الجزائر من العشرية السوداء إلى عشرية القحط السياسي
في الجزائر يتحدثون في الأيام الأخيرة عن الانسداد السياسي في الجزائر ، والحقيقة أن الجزائر خرجت من العشرية السوداء إلى العمى السياسي مباشرة ... فبعد أن تخبط الشعب الجزائري في بِرك دمائه التي استرخصها الحركي الحاكم وأهرقتها دفعة لاكوست المجرمة بقيادة خالد جزار ، بعد ذلك وجد الشعب الجزائري نفسه في…
في الجزائر يتحدثون في الأيام الأخيرة عن الانسداد السياسي في الجزائر ، والحقيقة أن الجزائر خرجت من العشرية السوداء إلى العمى السياسي مباشرة ... فبعد أن تخبط الشعب الجزائري في بِرك دمائه التي استرخصها الحركي الحاكم وأهرقتها دفعة لاكوست المجرمة بقيادة خالد جزار ، بعد ذلك وجد الشعب الجزائري نفسه في ظلمة قاتمة نتيجة الرعب الذي مورس عليه طيلة العشر سنوات الدموية ، ونتيجة لهذا الهلع الذي انتاب الشعب وآلام ضياع فلذات الأكباد والأقارب الأعزاء ، لم يعد يهمه سوى غمضة عين قد تنسيه تلك المآسي المؤلمة ، أما البوصلة السياسية فقد تحطمت تحت أحذية العسكر الهمجية .
ثم جاءت عشر سنوات من حكم الرئيس الصوري المسمى بوتفليقة ، بعدها استفاقت الطبقة السياسية في الجزائر – إن كانت هناك طبقة سياسية – استفاقت على دويّ الصّفعة القوية التي وجهها لها النظام الحاكم في الجزائر في انتخابات 10 ماي 2012 من خلال عمليات تزوير مُذلة سبقتها خرجاتُ ولد الخادم المتنطِّعة والمهينة بأحاديثه عن قصور الشعب الجزائري لممارسة حقوقه الديموقراطية وضرورة الحجر عليه أطول مدة ممكنة ، والتشكيك المُغرض بالتقليل من دور الإسلاميين في الجزائر في الخريطة السياسية في تلك الانتخابات ..
طبعا سيتسابق الانتهازيون وعملاء النظام الحاكم في الجزائر على تحميل مسؤولية تحطيم البوصلة السياسية لجبهة الإنقاذ الإسلامية الفائزة في انتخابات دجنبر 1991 ، والحقيقة أن جبهة الإنقاذ كانت – مثل الشعب الجزائري – ضحية تدخل قوات خالد جزار الهمجي حيث دكَّ الإرهاصات الأولية للديموقراطية في الجزائر ومعها البوصلة السياسية لكل الجزائريين .

وإذا كانت العشرية السوداء الدموية خلال التسعينات من القرن الماضي قد أعادت الجزائر إلى عصر الانحطاط ، فإن القحط السياسي في عشرية بوتفليقة أعادت الجزائر إلى العصر الجليدي ...
أولا : كيف زحف العمى السياسي إلى عيون الطبقة السياسية في الجزائر ؟
إن اسنداد الأفق السياسي في الجزائر هو نتيجة حتمية للاستراتيجية السياسية المخطط لها من طرف النظام الفاشستي الحاكم في الجزائر ، هذا المخطط الذي أدى إلى القحط السياسي الممنهج . ويمكن تلمس خصائص عشرية القحط السياسي ومميزاتها في عصر الحاكم بأمر العسكر المدعو بوتفليقة على المستويات التالية :
- انهيار الاقتصاد الجزائري :
قال أحد المعارضين الجزائريين على قناة المغاربية في يوليوز 2012 :" إن الجزائر اليوم لا تصنع ولو خيط لخياطة الملابس" ...كان على هذا المعارض أن يضيف بأن حكام الجزائر يترفعون عن صنع الخيوط والإبر لأن الخيوط تجمع ما تمزق من الثياب ولكن دناءة حكام الجزائر وخستهم تصنع :
* تصنع المؤامرات ضد شعوب المنطقة المغاربية وكل الشعوب التي تناضل من أجل الانعتاق من ربقة الفاشستية ( شعوب تونس ليبيا سوريا )..
