روجيه غارودي .. فيلسوف أرهقته رحلة البحث عن الحقيقة!

اواخر السبعينيات، على ما اذكر، لفت انتباهي عنوان كتاب قرأته في إحدى المكتبات، هو (منعطف الاشتراكية الكبير) وقتذاك، كنت اعيش فترة مراهقة فكرية، مشبوبة بحماسة للافكار اليسارية، وقد قرأت شيئا في هذا الاتجاه، لكن من دون تعمّق وثقافة عامة ساندة، تعينني على هضم المعلومة او تمثيلها بما يجعلها امامي في…

يوليو 05, 2012 - 18:14
تم التحديث: 14 سنوات منذ
10 2.8ك
روجيه غارودي .. فيلسوف أرهقته رحلة البحث عن الحقيقة!

اواخر السبعينيات، على ما اذكر، لفت انتباهي عنوان كتاب قرأته في إحدى المكتبات، هو (منعطف الاشتراكية الكبير) وقتذاك، كنت اعيش فترة مراهقة فكرية، مشبوبة بحماسة للافكار اليسارية، وقد قرأت شيئا في هذا الاتجاه، لكن من دون تعمّق وثقافة عامة ساندة، تعينني على هضم المعلومة او تمثيلها بما يجعلها امامي في سياقها الصحيح، ولو نسبيا .. في تلك المرحلة من حياتي، تعرفت لاول مرة الى (روجيه غارودي)، من خلال كتابه المشار اليه، وقد لفتت انتباهي فيه، العبارة التي بدأ بها كتابه، وانهاه بها ايضا (لم يعد الصمت ممكنا .. فالشيوعية الدولية في ازمة).

عرفت ايضا، ان هذا الكتاب، كان سببا في فصله من عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفرنسي، وكان ذلك بداية جديدة لرحلة شاقة، لهذا المفكر، المكتظة دواخله بأسئلة كبيرة، راح يسعى لايجاد اجوبة لها، بعد ان ادرك استحالة ذلك من خلال الماركسية وحدها، التي تركت الكثير من الاسئلة الوجودية الكبرى من دون محاولة جادة للاجابة عنها، بل انها رأت في ذلك مضيعة للجهد والوقت ايضا! ودعت الى الانشغال بهموم الانسان وكيفية تنظيم حياته بما يوفر له سعادة دنيوية، من خلال عدالة اجتماعية ستوفرها الاشتراكية، ان طبّقت.

لقد صار غارودي، بحكم سعة اطلاعه على ثقافات العالم وتجربته الحياتية الثرة، التي تزامنت مع نهضة علمية عالمية غير مسبوقة، رافقها جهد فكري كبير، ومتعارض، بل متناشز احيانا، ينظر الى الحياة نظرة شمولية، تتقصى جذور الانسان وحوافزه الذاتية والموضوعية لانتاج منظومات الاخلاق التي توزعت بين الجماعات البشرية، وانتجت هذا المزيج الغريب من التقارب والتباعد، الحروب الدموية والعلاقات الاقتصادية والتجارية، وكان يتأمل بعقل المفكر والفيلسوف هذه السيمفونية المدهشة عبر التاريخ، ومن هنا عني غارودي بدراسة الانسان في ابعاده المتعددة التي يبقى البعد الروحي فيها، محور القيم والدافع الاقوى نحو الالتقاء والتصادم معا.

من يقرأ كتب هذا الفيلسوف او المفكر، سيلمس ان تحوله عن الماركسية، لم يكن وليد قراءة لنهج سياسي اختلف معه، او مع مفاصل فيه، بل ان هناك رواسب فكرية ايقظتها قراءة متعمقة للحياة نفسها، منوهين هنا ان غارودي، كان في الستينيات عضوا في لجنة الحوار الاسلامي - الشيوعي، وسيجد نفسه منجذبا للاسلام منذ ذلك الوقت شيئا فشيئا، حتى اعلانه اعتناق الاسلام في العام 1982، وهذا ما سيتجلى من خلال قراءة سيرة هذا الرجل، وتفاعله مع الثقافات الاخرى المختلفة في العالم التي من بينها الاسلام، طبعا، الذي قرأه، قراءة حضارية، في سياق الحراك الكوني ومحطاته المفصلية، التاريخية، التي تجلت في ظهور هذا الدين الذي زاوج بين البعدين (الروحي والمادي) بطريقة، جعلته متجاوزا ما قبله، كونه جاء معبأ بحمولة الدولة التي تنزع الى اقامة قيم العدل بين البشر، وان اخفق المسلمون في تطبيقها بحكم الانحراف والانحياز العميق الى الذات والتفاوت الحاد في فهم وتفسير النصوص، والتحجر الفكري الذي لم يمنحها بعدها الاعمق او استجلاء مكنوناتها.

