السلفية والدولة في المغرب والمقاربة الجديدة

منذ خروج من يسمون بشيوخ السلفية الجهادية من السجن في بداية شهر فبراير الماضي، تحول الحديث عن هذا التيار من قضية انحراف فكري إلى مسألة تتعلق بإنشاء تنظيم سياسي أو جمعية مدنية تعبر عنه، أسوة بما حصل في مصر بعد الثورة. فقد حصلت قفزة كبرى في التعامل مع هذا الموضوع الذي كان سقف التداول فيه يتحدد في…

مارس 30, 2012 - 22:22
تم التحديث: 14 سنوات منذ
3 1.6ك
السلفية والدولة في المغرب والمقاربة الجديدة

منذ خروج من يسمون بشيوخ السلفية الجهادية من السجن في بداية شهر فبراير الماضي، تحول الحديث عن هذا التيار من قضية انحراف فكري إلى مسألة تتعلق بإنشاء تنظيم سياسي أو جمعية مدنية تعبر عنه، أسوة بما حصل في مصر بعد الثورة.

فقد حصلت قفزة كبرى في التعامل مع هذا الموضوع الذي كان سقف التداول فيه يتحدد في مسائل تتعلق بالمراجعة والتوبة، ثم أصبح مباشرة بعد الإفراج عن الشيوخ الثلاثة ـ الذين سبقهم محمد الفيزازي قبل عام ـ يتعلق بالانخراط في العمل السياسي، بحيث بدا أن أمر المراجعة الفكرية تم الحسم معه وأنه يتوجب الانتقال إلى المرحلة التي تليها.

خلال الأعوام القليلة الماضية كانت قضية المراجعة الفكرية لدى أتباع التيار الأكثر تداولاً بين الأوساط المعنية بالملف، على اعتبار أنه المدخل الرئيسي لتصفية الأجواء بينه وبين الدولة، وخطوة تهميدية نحو طي الملف أمنياً وقضائياً وسياسياً وفتح صفحة جديدة، كما فتحت هذه الصفحة نفسها في الماضي مع اليسار ثم مع جزء من الإسلاميين.

وخلال هذا المسار تم ترويج أطروحة الحوار مع معتقلي هذا التيار، وهي الأطروحة التي تم تلقفها بسرعة، على الرغم من أن المجلس العلمي الأعلى الذي كان يتوفر على توصية بالحوار مع هؤلاء المعتقلين الحاملين للفكر التكفيري لم يعمل على التفاعل مع الموضوع، وهو ما زاد تأكيد أن الملف ظل خاضعاً للمقاربة الأمنية رغم كل ما قيل وما كتب عن المقاربات الأخرى، ومن بينها المقاربة الفكرية والمقاربة الشرعية في التعامل مع الموضوع.

غير أن تصريحات بعض هؤلاء الشيوخ الذين تم الإفراج عنهم، وبينهم حسن الكتاني، نفى حصول أي حوار معه وفق المقاربة المذكورة أعلاه، مما طرح إشكالاً كبيرا، وهو هل فعلاً حصل حوار من هذا النوع أم لم يحصل؟

ويبدو أن هناك فرضيتين: إما أن الحوار تم بالفعل لكنه استثنى الشيوخ، وإما أنه لم يتم بالمرة، وفي حال تأكد الفرضية الأولى، فإن هناك تساؤلين: الأول يرتبط بهوية الجهة التي دعت إلى الحوار وقامت به، والثاني يرتبط بنتائجه، والحال أنه ما عدا مبادرة "أنصفونا" التي أصدرها عبد الوهاب رفيقي أبو حفص من داخل سجنه في مارس 2010، وأيدها حسن الكتاني، بوصفها المبادرة الأبرز لما يسمى بالمراجعة مع العلم أن هناك مبادرات صغيرة متفرقة هنا وهناك، فإننا لا نلاحظ أي مشروع حقيقي ومتكامل لأي حوار مفترض، وهذا ما يعزز احتمال أن تلك المراجعات صدرت عن المعتقلين كمبادرات شخصية منهم بعيداً عن الحوار مع أي جهة من الجهات المسؤولة، وهو الأمر الذي يستبعد أي حديث عن مراجعة لتيار بكامله بشكل حصري.

لذا يبدو أن الدولة لجأت إلى الحل الوسط، وهو الإفراج عن من يسمون بشيوخ هذا التيار لكي يكونوا وسطاء غير مباشرين بينها وبين باقي المعتقلين، بحيث تكون طريقة إدارة مرحلة ما بعد الإفراج نوعا من "المراجعة" العملية التي يتم تسويقها داخل السجون.

