المغرب العربيّ بين تقاطُعات الفنّيّ والسياسيّ

هل يمكن للذّاتية المحلية، بجميع مكوّناتها التاريخية الخاصة، أن تقبل التواصل مع الذاتيات الخارجية عبر قناة الفن؟ وهل بمقدور الفنّ أن يُشكّل معانيه من عجينة واقعه المحليّ دونما احتاج منه إلى معاني الكون؟ وإذا صدق القول بكونية سوق الفنّ، ألا يمكن استثمار تلك السوق لعرض أنماط التواصل الممكنة بين الشعوب…

يوليو 04, 2012 - 09:50
تم التحديث: 14 سنوات منذ
1 975
المغرب العربيّ بين تقاطُعات الفنّيّ والسياسيّ

هل يمكن للذّاتية المحلية، بجميع مكوّناتها التاريخية الخاصة، أن تقبل التواصل مع الذاتيات الخارجية عبر قناة الفن؟ وهل بمقدور الفنّ أن يُشكّل معانيه من عجينة واقعه المحليّ دونما احتاج منه إلى معاني الكون؟ وإذا صدق القول بكونية سوق الفنّ، ألا يمكن استثمار تلك السوق لعرض أنماط التواصل الممكنة بين الشعوب وتسريع حركة التبادل السياسي بين الأنا والآخر؟ وكيف يمكن استثمار الفنون لتقصّي الحقائق وتبليغ مطالب الشعوب للسياسيّين؟ ثم لماذا ظلّ الفنانون العرب، وخاصة المغاربة منهم، أكثر جرأة واستعدادا من السياسيين للانفتاح بآرائهم على الفضاء الفكري الغربي؟

بهذه الأسئلة، وغيرها، افتتحت الكاتبة الفرنسية نادين ديسوندر، المختصة في مجال الجماليات، صباح 2 يوليو/تموز 2012 الندوة الثانية من ندوات مهرجان أصيلة الدولي في دورته الرابعة والثلاثين الموسومة بـ "تقاطعات المغرب المتعدِّد"، ذاكرةً في هذا الشأن قولَها بأن ثورات الربيع العربي المغاربية قد تقلب، بشكل جذري، الحدودَ التقليدية للفنّ وتعوّضها بلغة جديدة تمزج بين فهم الظرفية المشتركة بين الجميع والسعي نحو الفردانية. وهو ما يعني أن الفنّ قادر على الجهر بمعاني ثورات الربيع العربي وعلى أن يكون الفضاء الأمثل لرصد تغيير الواقع لدى الناس.

تاريخ الفنّ هو تاريخ الحرية

ولكنّ مخالطة الفني للسياسيّ أمر قد يدفع إلى التساؤل حول مدى قدرة الفعل السياسي على الحدّ من حرية الفنّ باعتباره ممارسة واعية وحرّة، وهو ما حاول إبراهيم العلوي، الباحث المغربي في التاريخ الفني، أن يجيب عنه في مداخلته، إذ بيّن أنّ حداثة أوروبا ونهضتها ترجعان في جزء كبير منهما إلى الفنون، ذلك أنّ الفنّان هو الذي سبق السياسيّ إلى تعرية المسكوت عنه في المجتمع الأوروبي ونقده بجرأة. وعليه، يمكن أن تُعوّل مجتمعات دول المغرب العربي على فنونها في فعلها التحرّري الذي تشهده الآن، وذلك عبر إعادة النظر في تراثها الفني المحلي وتسخيرِه في حماية الذاكرة الجماعية القديمة والحديثة من أجل شحن عناصر هويّتها بكلّ مظاهر الحياة والتجدّد وهي تتواصل مع عناصر هويات أخرى.





فريد الزاهي

 

وخلص هذا البحث إلى القول إنّ الفنّ يظلّ ممارسة ذاتية قد تتقاطع مع الممارسة السياسية ولكنها لن تخضع لإملاءات الإيديولوجيا الحاكمة، لأن الفن فعل تاريخي واجتماعي لا يمكن إلاّ أن يكون حرًّا.

لم تعد لأسئلة لفن حرقتُها

وفي السياق ذاته، نبّه فريد الزاهي، الباحث في مجال الصورة والجسد والمتخيَّل، إلى ضرورة أن يعي الفنان المغاربي بحجم المفارقات التي تحكم علاقة الفني مع السياسي، ذلك أننا "كففنا منذ عقديْن عن التساؤل عن الذّات وعن وضعنا الثقافي والفني، وحتى ما ظهر لنا من أسئلة في الغرض، فإنّها لم تُصب قلب الأحداث التي نعيش، ولم تجب عن سؤال هامّ وهو لماذا يعيش الفنان واقعه بإيقاع لا يتماشى وسرعة إيقاع الواقع ذاته؟".

وذهب الزاهي إلى تأكيد أن السؤل لم يعد الشكل الوجيه لإدراك الواقع الثقافي، بل إنّ الأسئلة لم تعد لها حرقتها، بسبب ما نعيش من هيمنة للصورة والرقمنة والافتراض، وهو ما جعل واقعنا لا يحتاج كثيرا إلى وجود مثقّفين فيه، بل إننا نعيش الآن مرحلة تضاؤل دور المثقّف وفقدانه القدرة على التفكير الكلي وتشظّي خطاباته وعجزه عن فهم ما يطلبه الواقع في مقابل تضخّم دور العالم الرقمي في الوجود اليومي للجماهير.

واعتبر فريد الزاهي أن هذه الحالة سمحت بعودة قويّة للمقدّس وللمتخيَّل اللاعقلاني كالسحر والوشم وغيرهما في إطار حركة "رَجعية" تنزع في خطاباتها إلى العودة إلى الماضي وتمجيده، والبحث فيه عمّا يمكن أن يكبت هذا "الفيض" من الحريّة والانفتاح اللذيْن جلبتهما أحداث الربيع العربي في أقطارنا المغاربية.

وانتهى الزاهي في مداخلته إلى القول بحتمية تنبّه المثقف والفنان في دول المغرب العربي إلى ضرورة إعادة بناء منظورنا السياسيّ للفن، ومنظورنا الفنيّ للسياسة، حتى نتمكّن من تبيّن تقاطعاتهما وكيفية اشتغالها في بناء حضارة الإنسان المغاربي الجديد.

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
سميد بع2
سميد بع2 14 سنوات منذ
<strong>تمزغى للامازيغ</strong> وانتهى الزاهي في مداخلته إلى القول بحتمية تنبّه المثقف والفنان في دول المغرب الامازيغي إلى ضرورة إعادة بناء منظورنا السياسيّ للفن، ومنظورنا الفنيّ للسياسة، حتى نتمكّن من تبيّن تقاطعاتهما وكيفية اشتغالها في بناء حضارة الإنسان المغاربي الجديد.