الجزائر 50 سنة في البحث عن هوية سياسية

أمضت الجزائر نصف قرن من الاستقلال في حاجة دائمة إلى بعبع اسمه 'الاستعمار الفرنسي' تتاجر به في سياق تعاطيها مع الجزائريين، وفي وهم الدور الإقليمي. إنها مراهقة سياسية طويلة بكل المعايير.~

يوليو 12, 2012 - 18:57
تم التحديث: 14 سنوات منذ
4 3.6ك
الجزائر 50 سنة في البحث عن هوية سياسية

اين الجزائر بعد نصف قرن على الاستقلال؟

قبل ايّام مرّت الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر، اكبر البلدان العربية مساحة منذ تقسيم السودان الى دولتين، وهو تقسيم لم يكن يتخيّله عقل الى ما قبل سنوات قليلة. لا تزال الجزائر تبحث عن هويّتها السياسية. هل هي بالفعل جمهورية "ديموقراطية شعبية" تنتمي الى العصر، علما انها ليست ديموقراطية ولا شعبية، ام انها لا تزال اسيرة عقد الماضي؟ على رأس هذه العقد، تأتي عقدة الدور الاقليمي الذي جعل غير دولة عربية وغير عربية في المنطقة في عملية هروب مستمرّ الى امام.

هل في الجزائر من هو قادر على الاستفادة من تجارب السنوات الخمسين الماضية بايجابياتها وسلبياتها ام ان هذا البلد العربي المهمّ سيكرر اخطاء سنوات مع بعد الاستقلال وصولا الى الحرب الاهلية التي استمرّت عقدا من الزمن والتي فجّرها في العام 1988 الانخفاض المفاجئ لاسعار النفط وعدم قدرة السلطة على التعاطي مع المشاكل الحقيقية للبلد في غياب العائدات النفطية الضخمة، الكفيلة بتغطية كل الاخطاء التي ارتكبها هواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد؟

تعتبر الجزائر من الدول العربية التي تمتلك شخصيات سياسية مهمة وديبلوماسيين يمتلكون كفاءات عالية. لكنّ كل هذه الشخصيات وكلّ اركان الديبلوماسية الجزائرية لم ينفعوا في شيء عندما هبطت اسعار النفط ونزل الناس الى الشارع في تشرين الاوّل- اكتوبر من العام 1988 رافضين الوضع القائم. تبيّن بعد الذي حصل في ربيع العام 1988 ان الجزائر في حاجة الى نظام جديد لا الى تكرار سلوكيات الماضي التي كادت ان تؤدي الى تفجير البلد من داخل. لا تزال الجزائر تبحث عن هذا النظام الجديد على الرغم من انها تنعم باستقرار نسبي منذ انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية في العام 1999. حسنا، استطاع بوتفليقة لعب دور في توفير الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة، على رأسها الجيش، المبادرة على الصعيد الداخلي. لكنّ الخوف كلّ الخوف يكمن في فشل الرئيس الجزائري، على الرغم من بقائه كل هذه الفترة الطويلة في السلطة في تحقيق امرين.

لعلّ الامر الأول الذي فشل بوتفليقة في تحقيقه يتمثل في عدم مصالحة الجزائر مع نفسها، اي مع الجزائريين انفسهم، ومع محيطها ومع فرنسا التي كانت الدولة المستعمرة للجزائر والتي اعتقدت انها ستكون قادرة على ضمّها في يوم من الايام تحت عنوان "الجزائر الفرنسية".

