أمة بدون بوصلة

"المشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام الذي يجد في جوهره حصانته من عطاء الله له, لكن في تعليم المسلمين الدفاع عن أنفسهم بما في الإسلام من وسائل دفاع"، مالك بن نبي

يوليو 30, 2012 - 15:11
تم التحديث: 14 سنوات منذ
0 1.4ك
أمة بدون بوصلة

في السنوات  الأخيرة أنتفض جزء من الشارع الإسلامي من طنجا إلى جاكرتا مرتين وانتفضت معه منابر الأئمة وحناجر الدعاة واهتزت الفضائيات بالصياح وسال حبر الصحافة وقرأنا المقالات عقب المقالات، والتقارير عقب التقارير، المرة الأولى كانت عندما قام رسام دنمركي نكرة ومجهول برسم رسومات مسيئة للرسول (ص)، والمرة الثانية عندما قال قس أمريكي مخبول أنه سيحرق مصحف من مصاحف القرآن.

تذكرت هاذين الحدثين هذه الأيام ونحن نشاهد المجازر التي تحدث للمسلمين في ميانمار (بورما) والتي لم يحرك لها العالم الإسلامي ساكنا، لا على المستوى الشعبي ولا المستوى الرسمي. نعرف أنه لا يجب أن ننتظر شيئا على المستوى الرسمي، لأننا لسنا في زمن المعتصم بل في زمن المنبطحين والدمويين، لكن الأمر المحير أننا لم نشهد ولو جزءا يسيرا من تلك الانتفاضة أو الهبة التي شاهدناها بسبب الصور أو حرق المصحف.

لقد كنت من الذين لم تحرك لهم تلك الصور المسيئة أو حرق المصحف ساكنا، لأنني على قناعة أن الأمر برمته أهون من أن يحظى بذلك الاهتمام ومقتنع أن الإسلام لن يضيره صورة رسام أو حرق مصحف، لكني أعرف أن الرسول (ص) قال : "لأن تهدم الكعبة حجرا حجرا أهون على الله من يراق دم أمري مسلم"، ويقول أيضا : " لزوال السموات والأرض أهون عند الله من قتل أمريء مسلم بغير حق"، وما على القارئ إلا أن يقارن بين هدم الكعبة وزوال السموات والأرض وبين صورة أو حرق مصحف.

إن الإسلام لم يعلِ حرمة مثلما أعلى حرمة الدماء، أكان الدم لمسلم أو غير مسلم، حيث يقول تبارك وتعالى:"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ".

إن القارئ لهذه الآيات والأحاديث حول حرمة ومكانة الدماء ويقارنها بردة فعل المسلمين يدرك أن هذه الأمة هي أمة جهل بالإسلام وليست أمة فهم للإسلام، وأنها أمة تنطع وليست أمة تدبر.

إن المتأمل في شأن هذه الأمة وشأن أغلب من يتقدمون الشأن الدعوي فيها ومن يملؤون القنوات الفضائية بالحديث عن سماحة الدين وشمائله وكذلك الناظر لحال أغلب من يسمون أنفسهم علماء، وهم  للجهل أقرب، يجد العجب العجاب.

فلقد أخلط هؤلاء العلماء والدعاة أولويات الأمة وراحوا يسوقون العامة نحو قشور الدين وأنسوهم أصوله وراحوا يسيئون للإسلام وظهر المسلمون وكأنهم لا حجة لهم غير الصياح والعويل وأن أهون دم على سطح المعمورة هو دم المسلم.

فهؤلاء العلماء والدعاة الذين يعلوا صوتهم وتثور ثائرتهم بسبب توافه الأمور بينما يدعون للتعقل ويسكتون عن الموت البطيء لإخواننا في غزة وحصارهم وقتلهم مرة تلو الأخرى وقتل الأبرياء في أفغانستان الذين أصبحوا اليوم إرهابيين بعد أن كانوا بالأمس مجاهدين وشهداء وهم يواجهون الدب الروسي.

في الحقيقة التاريخ مليء بالشواهد والطرائف والتي سأسوق بعضها على سبيل العد لا الحصر.