* الدويلات التي تمزق الأمة الواحدة ( دويلة الصحراء الوهمية ) .
* تصنع القرارات المتنطعة التي تغلق الحدود بين الأهل والأصهار ( إغلاق الحدود مع المغرب ) .
هذه هي المجالات الصناعية التي برعت فيها الشردمة الحاكمة في الجزائر ، أما الخوض في تفاصيل الانهيار الاقتصادي في الجزائر فيكفي أن نستعير العنوان الوارد في الموضوع المنشور بموقع الجزائر تايمز الموقر " الباترونا: لا يوجد اقتصاد في الجزائر بل بازار" كبير لبيع السلع المستوردة "
ليس في جزائر الحركي لا اقتصاد ولا هم يحزنون ، كل ما في الأمر أن هناك فائض مالي من ريع النفط يُهرب جزءٌ كبيرٌ منه إلى الخارج والباقي لاقتناء كل شئ للمعيشة اليومية لـ 36 مليون نسمة من الخارج ، حياة ( ولا أقول اقتصاد ) حياة تعتمد على بيع النفط وشراء ما يملأ البطن أما مستقبل الأمة الجزائرية فلا مكان له في أجندة الحركي الحاكم لأن مستقبل أبنائهم مضمون في أوروبا وأمريكا بفضل ما يهربونه يوميا من أموال الشعب الجزائري نحو الخارج .
- الإحباط الاجتماعي :
ويظهر هذا الإحباط الاجتماعي جليا في :
* انعدام الإحساس بالأمن الذي لا يزال الجميع يشك في ضلوع المخابرات العسكرية الجزائريه في نشر الرعب الإرهابي المستدام حتى تبقى أركان النظام قائمة إلى الأبد .
* انعدام سياسة للإسكان في الجزائر حيث يلهث الشعب الجزائري وراء أي حائط يقيه حر الصيف وقر الشتاء دون الطمع في امتلاك سكن لائق .
* انعدام الشغل حيث تعتبر نسبة البطالة أعلى نسبة في المنطقة .... وليس من العدل مطلقا مقارنة نسبة البطالة في الجزائر بنظيرتها في تونس أو المغرب أو موريتانيا لأن الجزائر دولة نفطية لكن بسياسة لصوصية تنهب خيرات الشعب وهذا سبب يكفي وحده للثورة على الحركي الحاكم في الجزائر .
- انعدام الثقة في وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية لأنها تتخذ من الكذب والزور والبهتان منهجا لها . وفقدان الثقة في وسائل الإعلام الرسمية تَولَّد عنه احتقار عميق لدى الشعب لهذه السياسة الإعلامية الرسمية في الجزائر لأن هذه السياسة تحتقر ذكاء الشعب الجزائري الذي يهرب للبحث عن وسائل إعلامية خارج الحدود .
- خلق معارضة كارطونية لا تؤذي ذبابة ، معارضة إما مخابراتية مصنوعة أو حنجورية تافهة ..
- عزل الشعب الجزائري عن محيطه المغاربي والعربي بغرق الدولة الجزائرية في وحل المؤامرات واستمرار النظام الحاكم في عنجهيته وحسه الاستراتيجي المطموس وذلك بالوقوف مواقف عدائية جبانة نحو شعوب المنطقة المغاربية والعربية سواء تلك التي ناضلت وتناضل من أجل تغيير نظامها الفاشستي ( تونس ليبيا سوريا ) أو ذلك الذي يسعى للوحدة والانفتاح ومد يد الأخوة ( الشعب المغربي ) ..وكأن العداء للشعوب المغاربية والعربية منهجا استراتيجيا أساسيا في سياسة حكام الجزائر حتى يبقى الشعب الجزائري معزولا عن محيطه المغاربي والعربي والإسلامي .
