انقلاب مرسي الناعم جدا

في غمضة عين، وبعد سلسلة مراسيم جمهورية مزلزلة، اتسمت بالشجاعة والجرأة، انقلبت كل الأمور في مصر، وتحوّل الدكتور محمد مرسي من رئيس ضعيف تتطاول عليه بعض الاقلام في الصحافة ومحطات التلفزة المملوكة لمافيا رجال اعمال حكم مبارك، الى الرجل القوي الذي 'ينظف' المؤسسة العسكرية من كل رموز العهد الماضي، ويستعيد…

أغسطس 12, 2012 - 22:04
تم التحديث: 14 سنوات منذ
3 1.7ك
انقلاب مرسي الناعم جدا

في غمضة عين، وبعد سلسلة مراسيم جمهورية مزلزلة، اتسمت بالشجاعة والجرأة، انقلبت كل الأمور في مصر، وتحوّل الدكتور محمد مرسي من رئيس ضعيف تتطاول عليه بعض الاقلام في الصحافة ومحطات التلفزة المملوكة لمافيا رجال اعمال حكم مبارك، الى الرجل القوي الذي 'ينظف' المؤسسة العسكرية من كل رموز العهد الماضي، ويستعيد كل صلاحياته كرئيس للدولة، بما في ذلك قرار اعلان الحرب الذي سلبه منه المجلس العسكري، باصدار اعلان دستوري مكمل يشكل 'بدعة' الهدف منها اجهاض الثورة المصرية والتأسيس لدولة عسكرية.
نبوءة اللواء عمر سليمان بانقلاب عسكري في حال وصول الاسلاميين الى السلطة لم تصدق، بل جرى عكسها، فمن قام بالانقلاب على حكم العسكر هو رئيس مدني منتخب، يملك سلطة ناعمة، سلطة صناديق الاقتراع، والدعم الشعبي الراسخ.
صناديق الاقتراع التي تمثل ارادة الشعب، واختياراته الحرة النزيهة اقوى من المؤسسة العسكرية، كما انها اقوى من المحكمة الدستورية العليا، والاعلام الذي يعيش في الماضي، ويرفض الاعتراف بعملية التغيير الجارفة التي بدأت تجرف كل من يحاول عرقلة مسيرتها.
كثيرون داخل مصر وخارجها، اعتقدوا ان الرئيس مرسي لن يجرؤ على تحدي المجلس العسكري الاعلى الحاكم، وسيظل يعيش في ظل المشير حسين طنطاوي لأعوام قادمة، وكم كانوا مخطئين، وكم كانت قراراتهم مغلوطة، وتقويماتهم في غير محلها، مثلما شاهدنا بالامس.
قالوا ان مصر دولة برأسين، رأس قوي بأكتاف تزينها النياشين والرتب العسكرية، ورأس صغير يطل على استحياء، ويتحسس طريقه طلبا للرضاء والستر، لنصحو ونجد، وفي لحظة، ان الرأس الصغير قطع الكبير من جذوره، واتخذ قرارات حاسمة وحازمة، بإنهاء هيمنة العسكر على الحكم واعادتهم الى ثكناتهم ودورهم الطبيعي المنوط بهم، وهو الدفاع عن الدولة وحدودها.
' ' '
من كان يتصور ان 'ابو هول' المؤسسة العسكرية المصرية سيهبط من عليائه بجرة قلم، ويتحول الى مستشار تحت مظلة رئيس مصري ،كان حتى ثلاثة اشهر شخصا مغمورا، وموضع نكات بعض السذج، وتندر بعض الكتاب الذين لم يلتزموا بحدود الأدب الدنيا، ولم يتورعوا عن السخرية من اهل بيته والمحصنات من نسائه، وتلفيق الروايات الكاذبة عن زوجته السيدة الفاضلة وابنائه، بطريقة لا تليق بمصر وإرثها الحضاري الاسلامي العريق.
الرئيس مرسي اعاد للمؤسسة العسكرية المصرية شخصيتها وهيبتها واحترامها، وطهّرها ممن ارادوا ان يجعلوا منها حارسا لنظام الفساد، وامتدادا له، في زمن انقرضت فيه الديكتاتوريات العسكرية لمصلحة الدولة المدنية الديمقراطية، واختفت جمهوريات الموز من الخريطة السياسية، العربية والعالمية.
المشير طنطاوي ومجلسه العسكري ارتكبوا اخطاء كارثية لا تليق بهيبة الجيش المصري وتاريخه، عندما وضعوا انفسهم في مواجهة الارادة الشعبية، ومارسوا دورا يتعارض كليا مع العملية الانتخابية، التي يعود الفضل اليهم في انطلاقتها ومن ثم نزاهتها، عندما انحازوا الى السيد احمد شفيق احد ابرز رموز العهد السابق، وبحثوا عن ذرائع غير دستورية من محكمة دستورية عين قضاتها الرئيس المخلوع، لحل البرلمان والسيطرة على السلطة التشريعية.
فاجأنا الدكتور مرسي بشجاعته وجرأته، مثلما فاجأنا بمواصفاته كرجل دولة لا يعرف التردد، ولا ترهبه رتبة عسكرية، كبيرة كانت او صغيرة، ولا يخاف من تحمل المسؤولية مهما بلغ حجم ثقلها، لعلها قوة الايمان.. لعلها الثقة بالنفس.. لعله الانتماء الى ملح الارض المصرية الطاهرة.. ولعلها اخلاق القرية الحقيقية وليس المزوّرة.