ففي مصر قدم أستاذ جامعي أسمه نصر حامد أبو زيد مؤلفات لنيل درجة الأستاذية لكن خلص بعض أعضاء اللجنة إلى تكفيره، وألف بعضهم كتبا للرد على ما جاء في مؤلفاته. وهو الأمر المحمود والطبيعي، الكتاب بالكتاب، ولكن الأمر لم يقف هنا، إذ قامت الدنيا ولم تقعد ورفعت قضايا من أجل التفريق بينه وبين زوجته (التي كانت راضية بزوجها وفكره على كل حال!) وأصبح الرجل بين عشية وضحاها حديث الإعلام، وبعد أن كان شبه نكرة لا يقرأ له أحد حولته قضية التفريق بينه وبين زوجته إلى نجم وتحصل على منصب أستاذ بجامعة لايدن بهولندا. وهو منصب لم يكن ليحلم به، ولا ليحلم بالجوائز والتكريم من الجامعات الغربية ولا بوسام الاستحقاق من زين العابدين بن علي لو أن الحمقى والمتنطعين تركوا هذا الرجل وزوجته يختاران نمط حياتهما.

المثال الآخر الشهير هو سلمان رشدي مؤلف كتاب آيات شيطانية الذي ما كان ليسمع عنه أحد أو يكون له شأن لولا ما بدر من المسلمين .

في الحقيقة لم أسمع بشخص كفر بسبب قراءته لمؤلفات نصر أبو زيد، بل أزعم أن الأغلبية الساحقة من المسلمين ومن قراء هذه المقالة لا يعرفونه، أيضا لم أعرف مسلما أرتد بسبب قراءته كتاب آيات شيطانية. لكن كما قال الشيخ محمد الغزالي : إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم، ويقول أيضا " الإسلام قضية ناجحة لكن محاميها فاشل".

إن أشخاصا مثل سلمان رشدي ونصر أبو زيد أرتقوا وصنعوا أمجادهم ليس بقيمة أعمالهم أو بسبب ما قدموه من فكر، ولكنهم أرتقوا بسبب تصدر العديد من الجهلة والحمقى للدفاع عن الإسلام.

إن الفقه والدعوة الإسلاميتين عانتا وزادت معاناتهما اليوم من إهمال القضايا الكبرى للأمة وأولوياتها الملحة، فأغلب الفقهاء والدعاة يقدمون الفرع عن الأصل، يهتمون بالشكل ويهملون المضمون، يتمسكون بظاهر النص وينسون المقصد . فما أن يعلن الشاب تدينه حتى يسارع بإطلاق لحيته ويكشف عن ساقيه ويشتري سواكه، ولكن للأسف دون أن يغير شيئا في سلوكياته وأخلاقه. فهو يغش في تجارته ولا يتقن عمله ويكذب في حديثه ويخلف في مواعيده إلا من رحم ربك. يبحث عن الشاذ في السنن والأحاديث ويعسر على الناس دينهم بتفاسير وفتاوى من رجال  لم يغادروا بيئتهم ولم يعرفوا أمصارا غير قريتهم. والأكيد أن هذا النوع من الفقه والتدين يفرح المستبدين من الحكام ويجعلهم يفتحون له الإعلام ويغدقون عنه المال، وهنا أيضا لا أجد وصفا لهذا الوضع أفضل من وصف الشيخ الغزالي:

إن السلطات المستبدة قديما وحديثا تسرها الخلافات التي لا تمسها! هل الشك ينقض الوضوء أم لا؟ هل رؤية الله في الآخرة ممكنة أم ممتنعة؟ هل قراءة الإمام تكفي عن المصلين أم لا؟

إن حكام الجور يتمنون لو غرق الجمهور في هذه القضايا فلم يخرج! لكنه يشعر بضر بالغ عندما يقال: هل الدولة لخدمة الفرد أم لخدمة مبدأ؟ لماذا يكون المال دولة بين بعض الناس؟ هل يعيش الناس- كما ولدوا- أحرارا أم تستعبدهم سياط الفراعنة حينا ولقمة الخبز حينا؟

عندما تجد شبابنا ممن يدعون التدين أو غيرهم يطرحون هذه الأسئلة فأعلم أن الأمة قد عادت لها بوصلتها.



الجزائر تايمز / جمال ضو

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User