ولد غارودي، في العام 1913 في فرنسا، من أم كاثوليكية وأب ملحد، ودخل الجامعة في مرسيليا، مسقط رأسه، واعتنق البروتستانتية وهو في سن الرابعة عشرة، ما يعكس قلقه العلمي مبكرا، وتوقه الى الروحي الاقرب الى العلمية، مذكرين ايضا، بأن البروتستانتية مثلت احدى اكبر محطات التجديد في المسيحية، قبل قرون قليلة، ثم انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وفي العام 1937 عين أستاذا للفلسفة في مدرسة الليسية من ألبي. خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد الاحتلال الالماني (النازي) لفرنسا، انضم لحركة المقاومة الفرنسية، واعتقل من قبل حكومة (الفيشيين) التي نصّبها الالمان برئاسة الجنرال (بيتان) وارسل الى معسكر في الجزائر التي كانت وقتذاك تابعة لفرنسا، فقام مع زملائه المعتقلين الفرنسيين بحركة احتجاج داخل المعسكر الذي كان يقوم على حراسته، جنود جزائريون، مسلمون، وعندما صدرت الاوامر لهؤلاء باطلاق النار على المحتجين، رفضوا ذلك، لينقذوا ارواح المعتقلين ومن بينهم غارودي الذي مثلت تلك الواقعة بداية اعجابه بالاسلام، حيث كان من ابرز مولفاته فيه او بفعل تأثره به، (ما يعد به الإسلام)، و(الإسلام دين المستقبل)، و(لماذا أسلمت.. نصف قرن من البحث عن الحقيقة) و(الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها) اضافة الى مؤلفات اخرى، مثل (محاكمة الصهيونية الإسرائيلية) و(حفارو القبور.. الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها) و(الولايات المتحدة طليعة الانحطاط) و(حوار الحضارات) و(كيف نصنع المستقبل؟).

في العام 1998 احيل الى المحاكمة، بعد اصداره كتابه الشهير (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) الذي شكك فيه بعدد اليهود الذين احرقوا، فيما يعرف بـ (الهولوكوست)، اذ يقول ان عدد اليهود في اوروبا كانوا وقتذاك ثلاثة ملايين ونصف مليون فقط، فكيف يكون عدد الذين احرقتهم النازية ستة ملايين؟! وقد حكم عليه بسبب هذا الكتاب بتسعة اشهر سجن، مع وقف التنفيذ، ولعلها عقوبة معنوية، قصد منها( القضاء) الانتصار معنويا لليهود، تحت ضغط اللوبي الصهيوني، الذي اراد ان يكون الحكم عبرة لمن يتجرأ مستقبلا ويشكك بالمحرقة.

لقد كان غارودي فيلسوفا، باحثا عن الحقيقة، ورجل موقف جعل قضيته بسعة العالم، من خلال مواقفه الشجاعة، التي من بينها موقفه من العدوان الاطلسي على العراق وتدميره، اضافة الى موقفه من قضية الشعب الفلسطيني المظلوم، التي كان واضحا في التعبير عنها، لاسيما بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان، الذي كان من ابرز نتائجه مجزرة المخيمين الفلسطينيين (صبرا وشاتيلا) في العام 1982 حيث نشر في جريدة (لوموند) الفرنسية مقالا تحت عنوان (معنى العدوان الاسرائيلي بعد مجازر لبنان) وقد وقع البيان مع غارودي، كل من الاب ميشيل لولون والقس ايتان ماتيو.