الفضل كل الفضل يعود الى تلك الكارثة التي تجسدت في استشهاد 16 جنديا مصريا قرب معبر رفح الحدودي، ويمكن التأريخ لها بأنها نقطة تحول رئيسية في تاريخ مصر، وربما المنطقة العربية بأسرها.
هذه الجريمة البشعة كشفت هشاشة الاجهزة الامنية المصرية، وتخلي المؤسسة العسكرية عن ابسط واجباتها في حماية ارض الوطن، وصمتها على تآكل السيادة المصرية لمصلحة عدو متغطرس يتعمد إهانة مصر العظيمة وشعبها العريق، من خلال اتفاقات مذلّة ومكبّلة لكرامة هذا العملاق.
الدكتور مرسي انطلق من نقطة الضعف هذه ليحولها الى ورقة قوة لصالح مصر،عندما دفع بالدبابات والطائرات المروحية الى سيناء وبأعداد كبيرة دون الحصول على إذن اسرائيل، وحتى لو جاء هذا الإذن فإنه كان حتميا، لأن طلب مصر الثورة لا يردّ، ولأن القرار باستعادة السيادة المصرية على سيناء لا رجعة فيه.
مسيرة الكرامة بدأت بإقالة اللواء مراد موافي رئيس جهاز المخابرات، الذي كان تلميذا نجيبا لمعلمه عمر سليمان، ويشكل امتدادا لسياساته التي امتدت لعقود في تحويل مصر وجيشها وأجهزتها الامنية الى حارس لاسرائيل وحدودها، وتقديم أمنها وامن سياحها ومستوطنيها على أمن مصر.
بالأمس اقتربت هذه المسيرة من نهايتها بإحالة المشير طنطاوي وقائد اركانه الفريق سامي عنان الى التقاعد، وتعيين وزير دفاع جديد وقادة جدد للجيوش المصرية، بعد ايام معدودة من عزل قائد الحرس الجمهوري وقائد الأمن المركزي.
لا نعرف ما اذا كان الرئيس مرسي سيعيد مجلس الشعب المحلول ام لا، ولكن الغاء الاعلان الدستوري التكميلي هو الخطوة التمهيدية التي ستسهّل عودة الأمور الى مجراها الطبيعي. فهذا المجلس هو مجلس الشعب، وهو الاول المنتخب بانتخابات حرة نزيهة في تاريخ مصر الحديث.
' ' '
من المؤكد، وبعد صدور هذه القرارات التاريخية، ان حالة من الاكتئاب والأرق تسود الآن المؤسسات السياسية والعسكرية في اسرائيل والولايات المتحدة، وبعض العواصم الغربية، لأن مصر لم تعد محكومة ببقايا النظام السابق، ولم تعد تأتمر بأمرة المسؤولين الامريكيين والاسرائيليين، مثلما كان عليه الحال لأكثر من اربعين عاما.
اسرائيل لن تتعامل بفوقية مع الجانب المصري مثلما كانت تفعل في السابق، والادارة الامريكية لن تستطيع تركيع الشعب المصري من خلال مساعدات مالية مهينة، المستفيد الاكبر منها سماسرتها وشركاتها، والمعادلات الأمنية والسياسية التي سادت لعقود تتآكل تمهيدا للاندثار.
قد يجادل البعض بأن ما يجري حاليا هو شكل من اشكال الديكتاتورية تتركز من خلاله السلطات في ايدي حركة الاخوان المسلمين، ولكن أليس الشعب المصري هو الذي اختار هذه الحركة للوصول الى سدة الحكم، ولماذا التسرّع في اطلاق الاحكام، وهل يعقل ان تكون الدولة برأسين، وتخضع لحكم العسكر الذي اعترض عليه الليبراليون لسنوات عديدة؟
اليوم نستطيع ان نقول ان الثورة المصرية اكتملت، او بالأحرى وضعت اقدامها على الطريق الصحيح لتحقيق اهدافها.. نعم انه طريق طويل مليء بالمطبات.. ولكن مخطئ.. بل ساذج.. من كان يتصور انه سيكون سهلا ومعبدا بالورود والرياحين.
نفرح لمصر.. ونتابع مسيرة التغيير فيها، لأنها القاطرة التي يمكن، لو صلح حالها، ان تقود عربات المنطقة العربية نحو مستقبل افضل واكثر اشراقا، بعد اربعين عاما من التيه في صحراء كامب ديفيد.
المؤسسة العسكرية المصرية انحازت للشعب عندما ثار على نظام مبارك الفاسد، وها هي تنحاز له مرة اخرى عندما اراد بعض رموزها القديمة ركوب الثورة، وتغيير مسارها بما يخدم أجندات النظام السابق، وان بطريقة مواربة.
تابعت شخصيا وجه الرئيس مرسي ووجوه المشير طنطاوي ومساعديه اثناء توجههم الى سيناء لمتابعة عمليات الجيش العسكرية، كان الرئيس مرسي مرتاحا غير خائف من الموت، لأنه يتطلع اليه، بينما كان الآخرون مرتبكين، فقد تعودوا على رئيس لا يخرج من مخبئه، ويرتعد خوفا من الناس، منذ محاولة اغتياله في اديس ابابا.. مصر تريد رئيسا وقادة عسكريين لا يخافون الموت، ويبدو ان أمنيتها بدأت تتحقق.