إنها نفس التجربة التي حاول أن يترجمها الشيخ محمد الفيزازي بعد الإفراج عنه، ولكن يبدو أن تحركات الفيزازي الكثيرة وتصريحاته البالغة الكثرة أفقدته القدرة على التأثير وقللت من وزنه.

لكن المشكلة التي طرحت للنقاش في الوسط السلفي هي كون هؤلاء الشيوخ بدأوا ينأون بأنفسهم عن المشاركة في الحركات الاحتجاجية المطالبة بالإفراج عن باقي المعتقلين، وهو الأمر الذي قد يهدد بالتقليل من سمعتهم داخل السجون حيث المئات من معتقلي هذا التيار.

هذا اعتقاد بدأ يروج في أوساط عائلات المعتقلين السلفيين، وهو اعتقاد فيه بعض الصواب، لكن صوابه مرتبط بالظرفية السابقة على الإفراج عن الشيوخ، ذلك أن الدولة اليوم وجهت رسالة مباشرة مفادها أن حل الملف لن يكون من الشارع أو من خلال الضغط من داخل السجون كما حصل في سجن سلا مثلا أثناء الحراك الذي شهده الشارع المغربي، بل من خلال إثبات"حسن السلوك" من قبل المعتقلين أنفسهم.

هذه الرسالة صدرت عن وزير العدل والحريات مصطفى الرميد لدى استقباله للشيوخ المفرج عنهم في بيته في الشهر الماضي، فعندما طلب الرميد من هؤلاء الشيوخ الالتزام بواجب التحفظ وأكد أن مصير المعتقلين الآخرين يتوقف عليهم ـ أي على الشيوخ ـ كان بذلك يوجه رسالة مزدوجة إلى الشيوخ والمعتقلين على السواء، أي أن على الشيوخ واجب التحفظ، وعلى المعتقلين واجب الانضباط.

المقاربة الجديدة للملف ترتكز على إدماج هؤلاء الشيوخ المفرج عنهم في استراتيجية الحل النهائي له، لكن الصعوبة تكمن في طريقة تنزيل هذا الحل إن كان بالفعل موجودا لدى الدولة كسيناريو بديل، بمعنى: هل سيقوم هؤلاء الشيوخ بالانتقال إلى السجون ومباشرة الحوار مع المعتقلين السلفيين؟، إذا أقدمت الدولة على هذه المبادرة فستكون قد خطت نصف المسافة، لكن النصف الثاني يبقى في أيدي المعتقلين الذين يفترض بهم ـ في هذا السيناريو ـ أن يمسكوا باقتراحات الشيوخ وأن يقوموا بالرد على التحية.

والواقع أن هذه المقاربة الجديدة هي نتاج شراكة بين الدولة وبين حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة. لقد ظل الحزب طيلة السنوات القليلة الماضية ـ بعدما أصبح مباحا الحديث عن معتقلي السلفية الجهادية إثر تصريحات الملك الشهيرة ليومية "إيل باييس" الإسبانية ـ يطالب بالإفراج عن هؤلاء المعتقلين بدعوى أن الكثيرين منهم زج بهم في ملفات لا شيء تحتها، بل ذهب بعيداً وطالب بفتح تحقيق في تفجيرات 16 ماي 2003 بالدار البيضاء كورقة ضغط مع أنه يعلم بأنه يطالب بما يستحيل.

وبعدما وصل الحزب إلى السلطة وجد نفسه أمام مطالب الأمس، فحاول أن يجمع بين تلك المطالب وبين ضرورات الدولة، وهو ما أدى إلى هذا الإفراج الأخير الذي جاء نتيجة رفع التماس من وزير العدل والحريات إلى الملك لتمتيع الشيوخ بالعفو، بحيث يكون هذا الإفراج اختباراً مشتركاً للطرفين، اختباراً للمفرج عنهم من طرف الحكومة/الحزب، واختبارا لهذا الأخير من طرف الدولة، على اعتبار أنه صاحب المبادرة إلى التماس العفو، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن هذا الإفراج أصبح بمثابة الجمرة الساخنة في يد حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، ومن هنا نفهم تصريحات مصطفى الرميد السابقة، والتدخل الذي حصل لدى عمر الحدوشي الذي كان قد صرح بعد الإفراج عنه بأنه لم يطلب العفو، وقال"لو قدمت طلبا للعفو، وأنا مظلوم، فلا عفا الله عني"، وتلويحه بإمكانية رفع دعوى ضد الدولة، وذلك من أجل دفعه إلى التزام السكوت.

