المغرب العربي واميركا... شراكة المقاولات؟
فتحت التحولات السياسية التي تشهدها دول المغرب العربي الابواب واسعة امام نفوذ اميركي جديد في المنطقة سيأخذ في السنوات المقبلة ابعادا متعددة. نقطة التحول الملموسة هي استبعاد أوروبا مما كان إلى وقت قريب الحديقة الخلفية لها
في ديسمبر من العام 2010 عقدت في الجزائر ندوة حول الشراكة الاميركية المغاربية حملت عنوان "شراكة شمال افريقية من اجل الفرص الاقتصادية"، ندوة عقدت في وقت كانت الجزائر تعلن فيه عن تحقيق فوائض اقتصادية ضخمة، وفي وقت بدأت عدّة قوى اقليمية ودولية تتكالب فيه على النفط الليبي. فيما كان العدّ التنازلي قد انطلق في تونس لاندلاع احتجاجات اجتماعية، سارع الاميركان الى التصفيق لها عندما تخلّت فرنسا عن دعمها. فهل هي بداية كنس اوروبا من المغرب العربي بعد ان تمّ إضعاف هيمنتها في القارة الاوروبية؟
لم تكن العلاقات الاميركية المغاربية، تتسم بالعمق اجمالا، بسبب وجود علاقات متوترة بين اميركا وبعض دول المغرب العربي. ولكن منذ العام 1998 أطلقت أميركا، مشروع الشراكة الأميركية المغاربية المعروف بمبادرة "أيزنستات".
فرصة ثمينة
ثم طورت أميركا رسميا هذه المبادرة إلى "مشروع الشراكة الأميركية ـ الشمال إفريقية" بمناسبة جولة وزير التجارة الأميركي السابق روبرت ماليت في عواصم المنطقة في مطلع عام 2000. وتبلورت بعد ذلك صيغة اللقاءات الوزارية السنوية (1 + 3) ابتداء من شهر 4/2000، وتوسعت في العام التالي إلى صيغة (1+ 4) بإضافة موريتانيا إليها.
مايكل غروسمان قال ان المستثمر الاميركي لن يأتي إلى شمال إفريقيا إلا إذا كانت هناك سوق ضخمة تتلاءم وما ترغب فيه الولايات المتحدة. ثمّ تطورت العلاقة شيئا فشيئا بعد ان تمّ تأهيل نظام معمّر القذافي وصار جزءا مقبولا من النظام الدولي وبعد ان ارتفعت عائدات النفط في دول لم تعرف الازمة الاقتصادية العالمية وتكدّست الثروات وصارت الفرص الاستثمارية مغرية جدّا للطّرف الاميركي. ففي الجزائر بلغت الفوائض التجارية نحو 15 مليار دولار وارتفعت الميزانية لتبلغ اكثر من 170 مليار دولار في وقت بلغت فيه الواردات اكثر من 40 مليار دولار ومثلت صادرات النفط اكثر من 97 في المائة من اجمالي الصادرات الجزائرية، ما يعني حاجة الدولة الى استثمارات ضخمة لتنويع الانشطة الاقتصادية. الحال ذاته ينطبق على ليبيا العائدة حديثا الى احضان المجتمع الدولي والتي ترقد على ثروات وعلى فرص استثمارية هائلة، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة الى اعادة الروح لاقتصادها الذي تلقى ضربات مؤلمة بسبب الازمة المالية منذ 2008. فالدّولة الليبية الجديدة تطمح الى بلوغ انتاج نفطي يبلغ 3 ملايين برميل يوميا لتصبح من اكثر البلدان انتاجا للبترول خلال السنوات القادمة، كما تطمح الى اعادة استثمار نحو 150 مليار دولار هي حجم الودائع الليبية المجمدة في البنوك العالمية.
فراغ
بعد التحولات السياسية التي شهدها المغرب العربي يلاحظ المراقبون فتورا في العلاقات بين دول المغرب العربي والشريك الاوروبي وهذا يعود في حقيقة الامر الى جملة من الاسباب يمكن قراءتها ضمن العناصر التالية.
اولها يعود الى اسباب قديمة قريبة وبعيدة تاريخيا. فالبعيدة منها تعود الى فترة الاستعمار الفرنسي لدول المغرب العربي. فبين الجزائر وفرنسا مشكلة لم تستطع العقود الماضية اخفاءها وهي مشكلة اعتراف فرنسا بالجرائم التي ارتكبتها في الجزائر والاعتذار عنها. وفي السنوات الماضية شهد البلدان تجاذبات كبرى اعلامية ومدنية وحقوقية، عطّلت الكثير من المشاريع الاقتصادية. والقريبة منها تعود الى فشل مسار برشلونة الذي عرف بمسار خمسة زائد خمسة في تحقيق الاهداف التي بعث من اجلها. اذ ظلت اجتماعاته مجرّد اجتماعات شكلية خدمت هدفا واحدا هو حماية الحدود الجنوبية للدول الاوروبية المطلّة على المتوسط من قوافل الهجرة غير الشرعية العابرة للمتوسط. وحتى فكرة الاتحاد من اجل المتوسط التي جاء بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لم يكتب لها النجاح لانّها اتخذت ذات المسار الذي سار عليه مسار برشلونة. وقطعت ثورات ما بات يعرف بـ"الربيع العربي" احلام ساركوزي الذي وقف ضد الثورة التونسية وساند حليفه بن علي.