لقد كنت وانا اقرأ لغارودي، بعد ان تقدم بي العمر والوعي، اشعر ان سؤاله او صرخته (لم يعد الصمت ممكنا) باتت اوسع من مساحة الدول التي كانت تحكمها الشيوعية، او تتواجد فيها، لتغدو بسعة الكرة الارضية، وكأني به يقول (ان الانسانية في ازمة) بعد ان كتب اكثر من كتاب، تناول فيها مختلف ما تعانيه البشرية بفعل الشطط الاخلاقي والسياسي لـ (الكبار) الذين يأخذونها اليوم الى مصير مظلم، والى المزيد من دفع الضعفاء الى الحروب والمصادمات التي ارهقت الانسان واستنزفت روحه وشتت عقله، وجعلته ينظر لاخيه الانسان بريبة وشك، وسط سيادة منطق التغالب وغياب لغة الايثار والتكافل، التي كانت قد دفعت بهذا الانسان المرهف، لان يتخذ موقفا انسانيا من قضايا عصره التي امتدت سحابة قرن من الزمان، لكنه غادر وهو يتأمل المشهد الانساني امامه وقد اكتسحته الغيوم السوداء، وصار يحاصر الانسان اليوم القلق والخوف.

نسيت ان اذكر ان غارودي بكتابه (منعطف الاشتراكية الكبير) توقف عند مسألة سباق التسلح، وما اعده حلفا (الاطلسي ووارشو)، للبشرية من دمار - الكتاب صدر قبل اربعين عاما - حيث يذكر رقما مهولا عن كمية الديناميت التي خصصها الحلفان لكل فرد، اذا ما اندلعت الحرب، التي تحذر من وقوع خطأ نووي ايضا قد يؤدي الى اشتعالها وهلاك البشرية واختفائها من على هذا الكوكب الصغير، الذي بات اليوم احوج الى الاخلاق التي ينبغي ان تضبط معادلة السياسة المنفلتة، نتيجة غيابها.

قد نتفق او نختلف مع غارودي، في مواقفه وآرائه التي يراها البعض متقلبة، ويراها البعض الآخر، ناتجة عن خصوبة عقلية واستمرارية في التأمل العميق، لكن الشيء الذي نعتقده هو ان غارودي، في رحلته الطويلة والمضنية هذه، ظل انسانا حالما بغد اجمل لكل البشر، وقد ترك خلفه الكثير من الاسئلة التي نرى ان بعضها تمت الاجابة عنها وبعضها الآخر ستبقى في ذمة المستقبل، وهي بالتأكيد جزء من سؤال قادم، سيطرحه المستقبل نفسه.



عبدالأمير المجر

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (10)