- سذاجة الطبقة السياسية في الجزائر:
لعل الترهيب والرعب الذي أصاب الطبقة السياسية في الجزائر جعلها تبالغ في الثقة في حكام الجزائر حتى سقطت في فخ حسن النية الساذج الذي أعطى للحركي مزيدا من الوقت لتدعيم أركان حكمه وتغلغل أخطبوط العسكر الحاكم في كل مرافق الدولة بما فيها جمعيات المجتمع المدني المزيفة وجمعيات حقوق الإنسان وما يسمى بأحزاب المعارضة ، فتخدر الشعب الجزائري ونام ومعه هذه المؤسسات الساذجة بمعسول خطب بوتفليقة التي كانت تبيع لهم جنة السراب والوهم الخلاب ، لقد خلبهم بوتفليقة ببعض الخطب الرنانة بلغة عربية عكف على تعلمها يوم كان هاربا يعيش بين أمراء الخليج ،وقد نفعته هذه اللغة العربية في سك خطب فارغة سلب بها عقول الشعب الجزائري المسكين ، لأنه استغل أمنية الشعب الجزائري في قائد محنك يفحم السامعين بخطبه بلغة عربية منمقة !!!!
ثانيا : إلى متى ستبقى الطبقة السياسية متواطئة مع النظام الحاكم في الجزائر ؟
إذا كان بوتفليقة قد خلب الشعب الجزائري وكذب عليه بخطبه بالعربية المزوقة والمُنَمّقة ، فكيف انخدعت الطبقة السياسية بأكاذيب وسفاسف بوتفليقة وترهاته مدة 12 سنة حتى غرقت البلاد في مستنقع التخلف المهين ؟
لا حق للطبقة السياسية في الجزائر أن تتحدث عن التخلف الاقتصادي والاجتماعي في بلدان المنطقة المغاربية بحجة أن هذه الأنظمة تقهر شعوبها ، لا حق لهم في مقارنة الجزائر ذات الأكثر من مليونين وربع مليون كيلومتر مربع بثرواتها النفطية الهائلة ، لا حق لهم مقارنتها مع تونس أو المغرب أو موريتانيا أو هي جميعها بانعدام وقلة ثرواتهم النفطية ، فإذا وًجَدَتْ شعوبُ هذه الدول الثلاث ( تونس المغرب موريتانيا ) خبزاً وماءا فقد حققت الحد الأدنى للمعيشة فما بالك وبعضها يحقق أفضل من ذلك ، أما الشعب الجزائري فمن حقه أن يكون بين مصاف الدول النفطية المتقدمة أو على الأقل في مصاف دول الخليج في الرفاهية الاستهلاكية السطحية على الأقل ، والحالة هذه أنه يعيش المسكين تحت عتبة الفقر ... فالشعب الجزائري مع حكام الحركي لم يبلغ درجة إنتاج القليل القليل مما يعيش به والحالة أن 50 سنة من امتصاص خيرات الأرض كانت كافية لوضع بنية اقتصادية للإنتاج المستدام ....
لا يمكن تفسير مواقف الطبقة السياسية في الجزائر من معاناة الشعب الجزائري إلا بأنها إما جاهلة بأبسط أبجديات السياسة أو إنها طبقة متواطئة مع النظام الحاكم في الجزائر ، وطبقة مرتشية فاسدة غافلة عن مصير الشعب ، تردد كالببغاء مبادئ النظام الحاكم المهترئة من مثل :
* الحرية ( أية حرية ؟ )
* الكرامة ( أية كرامة ؟ )
* العدالة الاجتماعية ...