ويعود هذا الفتور الى الازمة الاقتصادية التي تعيشها الدول الاوروبية فلم تعد هذه الدول الممول الرئيسي لمشاريع الاستثمار ودخلت اطراف اخرى على الخط لتملأ الفراغ مثل الصين والولايات المتحدة. اذ قال دومينيك دوفيلبان رئيس وزراء فرنسا الأسبق "ان السياسة الاوروبية بشكلها الراهن غير قادرة على مواجهة التحديات الكثيرة القائمة". وقال "نحن اليوم في وضع اقل من المطلوب مقارنة بما هو علية النمو الاقتصادي في عديد البلدان الاسيوية وخاصة الصين". وقال دوفيلبان "هناك حاجة لنظام اقتصادي اوروبي يتحقق المنافسة المطلوبة على الساحة الاقتصادية الدولية تؤكد المزيد من التناسق من اجل خطاب سياسي اكثر فاعلية." وأضاف السياسي الفرنسي "ان الاهتزازات التي يشهدها العالم تفرض على اوروبا والمغرب وافريقيا جنوب الصحراء اكثر من أي وقت مضى ان تختار بين الشراكة وان تكون احد الاعمدة الاساسية لعالم الغد او على العكس من ذلك ان تنقسم وان تكون بالتالي على اعتاب العولمة." وقال دوفيلبان ان اكثر من ربع النمو الاقتصادي العالمي يحصل اليوم في الصين التي "تستعد لتبوئ موقع القوة الاقتصادية العالمية الاساسية". واعتبر "ان العملاق الصيني بصدد البحث في الوقت الراهن في السودان كما في الجزائر على موارد لتعزيز نموها....". طبعا لا تقف الولايات المتحدة بعيدة عن هذه التحولات خاصة بعد الاطاحة ببن علي وقتل القذافي...
ما بعد الربيع
لقد فتحت التحولات السياسية التي تشهدها دول المغرب العربي الابواب واسعة امام نفوذ اميركي جديد في المنطقة سيأخذ في السنوات المقبلة ابعادا متعددة. البعد الاوّل سيكون امنيا، اذ انّ هذه التحولات ترافقها تهديدات امنية تتطلب من دول المغرب العربي الانفتاح على القوى الدولية لمواجهة هذه المشكلة. والولايات المتحدة التي تمتلك مصالح حيوية في افريقيا لن تتأخر في تقديم الدّعم لمواجهة ارهاب القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي ولن تفوت فرصة التغلغل في الصحراء الكبرى. امّا البعد الثاني فهو البعد السياسي فالولايات المتحدة كسبت الى حدّ الان ثلاثة حلفاء من خمسة دول هي تونس والمغرب وليبيا الجديدة. ويؤكّد مراقبون ان الجزائر تنتظر فرصة لعب دور اللاعب المحوري بسبب وزنها الاستراتيجي لا فقط في المغرب العربي بل في افريقيا والمتوسط.وتشير تقارير ان "العسكر" الجزائري الذي يتحكّم في مفاصل الدولة قد تلقى تطمينات من الجانب الاميركي بلعب هذا الدور ويدور حديث في اوساط المراقبين عن ولادة " حلف مقدّس جديد في المنطقة بين الولايات المتحدة والمغرب العربي بقيادة الدولة الاكبر فيه وهي الجزائر. البعد الثالث هو البعد الاقتصادي اذ تكثفت الاجتماعات ذات الطابع الاقتصادي خلال السنتين الاخيرتين لتعزيز فرص الاستثمار من خلال شراكة "نابيو" وهي شراكة دعم المقاولات والفرص الاقتصادية الشاملة وقد قالت هيلاري كلينتون خلال زيارتها لدول المغرب العربي اواخر ابريل الماضي "ان على دول المغرب العربي تعميق التعاون الاقتصادي بينها لإيجاد بيئات سياسية وخلق فرص اقتصادية.." وهي مطالب تفرضها الشركات الاميركية العملاقة عند دخولها مجالات جيو استراتيجية جديدة.
التحديات
الحلم الاميركي بإخضاع منطقة المغرب العربي لنفوذ الشركات العملاقة من جهة ولنفوذ القوة الاميركية السادسة الملقبة بـ "افريكوم" لم يعد خافيا، بعد ان نجحت في بسط نفوذها على مناطق حيوية في العالم، ولكن هل تقدر على تمرير مشاريعها كما تريد في منطقة خلق فيها التعليم وعيا قويّا لدى اجيال عديدة من المتعلّمين بضرورة مناهضة كل مشاريع الهيمنة؟ في دول المغرب العربي هناك قوى راديكالية ملتحمة بقضاياها القومية ودرست كثيرا ما حدث ويحدث في الشرق الاوسط، وتكاد تكون شبيهة بالقوى الراديكالية المنتشرة في اميركا اللاتينية والتي استطاعت ان تطرد الولايات المتحدة ممّا كانت تسمّى حديقتها الخلفية. هذه القوى تبدو شديدة العداء لمفهوم العولمة الذي يكرّس هيمنة اقتصادية من قبل الاغنياء على الفقراء. وتتابع النخب الفكرية والتي تمتلك اسهامات علمية محترمة في العالم مسار العولمة وتقدّم الافكار والحلول لمقاومة تنفيذ المخططات السياسية والاقتصادية في المنطقة. وهي اليوم ودون ادنى شكّ تراقب التغلغل الاميركي في المنطقة، وترهق حلفاءه الجدد وتفرض عليهم ان يخاطبو العالم بمفاهيم ما بعد 17 ديسمبر و14 يناير 2011.وهي مفاهيم الكرامة والحرية والعدالة.
فهل ستستطيع شراكة المقاولات التي تريدها الولايات المتحدة ان تستوعب هذه المفاهيم ام ستدخل في مواجهة مع اجيال جديدة لم يعد الخوف يجد طريقا الى قلوبها.
كمال بلهادي
كاتب وباحث من تونس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)