الصندوق الأسود للاقتصاد الجزائري
تمثل المشروعات الحكومية الكبرى التوأم صديق للفساد الكبير، ولكن عندما يطال الفساد الصغير كالرشوة قطاع التعليم والجمارك والتوظيف واستغلال السلطة، فثمة مشكلة قيم اجتماعية وثوابت مقدسة باتت معرضة للتفكك في مجتمع يمر بمرحلة تحول دقيقة. وهذه مرحلة من الفساد لا تقوى الأمم الحية على الاقتراب منها وهذا أذان…
تمثل المشروعات الحكومية الكبرى التوأم صديق للفساد الكبير، ولكن عندما يطال الفساد الصغير كالرشوة قطاع التعليم والجمارك والتوظيف واستغلال السلطة، فثمة مشكلة قيم اجتماعية وثوابت مقدسة باتت معرضة للتفكك في مجتمع يمر بمرحلة تحول دقيقة. وهذه مرحلة من الفساد لا تقوى الأمم الحية على الاقتراب منها وهذا أذان بخراب شامل يقرع ناقوسه بشير مصيطفى.
الجميل في الكتب التي هي مجموعة مقالات أنها توفر للقارئ فرصة لاستدراك ما فاته من كتابات للكاتب المهتم بمتابعته، ومن جهة أخرى فإنها تكون فرصة أيضا لقراءة الماضي القريب بعين الحاضر ما يعطي إمكانية لاستشراف المستقبل، خاصة لما يكون الكتاب اقتصادي كما هو الحال مع كتاب "حريق الجسد" للدكتور بشير مصيطفى الذي جمع فيه ثلاثة وخمسون مقالة تحليلية حول الاقتصاد الجزائري في جانبه الاجتماعي والسياسي في الفترة الممتدة من العام 2008 إلى 2011. وكذا التطورات الاقتصادية عالميا وإقليميا وتأثيراتها وانعكاساتها على الاقتصاد الجزائري.
إنه الفساد...
ترتبط المواضيع التي تعنى باقتصاديات الدول ونموها بين الإمكانات والمعوقات في الغالب بظاهرة الفساد التي تعد أبرز مشكل تعاني منه تلك دول بدرجات متفاوتة، ولأهميته أصبح من أهم المؤشرات عن الحكم الصالح. وعلى هذا الأساس لم يكن مستغربا الحضور القوي لهذا الموضوع في الكتاب، حيث عالجته خمسة مقالات من بين مجموع المقالات الثلاثة والخمسون بشكل مباشر من العنوان وحتى الخاتمة (غبرة الحليب تكشف الفساد المستور، عن الفساد مرة أخرى، فساد يهدد الدولة، هل انتهى الفساد، هذا الفساد الذي أخرنا بين الأمم).
جل المقالات في الغالب لا تخلوا من الإشارة إليه من قريب أو بعيد سواء كعناوين فرعية أو في المضمون وهذا ليس بالأمر الغريب نظرا لخطورة وأهمية الظاهرة. إذ تعتبر من وجهة نظر مصيطفى قضية وطنية وظاهرة منظمة لها طرقها وآلياتها وشبكاتها وقواعد إسنادها وتقاليدها وهذه مرحلة متقدمة في طبيعة الأنظمة الفاسدة تشبه إلى حد كبير التكوين العضوي لفيروس يبدل تركيبته بمجرد احتكاكه بمضاد حيوي.
تمثل المشروعات الحكومية الكبرى التوأم صديق للفساد الكبير، ولكن عندما يطال الفساد الصغير، كالرشوة، قطاع التعليم والجمارك وتتوسع عبر المسابقات الوطنية وتتمدد داخل قطاع التوظيف، وعند امتداد استغلال السلطة إلى بعض القائمين على إعداد الجيل، معناه باختصار وجود مشكلة قيم اجتماعية وثوابت مقدسة باتت معرضة للتفكك في مجتمع يمر بمرحلة تحول دقيقة. وهذه مرحلة من الفساد لا تقوى الأمم الحية على الاقتراب منها وهذا أذان بخراب شامل إذا لم تسارع السلطات إلى تفعيل القوانين ذات الصلة بمكافحة الفساد ونشر ثقافة النزاهة بين المسؤولين ومحاسبة الفاسدين منهم مهما على رتبهم. لأنه عامل ممتاز من عوامل انحلال الثقة بين الحكومة والمواطنين.