* دعم مطلق لتحرر الشعوب ومناصرتها في تقرير مصيرها ...
الخ الخ الخ
مبادئ أكل الدهر وبال يتغنى بها حتى الذين عقد عليهم الشعب الجزائري آماله من أحزاب المعارضة وشخصياتها التي تملأ صورها شاشات الفضائيات العربية وغير العربية ...
كم هم تافهون أولئك الذين لا يزالون يرددون بحماسة فجة بأنهم سيناصرون حركات التحرر ولم يعملوا على تحرير الشعب الجزائري نفسه ، طبقة سياسية لم تستطع أن تصنع خطابا سياسيا يختلف عن خطاب النظام الحاكم في الجزائر ، لم تستطع وضع فرق واضح بينها وبين الطبقة الحاكمة في الجزائر، تلك هي مأساة الشعب الجزائري ومأساة الطبقة السياسية في الجزائر ... لا يزال الجميع ، حكاما ، ومعارضة ، وطبقة سياسية ، لايزال الجميع يَجْتَرُّ مقولات بالية : الثورة – المجاهدين – مليون شهيد – العزة – الكرامة – دعم مطلق لحركات التحرر في العالم – الجزائر أول – الجزائر أعظم ....الخ الخ ...
باستثناء جبهة الإنقاذ الإسلامية التي تختلف اختلافا جوهريا فليس هناك إبداع سياسي في الجزائر ، الحزب الوحيد جبهة التحرير الوطني فرَّخَ أحزابا بنفس العقلية ونفس المنطق الهجين السطحي المسطح ، أحزاب لا ترى أبعد من أنفها – أحزاب موالية ومعارضة – تردد نفس الخطاب الذي يردده الحزب الوحيد منذ 50 سنة ..
ومما يَحِزُّ في النفس أن شخصيات سياسية جزائرية كان الأمل معقودا عليها لتنقذ الشعب الجزائري باعتبار تموقعها في المعارضة ، لكنها خيبت آمال الشعب لأنها تفتقد للشجاعة السياسية والأدبية لخوض المعارك الضارية ضد النظام الحاكم فآثرت السكون ، وكان آخرهم الذي أطل علينا من إحدى الفضائيات والذي فاجأنا بجبنه وتردده ، ذلك الرجل المحسوب على الثورة المدعو أحمد الطالب الإبراهيمي نموذج السياسي الفاشل الذي ارتكن للوعظ الأخلاقي والديني ليعوض به عن ضحالة فكره السياسي ... ظهر ذلك في الرعب الذي برز على ملامحه كلما سُئِلَ : من المسؤول عن العشرية الحمراء ؟ مرعوب من بطش الحركي الحاكم وهو في باريس !!! لقد بلغ هذا الشخص من العمر أرذله فليكن شجاعا مرة واحدة في حياته وليقل حقيقة ما يعرف ثم يموت .

ثالثا : عود على بدْء :
فبعد أن حطم العسكر البوصلة السياسية في الجزائر :
- ارتكنت الطبقة السياسية في الجزائر للمصير المجهول.
- أصاب الكسل مفاصل الطبقة السياسية في الجزائر واستسلمت للدعة والخمول .
النتيجة الحتمية :
أصبحت الطبقة السياسية في الجزائر مجرد متفرج سلبي على معاناة الشعب الجزائري ، وشاهدة على ما يقوم به الحكام في الجزائر من نهب لخيرات البلاد ، ومسلوبة الإرادة أمام الفساد الذي عم البلاد ....
وإذا سنحت لها الفرصة للكلام أمطرتنا بوابل من النصائح والمواعظ الأخلاقية التي لا تسمن ولا تغني من بؤس ...
تلك هي الطبقة السياسية في الجزائر وذلك هو نموذجها ....
كبارهم وكهولهم ....
الأمل كل الأمل في شباب الجزائر ...
سمير كرم للجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (19)