماج المغاربي أولوية دستورية وضرورة إستراتيجية تنموية وأمنية ملحة٬ يزيد من حتميتها عصر التكتلات والتطلعات العميقة والمتواصلة للشعوب المغاربية٬ إلى تجسيد الروابط الأخوية المتجذرة التي تجمعها.
وأضاف أن المغرب يعتبر أن الاندماج الاقتصادي والانسجام الاجتماعي والتنسيق السياسي المحكم في الإطار المغاربي٬ يقتضي وضع خارطة طريق مغاربية شاملة ملزمة بأهدافها وآلياتها٬ تجعل هدفها الأسمى تمكين المواطن المغاربي من كل شروط العيش الحر الكريم.
واستطرد أن تحقيق شراكة مغاربية شاملة مستدامة تقتضي إيجاد المناخ الملائم للاستثمار من خلال توفير الضمانات القانونية المحفزة وترسيخ دولة القانون في مجال الإعلام وتكريس التنافسية والشفافية واعتماد الحكامة الجدية واحترام حرية تنقل الأشخاص وتيسير حركة رؤوس الأموال.
وقال إن ذلك يتطلب إفساح مجال واسع أمام الجماعات المحلية والشباب والمجتمع المدني والقطاع الخاص في ورشات التنمية المغاربية داعيا الرأسمال المغاربي إلى التحلي بالروح المغاربية العالية من خلال إعطاء الأولوية في كل مشاريعه الاستثمارية لبلدان الاتحاد.
وقدم الحبيب بن يحيى الأمين العام للاتحاد أربع أولويات لتنشيط دور مؤسسات الاتحاد تتمثل في التوقيع على اتفاقية قيام منطقة التبادل الحر الجاهزة وعقد مجلس وزراء التجارة دورة طارئة بطرابلس والتزام الأمانة العامة بفض إشكاليات قواعد المنشأ وما يتبعها خلال اجتماعات عاجلة للخبراء بمقرها قبل شهر يونيو/حزيران المقبل موعد المؤتمر المغاربي الثالث، وعقد الجلسة التأسيسية للمصرف المغاربي بعد أن تستكمل الدولتان المتبقيتان تحرير اكتتابهما في رأس المال وإقرار عاجل للإستراتيجية المغاربية للشباب تكوينا وتشغيلا.
وأرسل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة برقية إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس قال فيها "إن تحقيق وحدة المغرب العربي في عصر التكتلات الجهوية والدولية ضرورة حيوية ملحة لتمكين شعوبنا الشقيقة من مواجهة التحديات ضمن تجمع مرصوص البناء وموحد الكلمة".
اجتماع بدون جدول أعمال
يبدو أن اجتماع وزراء خارجية دول المغرب العربي ، تم بدون جدول أعمال وأن هدفه الوحيد كان التحضير لاجتماع قمة يجمع رؤساء دول الاتحاد، ولكن حتى هذا الهدف اتضح أنه ليس بالإمكان تحديد موعد الاجتماع.
الجزائر مقبلة على انتخابات والرئاسة التونسية مؤقتة وتنتهي مدتها مع انتهاء المجلس التأسيسي من وضع الدستور ودعوة الناخبين لانتخاب رئيس جديد للبلاد وبرلمان والانتقال الديمقراطي في ليبيا لم يتم والوضع السياسي في موريتانيا يشوبه بعض القلق والتوتر. لذلك- لم يكن بمقدور الوزراء سوى الاتفاق على السعي لعقد اجتماع القمة قبل نهاية العام الحالي على أن يستمر التشاور بينهم لتحديد موعده.
النوايا الاقتصادية
فيما يتعلق بتفعيل اتفاقية التبادل التجاري الحر المجمدة منذ تم تجميد الاتحاد فقد تقرر دعوة وزراء التجارة في دول الاتحاد إلى الاجتماع لمعالجة بعض الإشكالات التقنية التي تعوق تنفيذ الاتحاد، مثل قواعد المنشأ والرسوم الجمركية، على حد قول عثماني ولو أن المشكل السياسي أيضا الناجم عن استمرار إغلاق الحدود بين الجزائر والمغرب منذ عام 1994، يعد أيضا من عوائق التنفيذ.