مشاكل الاقتصاد الجزائري
إذا تجاوزنا مشكل الفساد بمختلف أحجامه وأشكاله وبإطلالة على الكتاب يمكن حصر أهم مشاكل الاقتصاد الجزائري فيما يلي:
* الإختلالات في الساحة الاقتصادية التي طالت كل المجالات والقطاعات والتي تتكشف من حين لآخر بأزمة ندرة مواد واحتجاجات مطلبية تكشف عن المسؤولية الاجتماعية لمؤسسات الدولة والإدارة البيروقراطية للتجارة الخارجية والعجز عن ضبط الأسواق في حالات محتملة وهذا نتاج خضوع المؤسسات الوطنية لمعايير توظيف يشوبها الفساد المستور ولا سيما ما تعلق بالوظائف القيادية ومناصب المسؤولية.
* آفة النزيف من العملة الصعبة حيث تشكوا البلاد من نزيف حاد فيها لا تستبعد التقديرات أن يقل عن 45 مليار دولار خلال الأربعة سنوات الأخيرة (2006-2010) إذ يعد تهريب العملة الصعبة من أكثر أساليب الإضرار بالتنمية الوطنية تطورا.
* يعاني الإستثمار في الجزائر من العديد من العوائق التي جعلت تصنيفها على سلم مناخ الاستثمار ضعيفا، فما يميز قوانين الاستثمار في الجزائر هو عدم الاستقرار أو التغير المتواصل، إذ لازالت المنظومة التشريعية للاستثمار في الجزائر ضحية الرؤية الغائبة التي لم تعد تواكب المعايير العالمية، والاعتماد على الإجراءات قصيرة المدى بدل القانون الذي يحمل صفة الاستقرار، ثقل الجانب الإداري والبطء في إجراءات معالجة ملفات الاستثمار، غموض القوانين المنظمة للعقار الصناعي والفلاحي معا، ثقل وتعقد نظام الضريبة الذي مازال يشجع على التهرب الضريبي وتهريب العملة، رداءة خدمات الاتصال والصيانة، الاشتراطات الغير مبررة فيما يخص حصة الطرف الأجنبي في إجمالي الاستثمار والتي تفرض صيغة التميز بين أطراف العملية الاستثمارية، غموض التحفيزات الجبائية الذي لم يستطع مواكبة أهداف التنمية، وأخيرا ظاهرة الفساد السياسي في تسليم الصفقات وغياب آليات أكثر نجاعة في تطويق الظاهرة من الجانب التنفيذي.
* ملفات الفساد التي تحولت من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي من خلال بعض الشركات الكبرى تدل على هشاشة نظام التسيير وضعف النظام المحاسبي القائم والتسيب الذي طال إدارة المال العام.
* التضخم الذي يخضع لاتجاهات ثلاثة: الاستيراد حيث يبلغ حجم الواردان نفس مستوى الصادرات، الاتجاه الثاني يتمثل في الإنفاق الحكومي الكبير والسيولة النقدية الذي لم يقابله معدل نمو متناسب في قطاع السلع والخدمات بسبب طبيعة الاستثمارات الكبرى التي هي استثمارات في البنى التحتية والمنشآت والاتجاه الأخير هو الاحتكار الذي يمارسه بعض المتدخلين في السوق على بعض المواد المحددة مثل المنتجات الزراعية واللحوم.
* ضبابية النموذج الاقتصادي وعدم التوفيق بين إكراهات اقتصاد السوق من جهة والتدخل الواسع الذي مازالت الحكومة تمارسه من خلال الموازنة العامة نتج عنه اختيارات اقتصادية غير محسومة ونشاطات محتكرة.
* غياب السياسة الاقتصادية بسبب طبيعة الاقتصاديات النفطية وضعف الإدارة الاقتصادية وعدم التنسيق بين قطاعاته المختلفة وتوزع القرار بين مراكز عدة.
الترف الاقتصادي: الابتكار نموذجا
يتطرق الكاتب في ثنايا الكتاب للعديد من السياسات الاقتصادية الخاطئة والتي إضافة إلى إرهاقها لموارد الدولة فإنها تبقى مشاريع غير مجيدة مع تثمينه لسياسات أخرى، وبين هذا وذاك فإننا نجده دائما يدعوا إلى إصلاحها وتدارك الأخطاء وعلى سبيل المثال لا الحصر اخترنا موضوع الابتكار نظرا لأهميته وتشعباته، فحول هذا ينبه خبير الاقتصادي الجزائري إلى أن القطاع الخاص يعتمد على الملكية العائلية ويشكو من ضعف الثقافة المقاولاتية، وإحصاءات الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار (2010) تشير إلى أن 86 بالمائة من مشاريع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تنحصر بين قطاع النقل بنسبة 66 بالمائة وقطاع البناء والأشغال العمومية بنسبة 20 بالمائة وهما قطاعان ضعيفا الارتباط بالابتكار في محتوى الاقتصاد الجزائري لارتباطها بالمنتج الأجنبي من جهة ولأن النقل قطاع خدماتي بالدرجة الأولى. وعندما تسير الأسواق في صف المؤسسات التي لا تبتكر تصبح فكرة الابتكار كلفة إضافة لا يبدو لحد الساعة أن جهة ما تستعد كي تتحملها.
