رؤساء احزاب مدى الحياة يطالبون النظام بتداول السلطة
فتح تنحي سعيد سعدي زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني) في الجزائر الباب مجددا للتساؤل حول رؤساء الأحزاب السياسية الذين ينادون ويطالبون النظام بتكريس مبدأ التداول على السلطة، بينما يبقون هم على كراسيهم مدى الحياة، لا يغادرونها إلا بالإقالة أو الوفاة، عدا بعض الاستثناءات. وجاءت…
فتح تنحي سعيد سعدي زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني) في الجزائر الباب مجددا للتساؤل حول رؤساء الأحزاب السياسية الذين ينادون ويطالبون النظام بتكريس مبدأ التداول على السلطة، بينما يبقون هم على كراسيهم مدى الحياة، لا يغادرونها إلا بالإقالة أو الوفاة، عدا بعض الاستثناءات.
وجاءت استقالة سعيد سعدي الجمعة الماضي مفاجأة نوعا، لأن هذا الأخير موجود على رأس حزبه منذ 23 عاما، ورغم أنه برر قراره برغبته في فسح المجال أمام أجيال جديدة لتولي مقاليد تسيير الحزب، إلا أن هذا المبرر بدا غير مقنع بالنسبة لبعض المراقبين، الذين استغربوا كيف يعلن سعدي تنحيه ولا يترك أعضاء حزبه يختارون رئيسا جديدا لهم، بل فرض عليهم خليفته، الذي لم يكن سوى النائب محسن بلعباس.
وطوال مسيرته على رأس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية كان سعيد سعدي متهما بالتسلط، وعدم ترك الفرصة أمام كل الذين يمكن أن ينازعونه الأضواء، بدليل أن التجمع عرف نزيفا حقيقيا في أبرز كوادره الذين غادروا صفوفه، وكلهم يجمعون أن طريقة تسيير سعيد سعدي هي التي كانت السبب في رميهم للمنشفة.
واتهم سعدي هذه المرة بأنه استقال من أجل تسيير الحزب من وراء الستار، في انتظار عودته في وقت لاحق، على نفس طريقة فلاديمير بوتين، كما أن القرار يمكن أن يكون حسب المحللين محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خاصة وأن قرار مقاطعة الانتخابات البرلمانية أثار ردود فعل سلبية داخل قواعد الحزب التي لم تتقبله ولم تقتنع بالمبررات التي قدمها سعيد سعدي.
وبصرف النظر عن الأسباب الحقيقية الواقفة وراء استقالة سعيد سعدي، فإن القرار في حد ذاته أعاد بعث الجدل حول رؤساء الأحزاب السياسية، الذين لا يستقيلون إلا في حالات نادرة، وحتى عندما يحدث ذلك، فإنه يكون مجرد محاولة لحفظ ماء الوجه من إقالة مهينة.
ويعاني معظم قادة الأحزاب من عقدة الزعامة، فهم لا يقبلون النزول من كرسي الرئاسة، إلا عندما يجبرون على ذلك، ويمكن أن نقسم الأحزاب إلى قسمين، أحزاب السلطة التي تعرف تداولا مبرمجا، لأن رؤساءها يعينون ويقالون حسب مواقيت معينة، فمثلا جبهة التحرير الوطني عرف تعاقب العديد من الأمناء العامين الذين كانوا يعينون بشكل مباشر في عهد الأحادية، وبشكل غير مباشر في عهد التعددية، وكذلك الأمر بالنسبة لغريمة التجمع الوطني الديمقراطي (حزب الوزير الأول)، ولكن لم يكن أبدا التداول عفويا أو عاكسا لإرادة القاعدة النضالية لهاته الأحزاب.
أما الأحزاب الأخرى التي ولدت في عهد التعددية، فلم تشذ عن قاعدة الزعامة، فحركة مجتمع السلم مثلا (إخوان) أسسها الراحل محفوظ نحناح في بداية التسعينيات، وبقي على رأسها إلى غاية وفاته في عام 2003، وخلفه بعد ذلك أبو جرة سلطاني الذي لا يزال على رأس الحركة منذ ذلك الوقت، رغم بروز حركة تصحيحية حاولت الإطاحة به أكثر من مرة، قبل أن يجد أعضاؤها أنفسهم مجبرين على الخروج من الحركة وتأسيس حزب جديد.
وكذلك الأمر بالنسبة لعبد الله جاب الله الذي يعتبر واحدا من أبرز شخصيات التيار الإسلامي، والذي أسس ثلاثة أحزاب خلال عشرين سنة، حركة النهضة ثم حركة الإصلاح وأخيرا جبهة العدالة والتنمية، وذلك لأنه كان يخرج في كل مرة بانقلاب داخلي، بسبب اتهامات متكررة له بالتسلط والتفرد بالقرار ورفض التداول على المنصب، بدليل أنه عندما أسس حزبه الأخير صنع لنفسه حصانة استثنائية لغلق الباب أمام أي انقلاب داخلي محتمل.
وحتى عميد الأحزاب المعارضة جبهة القوى الاشتراكية لم يغير زعيمه حسين آيت أحمد منذ سنة 1963، مع العلم وأن آيت أحمد من الشخصيات التاريخية البارزة، ومن السياسيين الذين يحظون باحترام الخصوم قبل الحلفاء، ورغم أن زعامة آيت أحمد داخل حزبه تقترب من القدسية، إلا أنه لم يشذ عن قاعدة الزعامة مدى الحياة.
الإشكال المطروح في الأحزاب الجزائرية هو ارتباطها بشكل كبير بالزعامات الشخصية، هؤلاء لا يستثمرون عادة في تنشئة جيل قادر على القيادة، بدليل أنه في حالة اختفاء الزعماء، فإن الأحزاب التي أسسوها تفقد بريقها وتندثر بعد مرور فترة قصيرة، فمثلا حزب التجديد الجزائري تقهقر ولم يبق منه إلا الإسم بعد رحيل مؤسسه نور الدين بوكروح، والحركة الديمقراطية والاجتماعية تحطمت بعد وفاة مؤسسها الهاشمي شريف، وحتى حركة الإصلاح التي طردت جاب الله، انقسمت على نفسها ووصل الصراع إلى حد استعمال الخناجر لفض التنافس على من يقود الحركة.
كمال زايت
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (14)