وفيما يتعلق بفتح الحدود بين الجزائر والمغرب أدلى وزير داخلية الجزائر ولد قابلية بتصريح صحافي قال فيه "إن إعادة فتح الحدود بين الجزائر والمغرب محتملة جدا بالنظر إلى الدفء الذي تشهده العلاقات الثنائية بعد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية المغربي". إلا أنه أضاف أيضا بأن إعادة فتح الحدود ترتبط بقرار سياسي ولا تعني فقط وزارة الداخلية الجزائرية.
ومن الواضح أنه ليس لدي الدول الخمس تصور عملي لتنمية اقتصادية مشتركة بينها تستوعب آلاف العاطلين في كل منها، وتعمل على تحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها. ورغم وجود فوائض مالية كبيرة لدي الجزائر نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتمكن ليبيا مؤخرا من تحرير استثمارات ليبية في الخارج تقدر قيمتها بمائة مليار دولار، الا أنه لا توجد مشروعات اقتصادية مدروسة يمكن توجيه التمويل المتوفر لدى الدولتين، في حالة توفر النية لديها لكي يتم استثمارها داخل الفضاء المغاربي.
تنسيق المواقف الخارجية
قرر الوزراء تنسيق موقفهم من اجتماع مجموعة 5+5 المزمع عقده الثلاثاء، والذي يجمعها مع خمسة دول أوروبية هي : فرنسا وأسبانيا والبرتغال وإيطاليا ومالطا وتهتم تحت مظلة الإتحاد الأوروبي بمسائل الشراكة الاقتصادية والتنمية والأمن والهجرة.
كما اتفق الوزراء حول تنسيق موقفهم بالنسبة للأزمة السورية في اجتماع مؤتمر أصدقاء سوريا المنتظر عقده يوم 24 فبراير.
التعاون الأمني
يعتبر التعاون الأمني بين الدول الخمس من أولويات المسائل التي تهتم بها الإدارة الجزائرية وقد ألح عليه وزير خارجية الجزائر. ويفترض أن يقوم ببحثه وزراء الداخلية والدفاع. وأصر وزير خارجية الجزائر أن يقوم ببحثه وزراء الخارجية في اجتماع بالجزائر يخصص لموضوع الإرهاب والأمن. وقال وزير خارجية المغرب ولو أنه مازال عند رأيه بأن هذا الموضوع من اختصاص وزراء الدفاع والداخلية، إلا أنه لو وجهت إليه الدعوة من الجزائر فسيحضره.
وحسب وجهة نظر الجزائر فإنه توجد مخاطر أمنية كبيرة تهدد استقرار الدول المغاربية وخاصة الجزائر بسبب انتشار الأسلحة في المنطقة بعد انهيار نظام القذافي، وتخشى الجزائر أن تصل تلك الأسلحة إلى ما تسميه بتنظيم القاعدة في بلدان المغرب العربي، فضلا عن تدفق اللاجئين على موريتانيا والجزائر بسبب القتال الناشب بين قوات مالي وقوات الطوارئ جنوب الجزائر. ويوجد في موريتانيا حاليا حوالي 16 ألف لاجئ من الطوارق ويزداد عددهم يوميا بتوافد أفواج جديدة منهم. ونفس الشيء يحدث في منطقة تمنراست الجزائرية القريبة من حدودها مع مالي.
إصلاح المنظومة المغاربية
يقول وزير الخارجية المغربي بأن الأمانة العامة للاتحاد أعدت مشروعا لإصلاح المنظومة المغاربية وأنه تم الاتفاق على أن يتم عقد اجتماع بين كبار المسؤولين في وزارات الخارجية لتطوير المشروع والمصادقة عليه.
إن ما يحدث حاليا في واقع الأمر يعبر عن رغبة في ولادة ثانية لاتحاد المغرب العربي. وهي ولادة ما زال يوجد الكثير مما لا يتوقع معها أن تكون سهلة، رغم ما قد يبدو من العرض السابق بأنه لم يعد ثمة ما يدعو إلى التشاؤم بعد كل تلك النوايا الطيبة المعلن عنها من قبل الدول الخمس، وتلك التحركات الإيجابية، وما تبديه جميعها من حرص على تحريك تلك المنظومة الإقليمية المجمدة منذ سنوات عديدة إن لم نقل منذ ولادتها قبل 23 عاما.