نعم ارتكب الاستعمار الفرنسي جرائم فظيعة في الجزائر، لكنّ هناك اخطاء من الجانب الجزائري ايضا، كذلك هناك مبالغات من بينها تضخيم عدد شهداء الثورة الجزائرية، كما لو ان هناك شهداء يولدون في القبور. في النهاية، تتفادى الدولة الجزائرية، التي ولدت من رحم الثورة، المصالحة مع فرنسا بسبب عجزها عن اتمام مصالحة بينها وبين الجزائريين. انها في حاجة دائمة الى بعبع اسمه "الاستعمار الفرنسي" تتاجر به في سياق تعاطيها مع الجزائريين. المؤسف ان ذلك يحصل في وقت يطمح فيه معظم الجزائريين الى الهجرة الى فرنسا على الرغم من ان بلدهم من اغنى بلدان العالم بفضل ما يمتلكه من ثروات طبيعية. لا بدّ في المناسبة من شكر فرنسا على توفير جانب من هذه الثروات للجزائر، اذ اقتطعت مساحات شاسعة من الاراضي المغربية مثلا وضمتها الى الجزائر من منطلق ان "الجزائر فرنسية" وان فرنسا ستكون المستفيد الاوّل من ثروات الجزائر... لو لم يحصل خطأ في حسابات العسكريين والسياسيين الفرنسيين في باريس وفي الجزائر نفسها.

اما الامر الثاني، الذي قد لا يكون الاخير، والذي فشل بوتفليقة في تحقيقه فهو تطوير مؤسسات الدولة تمهيدا لقيام نظام ديموقراطي بدل بقاء الدولة اسيرة المؤسسة العسكرية. ما لا بدّ من الاقرار به ان هذه المؤسسة لعبت دورا اساسيا في التصدي للارهاب في اواخر الثمانينات وطوال عقد التسعينات من القرن الماضي. حافظت المؤسسة العسكرية على "الجمهورية". ولكن ليس ما يحول دون الاعتراف ايضا بانّ الجزائر بقيت في عهد بوتفليقة، على الرغم من انه ليس عسكريا، اسيرة وهم الدور الاقليمي الذي في اساسه عسكري اسمه هوّاري بومدين.

في عهد بوتفليقة، بقيت الجزائر تتاجر بما يسمّى قضية الصحراء الغربية والصحراويين انفسهم. يمكن تفسير ذلك بحرب الاستنزاف التي تشنها بطريقة غير مباشرة على المغرب. ولكن يتبين مع مرور الوقت ان الالاعيب التي تمارسها الجزائر سترتد عليها عاجلا ام آجلا. استثمرت الجزائر منذ سنوات طويلة في الطوارق انطلاقا من مالي بهدف تحويلهم الى اداة من ادواتها، على غرار جبهة"بوليساريو". ها هي الجزائر الآن الهدف الاول للارهاب الذي مصدره مالي والحلف الجديد بين الطوارق والاسلاميين المتطرفين الذين يسيطرون على شمالها.

ارادت الجزائر عبر الاستثمار في الطوارق ومالي توسيع نفوذها الاقليمي. لم تدرك انها ليست دولة عظمى وان نفوذها الاقليمي مرتبط الى حد كبير بالتعاون مع جيرانها، على رأسهم المغرب، في خوض الحرب على الارهاب.

بعد نصف قرن على استقلال الجزائر، يبدو ان اكبر الدول العربية مساحة لم تشف من عقدة هواري بومدين الذي مكّن المؤسسة العسكرية من خطف الثورة والثوّار الحقيقيين.

اقلّ ما يمكن قوله ان المجموعة التي تحكم الجزائر لم تتجاوز بعد سنّ المراهقة كي تبلغ سنّ النضج. ليس هناك ادراك في العمق لمعنى المصالحة مع الجزائريين اوّلا والاعداد لمرحلة ما بعد عبد العزيز بوتفليقة من خلال دولة مؤسسات ديموقراطية بالفعل وليس بالاسم كما الحال الآن.

نضجت الجزائر ام لم تنضج بعد كل هذه السنوات؟ هذا هو السؤال الاساسي في وقت سيكون فيه مصير البلد على المحكّ عاجلا ام آجلا. في النهاية، لا يمكن بناء دول قابلة للحياة فيها عدد كبير من السكان في غياب موارد اخرى غير النفط والغاز. الدول الصغيرة القليلة السكّان تستطيع ذلك. اما الدول الشبيهة بالجزائر، التي تجاوز عددسكانها الـ35 مليون نسمة، فهي عاجزة عن التطور بشكل ايجابي، خصوصا في غياب القدرة على بناء مؤسسات قابلة للحياة غير المؤسسة العسكرية الحاضرة ابدا وعند كلّ منعطف...وهو ما يعرفه عبد العزيز بوتفليقة جيّدا وربّما اكثر من اللزوم!



