معيقات بناء المغرب الكبير بين اللغو و الحقيقة
بدأ الحديث مجددا عن ضرورة بناء المغرب الكبير، وتحقيق الحلم الذي ساور الأجداد، ولا زال يعيش على أمل تحقيقه العديد من الأجيال. حلم جميل إذن لا زال يعيش جنينا في زمن التكتلات، و أمانة تركها السلف الصالح في عنق خلف جعلها شعارا لقول بلا عمل، وبضاعة للمساومة و الابتزاز. لتذكير الأجيال الحديثة فقط، فإن…
بدأ الحديث مجددا عن ضرورة بناء المغرب الكبير، وتحقيق الحلم الذي ساور الأجداد، ولا زال يعيش على أمل تحقيقه العديد من الأجيال. حلم جميل إذن لا زال يعيش جنينا في زمن التكتلات، و أمانة تركها السلف الصالح في عنق خلف جعلها شعارا لقول بلا عمل، وبضاعة للمساومة و الابتزاز. لتذكير الأجيال الحديثة فقط، فإن هذا الحلم كان قد هتف به رجالات هذا الوطن الكبير قبل استقلال أقطاره من الاستعمار الفرنسي، و عاهدوا أنفسهم على أن يكون هدفهم الأول، ومسعاهم الأسمى هو تحقيق الوحدة داخل مغرب كبير، يتسع لكل مكوناته ، من غير حدود و لا قيود.
بمجرد اكتمال استقلال أقطار المغرب العربي، بدأت التشنجات العصبية، و الصراعات الإيديولوجية في بناء دعائم الخلاف و الفرقة بدل الوئام و الوحدة، فمنهم من سار نحو النظام العسكري الشمولي و القمعي باسم القومية و محاربة الرجعية مثل ليبيا و الجزائر، ومنهم من سار نحو النظام الليبرالي و التسلطي البوليسي باسم الحرية الفردية مثل تونس و المغرب، و بين ذلك الصراع و ذاك، غيبت الشعوب، ووئدت الأحلام، وقطعت الأرحام و غلقت الحدود.
اصطنعت قضايا رغما عن كل الحقائق، لتصير قضايا مصيرية و إستراتيجية أكبر من مصالح البلاد و العباد، وتستباح أعراض و أرحام، فيصير التنكيل بها من دواعي الغبطة و السرور، و الإتيان بها مفخرة تجيب المجد و السمو في مراتب الوطنية الوثنية.
تعرضت العديد من الندوات، لموضوع بناء المغرب الكبير، محاولة جرد العديد من المعيقات التي تقف حجر عثرة في وجه هذا المشروع التاريخي و التنموي الكبير، غير أن جل هذه الندوات لم تكن لها كل الشجاعة للوقوف على مكامن الخلل، و تسميته بدون لف و لا دوران، حتى تتمكن الشعوب المغاربية من أن تكون على بينة من أمرها.
ظهرت فكرة الاتحاد المغاربي قبل الاستقلال وتبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية الذي عقد في مدينة طنجة بتاريخ 28-30/4/1958 والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. لم تكن جبهة التحرير الوطني تبدي أي ميول للاتجاه نحو النظام الشمولي و الحزب الوحيد أو حتى التفكير في الاستمرار في العمل السياسي بعد خروج المعمر من الجزائر لكونها حركة تحرر تنتهي صلاحيتها بانتهاء الوجود الفرنسي. لقد كان معظم قادتها ليبراليون، ينحدرون من عدة أحزاب وطنية جزائرية، مارست العمل السياسي مند عشرينيات القرن الماضي، و دعتهم الضرورة للتكتل داخل جبهة التحرير الوطني من أجل تخليص الجزائر من الاستعمار.
الصراع بين الأنظمة في أقطار المغرب الكبير بدأ مباشرة بعد استقلال الجزائر آخر مستعمرة فرنسية في المنطقة، و استيلاء جبهة التحرير الوطني الجزائرية على الحياة السياسية، وفرض نفسها كحزب وحيد بعد تصفية مجمل رموز الثورة، وحل كل الأحزاب الوطنية الأخرى و منعها من العمل السياسي خارج إطار الحزب الوحيد.
لم يكن طبعا ممكنا في تلك الفترة، أي تقارب أو اتحاد بين أنظمة يتبع أطرافها لمعسكرات متصارعة و متطاحنة، بل إن الأنظمة المغاربية وجهت كل قدراتها المادية و الفكرية للدخول في حروب باردة تارة و ساخنة تارة أيضا بالوكالة عن المعسكرين الشرقي و الغربي. ازدادت تلك الحرب ضراوة بعد الانقلاب في ليبيا و التحاق العقيد القذافي بالمعسكر الشيوعي هو أيضا.