من شأن هذه المقاربة أن تكون مقاربة ناجعة لو تم التعامل معها بحذر من قبل مختلف الأطراف، وعلى الأخص الشيوخ. فالظاهر أنها مقاربة تريد أن تتجاوز مرحلة 16 ماي بشكل نهائي، وأن تطوي الصفحة كلها بخيرها وشرها، لأن استمرار النظر فيها قد يطيل أمد المعاناة بالنسبة للجميع. وبلغة أخرى فإن طي هذه الصفحة سيعفي أي طرف من توجيه الاتهام إلى الطرف الآخر، والأكثر من ذلك أنه سيعفي الدولة من مواجهة حقائق مختلفة عما تم التوثيق له في السنوات الماضية، ومن هنا فإن مطلب إعادة المحاكمة، الذي كان ينادي به الكثير من المعتقلين ومنهم الشيوخ أنفسهم ويطالب به البعض ومنهم وزير العدل والحريات الحالي في السابق، يبدو أكثر تكلفة من أي سيناريو آخر، لأن ذلك المطلب قد ينتهي ـ بشكل أو بآخر يقل أو يزيد ـ إلى إدانة الدولة نفسها، وهكذا ستتغير المواقع بين المعتقلين والدولة، بحيث سيصبحون هم خارج القفص بينما تصبح الدولة في الداخل من الناحية السياسية.

إنه منطق"التوازن في إطار التجاوز"، وهو نفس المنطق الذي عملت به الدولة في طي صفحة الماضي مع اليسار. ينبغي ألا ننسى أن مسلسل المصالحة مع اليسار ومع مرحلة سنوات الرصاص تم على دفعات وفق منهجية تجزيئية لاختبار النوايا، وتطلب الأمر أكثر من عشر سنوات لكي تدرك الدولة بأن هذا الاختبار قد نجح، منذ العفو الملكي الأول عام 1989 الذي أفرج فيه عن بعض معتقلي اليسار، إلى أن توج هذا المسلسل في نهاية التسعينات بهيئة الإنصاف والمصالحة.

والهدف من التجزيء هو في نفس الوقت توجيه رسالة إلى التيار السياسي المعني، ذلك أن الدولة في مرحلة الاعتقالات تتعامل مع المعتقلين بوصفهم يمثلون تياراً، أما عندما تفرج عنهم فهي تتعامل معهم بوصفهم يمثلون أنفسهم.

ونلاحظ اليوم أن الدولة تتبع نفس المنهجية في التعامل مع ملف السلفيين، من خلال الإفراج عنهم عبر دفعات، على أساس أن تكون كل دفعة لاحقة اختباراً للباقين. لذلك فإن الإفراج عن الشيوخ يدخل ضمن مقاربة جديدة ترمي إلى إشراكهم في الحل كما سبق القول، ذلك أن رصيدهم العلمي بالإضافة إلى تجربتهم في الاعتقال طيلة سنوات، والقرب من مجتمع السجن حيث تختلط مجموعة من الأفكار والتطرفات العقدية، يمنحهم القدرة على الكشف عن مكامن الخلل في الفكر السلفي المتشدد ويعطيهم المقدرة على الحد من غلوائه.

فالتطرف ما زال موجوداً، وصدور بيان عمن يطلقون على أنفسهم "الجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد بالمغرب الأقصى"، يكفرون فيه الحكومة ويهاجمون فيه رئيسها ووزير العدل والحريات، دليل على أن التطرف ما زال قائماً، حتى وإن كانت هذه المجموعة المفترضة لا تعكس تياراً كبيراً أو منظماً، أو كان للبيان مقاصد أخرى، لكن المهم أن أصوات التطرف تظل تهديداً حقيقياً بالمغرب.

هذا فيما يتعلق بمرحلة البحث عن حل، لإنهاء الملف بشكل نهائي، وتبقى هناك تساؤلات عن المرحلة اللاحقة، مرحلة ما بعد إنهاء الملف، وهذا ما سنعود إليه في وقت لاحق.