الحكم الصالح: مقاربة اقتصادية شاملة
الحكم الصالح والإدارة الراشدة أصبح من أبجديات التطور الاقتصادي، لذا يقترح مصيطفى خطة لتحقيق الحكم الصالح يسميها "ميثاق وطني لإقامة الحكم الصالح ومحاربة الفساد" حيث تبادر الحكومة لإطلاق مبادرة عملية تحت اسم "مبادرة الحكم الصالح" عبر حوار مفتوح إعلاميا وورشات تفكير مزودة ببرنامج ومنهجية ورزنامة، وتناضل الجمعيات المدنية ذات الصلة من اجل دفع الحكومة إلى إطلاق هذه المبادرة في أقرب وقت. وتشارك فيها الهيئات الفاعلة في المجتمع ويكون للهيئات الدولية صفة خاصة لا تتعدى تقديم المساعدة الفنية وعرض التجارب التي يمكن الاستفادة منها. وتخلص هذه الورشات إلى صياغة ميثاق شرف يسميه "ميثاق سلوك" يحمل صفة الإجماع والإلزام وتتعهد باحترامه جميع الهيئات المذكورة وأهم ما يتضمنه هذا الميثاق:التعيين في المناصب الوزارية والسامية للدولة، الانتخاب الشفاف والنزيه، المساءلة والمحاسبة للحكومة لدى ممثلي الشعب، المحاسبة الوطنية وإصدار التقارير الدورية عنها، عمل الجهاز القضائي على أساس الاستقلالية، الحصول على المعلومات والوثائق، ممارسة حق الإعلام وإبداء الرأي، إدارة الموارد العامة، التنافسية وتسليم الصفقات، تأسيس ودعم المجتمع الأهليين، العلاقة بين السلطات الأمنية المختلفة والسلطة السياسية.
يجري تطبيق التعهدات والالتزامات وتأسيس الهيئات المكلفة بمتابعة الإصلاح على مراحل مدروسة. وينبغي ألا تلغي هذه الخطة المؤسسات الموجودة بل ترمي إلى إصلاحها وإكمال النقص بها وأن يتم التركيز لدى التنفيذ على الموارد البشرية قبل النصوص والمؤسسات. ربما بهذه الطريقة ينخرط الجميع بما في ذلك نواب البرلمان في محاصرة ظاهرة خطيرة اسمها الفساد.
وفي سبيل الوصول لهذه الغاية المرجوة يقدم مصيطفى نموذجا مستفزا ويدعوا إلى الإقتداء به ألا وهو العدو الإسرائيلي الذي تقدم على غرار دول كثيرة في الحكم الصالح غير متأثرا بسياسته الخارجية القائمة على القوة والظلم في غالب الأحيان لأنها أقامت داخلها بناء ديمقراطيا شفافا يحمل الكثير من القوة في مجال المحاسبة والمسائلة والمشاركة الديمقراطية وليس أدل على ذلك (والكلام هنا لنا) من جرجرة رؤساء الدول والحكومات والوزراء إلى المحاكم بتهم الفساد رغم كل إنجازاتهم وتاريخهم.
حلول إجرائية أيضا
لم تقتصر الحلول التي اقترحها مصيطفى على المستوى النظري كما هو الحال مع مبادرة الميثاق الوطني للحكم الراشد ومحاربة الفساد بل كان من خلال متابعته الدائمة والمستمرة للتطورات المحلية والدولية يقترح حلولا إجرائية وعملية نبرز أهمها من خلال ثنايا الكتاب في ما يلي:
* حفز الإنتاج الوطني خارج المحروقات والتحكم في تكاليف الإنتاج من خلال أنماط تسيير أكثر نجاعة لتجنب مفاجآت غير سارة على صعيد المستوى العام للأسعار.
* الاستثمار في التعليم وإدراك حقيقة العملية التربوية المبنية على الكفاءات كون العملية التنموية مبنية على المعرفة أي على الثروة الدائمة. والاستفادة من مخرجات الجامعة الجزائرية التي بإمكانها تطوير الإدارة والتسيير وضخ خبرات جديدة في المجالين الزراعي والصناعي، ويمكن لواضعي السياسات الاقتصادية في البلاد الرجوع إلى أبحاث تخرج هذه الفئة من المجتمع وإلى نتائج أبحاث الباحثين ليكتشفوا أن أغلب الإختلالات التي تعيشها السوق الوطنية محلولة على الصعيد النظري. إلى جانب الاهتمام بالباحثين والمخترعين بمتابعة إنتاج هيئات وإدارات قطاع البحث العلمي وما تقدمه من قيمة مضافة معلنة تكون قد قدمتها للاقتصاد الوطني لأن عكس ذلك يعبر عن ضعف في سياسة البحث العلمي.