User
KADA
KADA 14 سنوات منذ
<strong>RAJA GARAUDY AGAINST THE ZI&amp;nbsp;IST MYTHS</strong> فقد العالم العربي و الاسلامي مفكر و فيلسوف و كاتب مبدع عرف بمناصرة القضايا العربية و الاسلامية&amp;#1632;&amp;#1632;&amp;#1632; و الحديث لا يتعلق بمفكر عربي او إسلامي بل برجل فرنسي ولد مسيحيا كاثوليكيا و مر بتجربة الإلحاد و الشيوعية خلال فترة شبابه و من ثم اهتدى الى الاسلام&amp;#1632;&amp;#1632; و لكن عقل فرنسا الاول اثار عاصفة عندما قرر ان يتحدى الصهاينة في عرين الاسد، كما يقال، و شكك بالمحرقة اليهودية او ما يعرف بالهولوكوست و من قلب العاصمة الفرنسية باريس&amp;#1632;&amp;#1632; و الذى يعرف اوربا جيدا لا بد ان يدرك ان تحدى اليهود في بلد مثل فرنسا هى عملية تكاد تكون شبه انتحارية نظرا لقوة اللوبي اليهودى الصهيوني الذى يحكم قبضته على مفاصل الاعلام و الاقتصاد و السياسة في البلاد&amp;#1632;&amp;#1632; إذن كان روجيه غارودى يدرك جيدا ان موقفه هذا سيفتح أبواب جهنم عليه و لكنه مع ذلك اتخذ القرار الصعب و جاهر بموقفه امام الملاء بدون خوف او وجل&amp;#1632; و المرء لا يملك الا ان يتساءل ما الذى يدفع رجل مثل غارودى ان يقف بوجه المدفع ليصدع بكلمة الحق و يعاني بعدها لمدة ثلاثين عاما في المحاكم و الحملات الإعلامية الشرسة التي شنها الصهاينة عليه&amp;#1632;&amp;#1632; و الاجابة بالنسبة لي قطعا هو قناعة غارودى التى توصل اليها بعد بحث و تدقيق فلقد كان رحمه الله من الباحثين عن الحقيقة و من النادر في هذه الايام ان تجد من تهمهم الحقيقة فضلا عن البحث عنها و تكبد المشاق في الوصول اليها و من ثم الجهر بها رغم إدراك الباحث عنها بصعوبة الطريق و مشقته&amp;#1632; ان رجال من طراز غارودى فقط يستطيعون ان يقفوا مثل هذه المواقف فأصحاب النفوس الكبيرة و الساعين الى معرفة الحقيقة بتجرد تجدهم لا يتوانون عن التضحية بكل شىء في سبيل الحق و ما أحرى بنا نحن العرب و المسلمين ان نقتدى بالراحل غارودى و ننتصر لقضايانا العادلة&amp;#1632; كم من مفكرينا و أدبائنا و فلاسفتنا و اعلامينا يملك الجراءة و العزم لكي يتخذ خطوة جريئة و يقف ليضحي بكل شىء و يعلن على الملاء انه جانب الصواب بل ان التاريخ نفسه كتب خطاء و ان على العالم ان يعيد قراءته و كتابته للتاريخ لكي يصحح مواقف كانت و حتى القريب العاجل من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها او التشكيك بصحتها او مصداقيتها. و لست بصدد مناقشة موضوع المحرقة او الهولوكوست في هذه العجالة و لعل الفرصة تسنح لمناقشة الموضوع في المستقبل و لكن الحديث يتعلق بموقف رجل كغارودي وصل الى قناعة معينة و لم يتردد بالإعلان عنها رغم قساوتها و الصدمة التي يمكن ان تتسبب بها خاصة و ان الاكتشاف باننا كنا مغفلين و مخدوعين طيلة قرن من الزمان تحت مظلة محرقة قام بها البعض ضد البهود لا بد ان يكون مدويا و صادما للكثير... رحم الله غارودي لقد عرف الحق فصدح به و لعل الاحياء الذين يخشون الجهر بالحقيقة ان يتخذوا من موقف غارودي نبراسا يقتدوا به.. كم كنت اتمنى ان ارى و لو غارودي عربي واحد في هذا الزمان الردىء.....
عثمان
عثمان 14 سنوات منذ
<strong>يا بوعقل توفيق انت مخك فاسد روجح داوي روحك</strong> وهذا العلم احتفظ به لنفسك ولو تقوله للناس سيرجمونك كالشيطان وأنا أرى أن مكانك في رقان.
le sage
le sage 14 سنوات منذ
<strong>sans maux de tete</strong> EN bref la reponse à qui cherche a se lasser pour trouver la relalité c est l existance du Dieu la Realité c est le DIEU
العايب
العايب 14 سنوات منذ
<strong>اللهم تقبل الشيخ غارودي في الشهداء</strong> هذا الشيخ الفرنسي المسلم عانى الكثير من البلاء بسبب الدين الصحيح الذي اعتنقه بعد ان كان ضالا لفترة شبابه لما كان كافرا بالوراثةز بقى بقية حياته مضيقا عليه ومطاردا بسبب انتقاده لجرائم اليهود وما يقال عن محرقتهم المبالغ فيها، وحاصره حتى الحكام العرب لأنه ليس على دين الملوك ولكن على الدين الذي يحبه الشعب خوفا من أن يفضحهم على ما يمارسونه من تضليل ونهب.
NIDAL
NIDAL 14 سنوات منذ
<strong>إلى بوعقل توفيق</strong> وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ&nbsp;(171&nbsp;)سورة البقرة