خيرالله خيرالله

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (4)

User
TIGUA
TIGUA 14 سنوات منذ
<strong>tiguatigua@yahoo.fr</strong> DOMAGE C\'EST CE QU\'&nbsp; DIRE ET CA VEUT TOUT DIRE
Abdou
Abdou 14 سنوات منذ
<strong>a Alkaaouch</strong> Les Algeriens sont nos freres malgre tout,et nous somme loin d etre leurs maitre,ne sois pas naif
الكاعوش
الكاعوش 14 سنوات منذ
انجازات الجزائر هي خلق الازمات لدرجة انهم خلقوا لكل شئ ازمة واليك 10 ازمة تعرفها الجزائر طول تاريخها الممتد ل 50 سنة 1-ازمة الرجال لدرجة انهم لم يجدوا رجلا في الجزائر ليحكمهم فنصيوا ؟؟؟؟. 2-ازمة البطاطا التي تتكرر كل سنة. 3-ازمة قنينات البوطان كل شتاء. 4-ازمة انقطاع الماء كل صيف. 5-ازمة الوقود في كل موسم عطلة. 6-ازمة اللحوم في كل موسم افراح. 7-ازمةالسيولة في اخر كل شهر وفي كل مراكز اليريد. 8-ازمة الادوية المفقودة للامراض المزمنة. 9-ازمة الغلاء في كل شهر رمضان وغير رمضان. 10-ازمة الثقة في النفس الي درجة ان الجزائري يخاف من ظله وهو سبب عقدة النقص تجاه الغير وخاصة تجاه اسيادهم المغاربة
محمد الطيب
محمد الطيب 14 سنوات منذ
<strong>الى اين نحن ذاهبون؟</strong> لا زال الشعب الجزائري يتعذب من ويلات حركى فرنسا من تقتيل وتشريد وتهجير...الخ . وهذه الفترة تعتبر اصعب مرحلة يعيشها الجزائريون المقيدون من تلك . 50 سنة تمر لا صناعة ولا تطور ولا تمدن يريدون الجزائر تابعة لفرنسا على ان تعيش على بسط الكف من اجل لقمة العيش او شربة ماء .جمدو عقولنا ويأملون في تجميد عقول ابناءنا من خلا ل البرامج التعليمية والثقافية .كيف لا وهم يعلمونهم ويطلبون منهم الحساب بالآلة الحاسبة في السنة الثانية ابتدائي كما انهم حذفوا لتعليم التقني وبالخصوص التطبيقي والهدف هو: انسان بلا هوية ولا مستقبل .ناهيك عن تقلد المناصب السامية كرئيس المجلس الشعبي البلدي والولائي والوطني بلا مستوى فمن نحن يا ترى والى اين نحن ذاهبون ؟ فاليكم الاحصائيات منذ الاستقلال الى يومنا هذا: 1&nbsp;) الملايين من المصابين بالأمراض العقلية ,الضغط الدموي , السكري ... 2&nbsp;) الالاف من الايتام 3&nbsp;) اكثر من 2000 معطوب 4&nbsp;) اكثر من 100000 ارملة 5&nbsp;) تقريبا 2000000 شهيد بداية من الرئيس هواري بومدين . 6&nbsp;) اكثر من 2000 من احرق نفسه بإضرام النار في جسده او عن طريق البحر 7&nbsp;) الكثير من المهجرين...الخ 8&nbsp;) الملايين من المفرنسيين اوالمخلطين بين العربية والفرنسية 9&nbsp;) الملايين من الذين يجهلون تاريخهم. اليس هذا كاف الى ان نجعل اليد في اليد من اجل ان نقف في وجه هذا المستبد لنرى النور . صدقوني لو كان واحد من اولئك الشهداء الابرار 1500000 على قيد الحياة امثال العربي بن مهيدي لقضى على كل واحد ليس له غيرة على هذا الوطن, الواحد تلو الاخر . فالمجد والخلود لشهدائنا الابرار