مزاجية الناخب الجزائري
أهم الظواهر التي تعكسها المزاجية هي لا عقلانية السلوك الانتخابي فضلاً عن السياسي؛ فبدل أن يكون التصويت قناعة راسخة وسلوكاً واعياً فإنه يتم بشكل اعتباطي عند جزء مهم من الناخبين
بغض النظر عن نتائج الانتخابات ومدى تعبيرها عن طبيعة حجم القوى السياسية في المجتمع الجزائري أو تعبيرها عن طموحاته وآرائه، وبغض النظر أيضاً عن حدوث تزوير من عدمه فإنه بعد الصدمة الأولى التي أحدثتها نتائج الانتخابات سواء بنسبة الاقتراع التي قاربت النصف في حين كانت التوقعات تحصرها في حدود العشرة أو العشرين بالمائة إذ كان هاجس المقاطعة أكبر هواجس النظام الجزائري، وفوز حزب جبهة التحرير الوطني بقرابة نصف المقاعد أيضاً وحصول التكتل الإسلامي ممثلاً في الجزائر الخضراء على مقاعد محدودة جداً مقارنة بتوقعاته بالفوز بالأغلبية، فقد أجمع معظم المراقبين والمتابعين على أن خطاب رئيس الجمهورية قبل يومين من الانتخابات كان السبب في النتيجتين أي رفع نسبة الاقتراع وتوجيه الناخبين نحو التصويت لحزب جبهة التحرير الوطني.
هذا التحول في السلوك الانتخابي بعد خطاب الرئيس يعكس ظاهرة خطيرة في المجتمع الجزائري وهي المزاجية التي تخفي وراءها الكثير من الظواهر السلبية التي لا يمكن التأسيس عليها لتقدم في العملية السياسية أو لربما قد تؤدي هذه الظاهرة إلى الانزلاق باتجاه سلوكيات عنيفة على شاكلة احتجاجات الزيت والسكر وغيرها من الاحتجاجات التي تشهدها من حين لآخر العديد من المدن الجزائرية لأسباب مختلفة.
أهم الظواهر التي تعكسها المزاجية هي لا عقلانية السلوك الانتخابي فضلاً عن السياسي فبدل أن يكون التصويت قناعة راسخة وسلوكاً واعياً فإنه يتم بشكل اعتباطي عند جزء مهم من الناخبين من مختلف الأعمار سواء كانوا شباباً أو كباراً في السن تأثر بعضهم بخطاب الرئيس.
والهاجس الخارجي الذي كان أحد أهم الأسباب التي حفزت على الانتخاب لا يخرج عن إطار المزاجية؛ إذ طالبت بعض الأصوات الجزائري أن يدلي بصوته ولو كان بورقة بيضاء المهم ألا يعطي فرصة للنيتو.
وبينت نتائج الانتخابات أن نسبة الأصوات الملغاة كانت الأكبر حتى اصطلح عليها بحزب الأصوات الملغاة بعد حزب الأغلبية الصامتة، فبينما حصل حزب جبهة التحرير الوطني الفائز بقرابة نصف مقاعد البرلمان على 3.1 مليون صوت بلغ عدد الأصوات الملغاة أكثـر من 7.1 مليون صوت، من مجموع أكثـر من 9.3 مليون مصوت.
هذه المزاجية هي من دفعت المتذمرين من ارتفاع أسعار البطاطا قُبيل أيام من الانتخابات والذين يشاركون أبناءهم هموم البطالة وغيرها من المشاكل يصوتون لصالح حزب هم من أشد الناقمين عليه، وحتى الممانعة والمقاطعة؛ صحيح أنها من منطلق رفض لممارسات السلطة وفشلها في تلبية المتطلبات الاجتماعية ولكن إذا دقق فيها كحالات فردية فهي مواقف مزاجية أيضاً غير مؤسسة على قناعات سياسية.
من هنا فإن من عوَّل على تأثر الناخب الجزائري بنتائج الانتخابات في محيطه العربي أو حتى بحزب العدالة والتنمية التركي كان مخطئاً كما يخطئ من يصف اختيار الناخب الجزائري لحزبه بالفعل الناضج، وعدم نجاح الإسلاميين ليس انطلاقاً من موقف مبدئي منهم كما يشاع، لأنه عند النظر إلى طبيعة المرشحين في القوائم الانتخابية فإن الذين ترشحوا في قوائم غير الإسلاميين ليسو أكثر علماً أو حتى نزاهة منهم، إضافة إلى أن التوقف عند المستويات العلمية المتدنية لبعض المرشحين الذين نجحوا في الوصول إلى البرلمان تطرح علامات استفهام كبيرة حول سلوك من انتخبهم هذا إذا لم يشكك في قدراتهم العقلية؟
والإشكال الأدهى والأمر أن عدوى المزاجية انتقلت إلى الطبقة السياسية وبشكل خاص المعارضة منها التي تنتقل من اليمين إلى الشمال عند أي منعرج سياسي دون أن تكون أي فواصل حقيقية وموضوعية بين المرحلتين فبتنا أمام معارضة مزاجية أيضاً.
هذه الظواهر تبعث على القلق مستقبلاً على العملية السياسية برمتها فإذا كنا في سنة 2012 نحشد التاريخ والتهديد الخارجي لإقناع الجزائري على الانتخاب لمجرد الانتخاب ومع ذلك يمتنع أكثر من نصف من لهم الحق في التصويت عن ذلك والجزء الأكبر من المصوتين يصوت وتلغى أصواته ومن صوت سرعان ما يعود إلى واقعه الاجتماعي متذمراً وناقماً على من صوت لهم فهذا يعني أنه ما زال أمامنا الكثير الكثير حتى نبلغ مرحلة الفعل السياسي العقلاني الذي يمكن رصده من خلال استطلاعات الرأي، سلوك انتخابي يكون الاختيار فيه على أساس البرنامج والأفكار وليس المصلحة الشخصية أو العروشية أو الجهوية.
الجزائر تايمز بوزيدي يحيى
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (10)