صرفت أموال طائلة على الفتنة و زرع الشقاق، وخاصة من طرف النظام الجزائري القديم الجديد، ونظام العقيد البائد في ليبيا، وهي الأموال التي إن كانت قد صرفت على التنمية البشرية و الاقتصادية في المنطقة المغاربية، لكان حالها اليوم أفضل بكثير من دول جنوب أوربا و أمريكا اللاتينية. صرفت تلك الأموال باسم التحرر و القومية و التقدمية و محاربة الامبريالية و الأنظمة الملكية في المغرب الكبير، وهكذا حاول القذافي مرارا الاستيلاء على تونس بقوة الحديد و النار لكي يطرد منها نظام بورقيبة العميل للامبريالية العالمية حسب زعمه ، و صنع جبهة البوليساريو الانفصالية لإسقاط الملكية في المغرب الأقصى، كما اعترف بذلك بنفسه بعد أن أورث القضية للهواري بومدين لكي يجعل منها، كما اعترف هو أيضا، حجرة في حداء المغاربة، كي تعيقهم في أي تقدم، خاصة و أن المملكة المغربية كانت سنة 1974 مصنفة على رأس قائمة من أربع دول تنتمي للعالم المتخلف، ومرشحة للسير نحو العلى، وهي المغرب و اسبانيا و ماليزيا و اندونيسيا.
القضية الصحراوية تبقى إذن العائق الأكبر نحو بناء المغرب الكبير، لأنها ليست قضية أنظمة فقط كما يدعي الكثير. صحيح أنها قضية نظام في الجزائر و لا علاقة للشعب الجزائري بها، ولكنها عند الجانب المغربي هي قضية شعب و لا يمكن تجاوزها مهما حصل. هناك قضايا أخرى ظهرت مع الربيع العربي في المنطقة، و من شأنها أيضا أن تزيد في تعقيد الأمور، ومنها أن النظام في الجزائر الذي لم يحصد من دعمه للانفصال في جنوب المملكة المغربية، غير كراهية الشعب المغربي له، قد زاد من رصيد الكراهية تجاهه بسبب موقفه من الثورات في تونس و ليبيا. هذا التحول الكبير في الأنظمة الحاكمة في تونس و ليبيا بسبب الثورات الساخنة، وفي المغرب الأقصى بسبب الثورة الهادئة، والتي تصب كلها في إعطاء الشعوب الحق الكامل في تحديد سياسة البلد الداخلية و الخارجية ، قد يجعل من الصعب على الأنظمة المتبقية في المنطقة و التي لا زالت لم تعي الدرس بعد، أن تجد لها مكانا داخل الكيان المغاربي الذي تريده الشعوب و ليست الأنظمة.
إن بناء المغرب الكبير اليوم، يحتاج لأنظمة منبثقة من الشعوب، وتحظى بثقة كل شعوب المنطقة. أنظمة تكون مؤمنة إيمانا صادقا بقضية الوحدة، وليست مدفوعة بإستراتيجية مشبوهة نتيجة ضغوطات خارجية و ظرفية. أنظمة تكون لها الشجاعة الكاملة في الاعتراف بالأخطاء و تسميتها بمسمياتها، ثم المثوبة منها. صحيح أن المنطقة المغاربية لها الكثير مما يجمعها على المستوى العقائدي و الإثني، غير أنها تجثم أيضا على بركان مدمر على مستوى الخلافات القطرية، فهناك مشاكل حدود و مياه و خيرات باطنية قائمة بين الجزائر و كل جيرانها شرقا و غربا و جنوبا. هناك أيضا محاولات حثيثة من الخارج و الداخل، لزرع بوادر الانشقاق داخل القطر الواحد بسبب التركيبة الإثنية المتنوعة داخل بلدان المغرب الكبير، والتي من شأنها أن تغير من الخارطة القطرية أو تصنع العشرات من الكيانات الضعيفة.
المغرب الكبير هو حلم يجب أن تحققه الشعوب، وليس شعارا ترفعه الأنظمة علنا لتدس السم في جوفه سرا، كما أنه كيان لن يتحقق إلا بأنظمة ديمقراطية تأتمر بأمر شعوبها، و لا تغتصب السلطة عن طريق التزوير و لا الانقلاب، ولا تجعل لشعوبها من القضايا الخاسرة قضايا إستراتيجية تسمى فوق المصالح العليا الحقيقية للوطن.
الجزائر تايمز / جمال أحمد
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (15)