ادريس الكنبوري

 

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (3)

User
حميد
حميد 14 سنوات منذ
<strong>لا مراجعات و لا تراجعات</strong> لا مراجعات و لا هم يحزنون هؤلاغء ظلموا تم الزج بهم في السجون و قد قالها جلالة الملك محمد السادس ان ملفهم عرف تجاوزات كثير من انذاك بدات الامور تتغير تجاههم حتى تم العفو عنهم بالتدريج و الان لم يبقى سوى تعويضهم عن السنوات التي تم احتجازهم فيها و السلام
عثمان
عثمان 14 سنوات منذ
<strong>مجموعة بائعي الفتاوي لخدمة الصهيونية .</strong> المتتبع لمصادر تمويل وتكوين هؤلاء الوهابيين -القتلةوالمجرمون- يكون متأكدا من أنهم يخضعون مباشرة لشيوخ الفتنة وعمداء الصهيونية بالسعودية الذين تختارهم المخابرات الأمريكية كآل السيخ الأعور مفتي السعودية الذي أفتى بتحريم مساعدة الفلسطينيين ماديا ومعنويا ضد الكيان الصهيوني المغتصب ،ومفتي مسلخة قطر -القرد الاوي- الذي أفتى بنسيان القدس -المسجد الأقصى -وتحريم الذهاب إليه ،إذن هؤلاء الشيوخ السفليين هم مجموعة من المتصهينين المتخفين بالدين ، إنهم يمثلون النفاق والخداع الديني ليدمروا المجتمعات المسلمة بأيدي أبناءها ومن داخلها كما حدث ويحدث بالجزائر وأفغانستان والعراق والفلبين والصومال والبوسنة والشيشان وليبيا وسوريا واليمن ومالي والنيجر والسودان والمغرب وبلدان مسلمة أخرى . فمن الجانب الديني لم يأتي هؤلاء الصهاينة السفليين بأركان الإسلام أو الإيمان جديدة ، بل زوروا تفاسير من سبقوهم ووضعوا أحاديث مغلوطة وضعفوا أحاديث صحيحة وروجوا واستعملوا أحاديث ضعيفة وموضوعة خدمة لأهداف صليبية وصهيونية لمساندة ومباركة كل حروب الإبادة والغزو الأمريكية والأروبية ضد البلدان المسلمة ، فهؤلاء القتلة المأجورين -السفليين- هم جنود مجندة للحركة الصهيونية المكلفة بتدمير وتفتيت وترويع والمحافظة على تخلف وتجهيل وتجويع المجتمعات المسلمة المتخلفة أصلا ، انظروا إلى أماكن تواجدهم في البلاد المسلمة ،إنهم يوجدون في الهوامش ومستعدون في كل لحظة ضعف الدولة للا نقضاض والاستيلاء على القرى والمدن ،وهم لا يملكون لا برنامجا تعليميا ولا اقتصاديا ولا سياسيا ولا علميا ولا عمليا ، فهؤلاء لا يُتقنون إلا التفجيرات والقتل والاغتصابات وبيع الفتاوي كما فعلوا من قبل بالبلد ان السابق ذكرها خدمة للسياسة الصهيونية . أما سفليي المغرب فهؤلاء المرتزقة يصومون ويفطرون ويحتفلون بعيدي الفطر والأضحى مع شيوخ الوهابية بالسعودية ،ويؤتمرون بأوامر السعودية ،وهم مستعدون لإعلان الحرب بالمغرب لو أمرتهم السعودية لأنها مصدر تمويلهم ،إن هؤلاء المتخلفين المجرمين الوهابيين لا إيمان لهم ولا إسلام لهم فهم مختلفون عن جميع المذاهب الإسلامية في كل شيء ،حتى أنهم لا يفشون السلام إلا بينهم ،باستثناء من يُحاولون استقطابه لترويده ،ليفجروه عن بعد بعد أن يمسحوا دماغه.
عيشوش
عيشوش 14 سنوات منذ
<strong>وهل يقبل حكام الفساد والإستبداد بالإسلام؟</strong> لا يمكن باي حال من الأحوال أن يقبل الفاسدون بتطبيق القرآن أوالقانون.إلا حيث ومتى يشاؤون لأنه سيحجزهم عن فسادهم وإذا لجأوا مضطرين إلى استعمال بعض الإسلاميين شريطة ألا يكونون متشددين سيكونون في الواجهة حتى يوهموا الشعب بالتغيير ، وهذه أساليبهم في التغرير والتدليس والتزوير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. هذا هو الأمل في إرادة الله عز و جل.