عبد الباري عطوان

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (3)

User
لاخكلاثقكضى
لاخكلاثقكضى 14 سنوات منذ
<strong>رئيسنا كلب فرنسا</strong> مقارنة بسيطة بين بوتلفيقة ومرسي
abassi de suisse
abassi de suisse 14 سنوات منذ
<strong>Le Pt M&amp;nbsp;ORSY un coup de maitre appreciable...</strong> Merci a A3TOINE , pour ton analyse objective sur la situation qui prevaut actuellement en Egypte sous la direction eclairee du Pt M&nbsp;ORSY.Le droit a prime finalement sur les agissements irresponsables et anarchiques des militaires de Tantaoui et son equipe qui se croyaient capables de ficeler les mains et les pieds du PT M&nbsp;ORSY.Un coup de maitre du president M&nbsp;ORSY qui aurait reduit a neant les mascarades infructue&nbsp;uses et malintentionnees des militaires assoiffes de pouvoir qui cherchaient a s\'y eterniser pour la vie.Ces vestiges de l\'ere catastrophique de Moubarak sont tombes et le peuple egyptin s\'en felicite et l\'applaudit avec ferveur.La revolution du peuple egyptien qui avait consenti des sacrifices enormes en martyrs qui se comptent par milliers pour faire chuter le Regime fantoche de moubarak commence a voir apparaitre le bout du tunnel.Felicitations au Pt Morsy et au peuple Egyptien .
خالد
خالد 14 سنوات منذ
<strong>العبد البار للدكتاتورية مسكين</strong> أنت ترى يا العبد البار لكل دكتاتور سقط أحباؤك الواحد تلو الآخر ومن رأيي أنه ينبغي عليك أن تنتحر لأنه لن يبقى مسقبلا من يعطيك الأجر لتدحعمه على المنكر . وأسأل الله تبارك تبارك وتعالى أن يحشرك يوم القيامة مع أحبائك صدام وحسني باراك والقذافي وعبد الله صالح وبشار الجزار في النار حتى تطمئن وتقاسم معهم النعيم الذي سيتمتع به إن شاء الله كل زعيم.