ومع ذلك، لا يكون ثمة ما يدعو إلى تفاؤل بأن هذه التحركات سوف تسفر عن تغيير كبير في الوضع الراهن خلال العام الحالي، ومن المحتمل في نفس الوقت أن يطرأ تقدم خلال العام القادم. وفي البرقية التي أرسلها الرئيس الجزائري للعاهل المغربي نلاحظ بأنه يطالب بأن يتم التدرج في العمل في هذا الاتجاه. وعموما فإن كل دولة من الدول الخمس ستكون مشغولة تماما إلى ما بعد نهاية العام الحالي في إعادة ترتيب بيتها الداخلي وخاصة كل من الجزائر وليبيا وتونس.
الاحتمال الوحيد في أن يشهد الاتحاد المغاربي تقدما ملموسا خلال العام الحالي قد يتوقف على عقد اجتماع على مستوى رؤساء الحكومات، وبحيث يرافق رئيس الحكومة وفد وزاري يشارك فيه وزراء الداخلية والدفاع والاقتصاد والزراعة والتجارة والصناعة، ويتم الإعداد له على نحو جيد من قبل أمانة الاتحاد في الرباط، بما في ذلك أعداد جدول الأعمال ومسودة مشروع البيان الختامي له بالتشاور بين تلك الأمانة والحكومات. ويسبق هذا الاجتماع مؤتمر القمة الذي يجمع رؤساء دول الاتحاد في النهاية للتوقيع على ما يتوصل إلية رؤساء الحكومات من اتفاقيات واعتماد ما يتخذونه من قرارات.
الهواجس الأمنية لدى الجزائر موجودة منذ أكثر من عشر سنوات، ففي عام 1999 كانت الجزائر تطالب المغرب بإلحاح بأن يتم الاتفاق على ما تسميه بالأمن المتبادل. وقد أجريت اتصالات من قبل بين المسؤولين الأمنيين في البلدين، واستقبل الرئيس الجزائري خلال السنوات الماضية وزيرين للداخلية المغربية وتباحث مع كل منهما زهاء أربع ساعات، قبل أن يتباحث مع وزير الخارجية المغربي مؤخرا.
وغير معروف حتى الآن طبيعة تلك الهواجس الأمنية الجزائرية ولا مطالب الجزائر بشأنها، حيث لم يتم الكشف عنها من قبل الجانبين.
وإصرار وزير خارجية الجزائر على بحث التعاون الأمني، وتوجهه نحو عقد اجتماع جديد لوزراء الخارجية لبحث الموضوع، يعني أولا بأن تلك الهواجس الأمنية مازالت قائمة لدى الجزائر.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إنه إذا لم تحقق الجزائر ما تريده على الصعيد الأمني فلن تفتح الحدود بينها وبين المغرب قريبا وسيظل أمرها مؤجلا. كما لا يتوقع أن تبدي مرونة تنتظرها المغرب منها بخصوص مشكلة الصحراء، والتي تم الاتفاق بين الجانبين مؤخرا على تنحيتها جانبا باعتبار أن أمرها بين يدي هيئة الأمم المتحدة.
وقد اعتدنا أيضا خلال العقود الماضية على اجتماعات عربية تحاط بهالة إعلامية ضخمة وهي في حقيقة أمرها خواء.
لذا يمكن القول بأن هذه التحركات الأخيرة تبشر بإمكانية إحراز تقدم في هذا الاتجاه، ولكنه سيكون تقدما بطيئا، وسيحتاج إلى وقت طويل حتى تكتمل مسيرته وتتحقق الأهداف الكبيرة المعلنة، وسيحتاج أيضا أن تواكبه ثقافة سياسية واقتصادية وإنسانية تدفع في اتجاهه وهي غير متوفرة حاليا بالقدر الكافي عند النخب السياسية التي بيدها الحل والعقد.
وعموما أن يتحقق الهدف متأخرا، أفضل من ألا يتحقق أبدا.
الجزائر تايمز / فوزي منصور
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)