* إدراج المنظومة الاقتصادية الوطنية ضمن القيم الاجتماعية وفسح المجال أمام أدوات التمويل الإسلامي عالي النجاعة واستغلال البحبوحة المالية في دعم المؤسسة بصورة مباشرة في القطاعات التي نملك فيها مزايا نسبية.
- إصلاح جذري للمنظومة الاقتصادية، والشروع في تصميم إستراتيجية اقتصادية وطنية جديدة، أهدافها دقيقة وواضحة مبنية على القدرات الكامنة في الاقتصاد الوطني من حيث رأس المال في شقيه المادي والبشري، وتوحيد القرار الاقتصادي بإشراك جيل جديد من المسيرين في مناصب المسؤوليات العليا للبلاد
* إلى جانب عدم التمييز بين المستثمر الأجنبي والوطني، تسهيل الطريق على الاستثمارات الأجنبية الحاملة لتكنولوجيا ويكون من الأهم تقديم تحفيزات جبائية وعقارية ومالية للاستثمارات الأجنبية التي تهدف لخدمت أهداف التنمية التي هي النمو والتشغيل وإنتاج التكنولوجيا، بغض النظر عن جنسية تلك الاستثمارات، عدى ما تفرضه الاعتبارات السياسية وعيوب أخرى على غرار آجال البت في القرارات مثل قرارات التمويل، الإقراض، الملكية العقارية، الإجراءات الجمركية، متطلبات التجارة الحرة، وهذا كله من خلال التدخل للحكومة في الوقت المناسب وليس التدخل في كل وقت وباستمرار.
* ضرورة أن تنخرط مؤسسات الدولة والإعلام وهيئات المحاسبة والمساءلة البرلمانية في حوار وطني واسع حول سبل مكافحة واحد من أخطر الممارسات تهديدا لاستمرار الدولة وتوازن المجتمع.
- إنشاء صندوق وطني للاستثمار الصغير ودعم القطاع الخاص ببنك معلومات فيما يخص المشاريع القابلة للتنافسية إقليميا ودوليا.
* إعادة النظر في نظام الجباية على خلفية إدماج موارد جديدة لميزانية الدولة بعيدا عن الموارد التقليدية (الموارد الريعية المعرضة للنضوب)، والتخفيف من الضرائب المعيقة للإنتاج الحقيقي.
* ترقية الثروة الحيوانية في بلد لا حدود لامتداده ويحاصره التحول من كل مكان من خلال سياسة وطنية تبدأ من الإنصات إلى أصحاب القطاع وتتمدد في ترقية محيطهم الطبيعي وضمان أمنهم على سلم التنمية المستدامة والاستقرار.
النخب والسلطة: العلاقة المنسية
طرح الدكتور بشير مصيطفى موضوعا أثرا ضجة كبيرة عندما تحدث عن زكاة الركاز واصفا إياها بالحل المنسي. طبعا بعد فترة تجاوزت الأحداث الموضوع ونسيه بدوره، ربما يكون هذا نموذجا للعلاقة بين النخب والأنظمة الحاكمة في العالم العربي بشكل عام والجزائر بشكل خاص، إذ أن الكثير من الحلول التي اقترحها مصيطفى لم تجد طريقها للتجسيد على أرض الواقع بل الأسوأ من ذلك أن مخاطر حذر منها أثبتت الأيام صدقها كما حصل مؤخرا في قضية التفكيك الجمركي بين الجزائر والإتحاد الأوربي وتحذيراته من مشكلة التهريب للعملة الصعبة وقضايا الفساد الكبيرة التي يكشف عنها من حين لآخر وضرورة محاربتها حيث ما فتئ يكرر حديثه عن الفساد والحكم الراشد بين الفينة والأخرى ولكن لا حياة لمن تنادي.
يلقي مصيطفى الكرة في ملعب النخبة باعتبارها الجهة الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في مكافحة الفساد المنظم عندما تحرك الرأي العام ( اللامبالي) في اتجاه المطالبة بميثاق وطني يحدد معايير المحاسبة وتسيير المال العام والتعيين في الوظائف العليا للدولة والرقابة على الوظيفة العمومية، غير أن اللامبالاة طالت حتى المؤسسات المعنية بالحلول الإجرائية المقترحة وبذلك تستمر مأساة الاقتصاد الوطني.
بوزيدي يحيى
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)